• التقوى مدار جميع المناسك والشعائر.
  • لن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم.
  • الحق أن الله تعالى لا يحب القشر بل يريد المغزى.
  • التواضع والمسكنة والإجتماب الغضب في غير محله من فروع التقوى.
  • “لن تعدُّوا من جماعتي في السماء إلا إذا سلكتم سبل التقوى حقًّا وصدقًا”.
  • أدُّوا الصلوات الخمس والزكاة والحج ابتغاء مرضات الله وافعلوا الخير على أحسن وجه واتركوا الشر كارهين له.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين .

ما حقيقة ذبح الحيوان يوم العيد

لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الحج: 37)

هذه الآية من الآيات التي تتحدث عن التضحيات، ووُضعت مع الآيات التي ورد فيها موضوع الحج. لقد أُمر المسلمون، سواء ذهبوا للحج أم لا، بأن يذبحوا القرابين في هذه الأيام حتما حال قدرتهم على ذلك. ولهذا السبب يذبح عشرات الملايين من المسلمين في العالم الأنعام قرابينَ في يوم عيد الأضحى الذي يُحتفل به إحياءً لذكرى قربان سيدنا إبراهيم والحج. لكن الإنسان لمجرد ذبحه الأنعام قربانا لا يعدّ مقبولا عند الله بل قد بيَّن الله في هذا الآية ولفت أنظار المؤمنين إلى أن الأصل هو طهارة قلوبهم والتقوى، الأمر الذي يقدره الله .
فلا يفرحنّ المؤمن بمجرد ذبحه يوم العيد حيوانا سمينا وثمينا. فإن لم تكن لديكم التقوى وكانت التضحيات لا تلفتكم إلى تطهير القلوب فمهما ذبحتم من الأنعام فلا قيمة له في نظر الله. لقد بيَّن سيدنا المسيح الموعود الحكمة من هذا الموضوع وعمقه وتفصيله في شتى المواضع، فأقدم لكم بعض المقتبسات من كلامه حول هذا الموضوع. فقد قال مبيِّنا أن الإسلام عبارة عن إلقاء الروح على عتبات الله بكامل الرضا، وأن يتقدم الإنسان للذبح، إن هذا المقام يُنال بعد الفوز بمعرفة الله الكاملة. وكيف تتحقق المعرفة الكاملة، يقول حضرته في ذلك:
إن أصل الخوف والحب والتقدير هو المعرفة التامّة. فمن أُعطِي المعرفة التّامة فقد أُعطي الخوف والحب الكاملَين أيضًا. وكلّ من أُعطي الخشية الكاملة والحب التامّ فقد نُجِّي من كل ذنب ينشأ من التجاسر. (إذن فحب الله وخوفه وإدراك مقامِه وذاتِه هي الأمور التي تخلق المعرفة، وحين تنشأ المعرفة يتمكن الإنسان من اجتناب كل ذنب)
يقول حضرته: عندها يتخلص الإنسان من الذنوب، لأنه يحرز الفهم الصحيح وإدراك الله .

فلا يفرحنّ المؤمن بمجرد ذبحه يوم العيد حيوانا سمينا وثمينا. فإن لم تكن لديكم التقوى وكانت التضحيات لا تلفتكم إلى تطهير القلوب فمهما ذبحتم من الأنعام فلا قيمة له في نظر الله. لقد بيَّن سيدنا المسيح الموعود الحكمة من هذا الموضوع وعمقه وتفصيله في شتى المواضع…

لتحقيق هذا الخلاص لا نحتاج إلى أيّ دم، ولا إلى أيّ صليب ولا حاجة لنا إلى أية كفّارة، بل نحن بحاجة إلى تضحية واحدة، ألا وهي التضحية بنفوسنا، تلك التضحية التي تشعر فطرتنا بالحاجة إليها. وهذه التضحية تُدعى بتعبير آخر «الإسلام». (أي لا يعدّ الإنسان مسلما حقًّا إلا إذا ضحَّى بنفسه) والإسلام يعني تسليم العنق للذبح. أي أن تضعوا أرواحكم على عتبة الله طوعًا وانصياعًا. إنَّ هذا الاسم الجميل هو روح الشريعة كلِّها ولب جميع الأوامر. إن تسليم المرء عنقَه للذبح برضا وقناعة حقيقيين يتطلب حبًّا تامًا وعشقا كاملا. (أي لا يستطيع المرء أن يقدم عنقه برضا وسرور ولا يقدر على التضحية إلا إذا كان الحب والعشق كاملَين) فالحب الكامل يتطلَّب المعرفة. فكلمة الإسلام تُشير إلى أنّ التضحية الحقيقية تحتاج إلى معرفة كاملة وحبّ كامل، لا إلى شيء آخر. وإلى ذلك قد أشار الله تعالى في قوله:

لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم .

ما هي التضحية؟ هي أن تخشوني وتتقوا من أجلي. يجب إدراك هذه النكتة والفلسفة، فليس الله شيئا مخيفا لذا لا بد من خشيته، كلا، بل خشية الله تماثل خوف المرء من عتاب أحبِّ أقاربه، مثلما يخاف الولد أن تسخط منه أمه، فهو لا يخافها لكونها مخيفة في ذاتها، كلا، إنما يخاف لأن لا أحد يحبه كالأم، بل للولد علاقة خاصة بالأم. ولذلك لا يطيق سخطها، ويعرف كيف يقدر كل ما تقول له. فالأولاد الذين يحبون الوالدين لا يرضون حتى عندما يكبرون أن يسخط منهم الوالدان، فهم يبذلون قصارى جهودهم لإرضائهم.
كما نرى في الحب المادي المؤقت كيف يتحمل الماديون دلال أحبائهم، فهذا الحب مؤقت ينتهي في وقت معين، وفي أكثر الأحوال يتلاشى في وقت من الأوقات. أما حب الله فيحسِّن الدنيا والعقبى كلتيهما. فهذا الخوف الذي أمَرنا الله بأن نخلقه في قلوبنا له، إنما هو بسبب قدر مقام الله . فقد قال :

«ليس في وسع الإنسان أن يخاف الله خوفا حقيقيا ما لم يحرز معرفته ».

فالإنسان يرتكب ذنوبا كثيرة لأنه لم يحقق معرفة الله، ومثل ذلك هو يدّعي بلسانه أنه يحب الله لكن في أغلب الأحيان حبُّه للأشياء المادية يفوق حبه لله، لذلك ينسى أوامر الله من أجل المكاسب المادية. ثم إن الله مالك القوى كلِّها وفي الوقت نفسه يُعرض الإنسان عن أوامره في أحيان كثيرة، إرضاء للأسياد الماديين، وكثيرا ما تترسخ عاداته فيرتكب المعاصي غير مبال تماما، إذ لا يخطر بباله مطلقا أن هناك إلها يراه ويراقبه.
الذين يملكون المعرفة التامة ينالون المستوى العالي لخشية الله وحبه، والذين يحرزون هذا المستوى لا يتجرؤون على الذنوب بل يزكّون أنفسهم منها ويفكرون ليل نهار كيف يرضون حبيبهم ويسعون كل حين للعمل بأحكامه تعالى، ولا يُوثرون مصالحهم المادية على أحكام الله تعالى، ولو اضطُروا إلى أن يضحوا بأنفسهم وبأمانيهم من أجل ذلك ضحوا بها، وهذا ما يسمى الإسلام، وفي عهد البيعة نقول «سأقدم الدين على الدنيا»، ولا يمكن نيل مستوى تقديمِ الدين على الدنيا من دون إحراز المعرفة بمقام الله تعالى وذاتِه ، وليكن واضحا كما بين المسيح الموعود أن التضحية بالنفس وعهْدَ تقديم الدين على الدنيا ينبغي ألا يكون بسبب اضطرار وبعدم الرغبة بل يجب أن يكون بصدق القلب وعن رضى، وقال يكون ذلك حين يتّقي المرء ربه ، وقد بين هذا المضمون في مواضع أخرى في كُتبه كما قال في موضع:

“لقد وضع الله تعالى في الشريعة الإسلامية نماذج كثيرة من الأحكام الضرورية، فقد أُمر الإنسان أن يضحي بنفسه في سبيل الله بكل قواه وبكل وجوده. فقد جُعلت القرابين الظاهرية نموذجا لتلك الحالة، ولكن الغرض الحقيقي هو هذه التضحية كما يقول الله تعالى: لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ .”

يقول :

“إنما ذبح الشياه والخراف نموذج لنسأل أنفسنا حين نضحي بشيء صغير هل نحن مستعدون لذبح أنفسنا في سبيله تعالى؟! فإنها نماذج ظاهرية لكي يحاسب الإنسان نفسه) أي لا تبلغ اللهَ تعالى لحوم قرابينكم ولا دماؤها ولكن تصله تقواكم، فاتقوا الله وكأنكم تكادون تموتون في سبيله. وكما تذبحون القرابين بأيديكم كذلك اذبحوا نفوسكم أيضا في سبيل الله. وكلما كانت التقوى أدنى من هذه الدرجة كانت ناقصة” (ينبوع المعرفة، ص91، الحاشية)

التقوى أساس جميع المناسك والشعائر
لقد شرح هذا الموضوع أكثر وهو يبين الحكمة وراء ظاهر النسك والصلاة والصيام والعبادات، وسبب فرض هذه العبادات الظاهرية، فقال :

«إن لم يصحب ظاهرَ الصلاةِ والصومِ الإخلاصُ والصدقُ فلا مزية فيهما. الرهبان والمتنسكون أيضا يقومون بمجاهدات كبيرة. يلاحَظ في كثير من الأحيان أن بعضهم يتحملون مشاق كثيرة ومصائب شديدة حتى تضمر سواعدهم، (قال : أي يضع المتنسكون أيديهم في هيئة واحدة إلى عدة أيام أو عدة أشهر حتى تضمر في مكانها) ولكن هذه المشاق لا تهب لهم نورا ولا ينالون سكينة أو اطمئنانا بل تسوء حالتهم الباطنية أكثر من ذي قبل. يقومون بمجاهدات جسدية لا علاقة لها بالباطن ولا تؤثر في روحانيتهم، (هذه المجاهدة والمشقة التي يقومون بها لا تؤثر في روحانيتهم) لذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم: لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى . الحق أن الله تعالى لا يحب القشر بل يريد المغزى. (لا حاجة إلى القشر والجمالِ الظاهري فقط، بل الأصل الذي يريده الله تعالى هو المغزى) في هذا المقام يُطرح سؤال عما إذا كان اللحم والدم لا يصله، فما الحاجة إلى التضحيات أصلا؟! كذلك إذا كان الصوم والصلاة بالروح فما الحاجة إلى الحركات الظاهرية؟! (قال : ما الحاجة إلى الصلوات والصيام، ألا يكفي أن تنشأ عاطفة في القلب بأننا نسجد لله). وجوابه بأنه صحيح تماما أن الذين يتخلون عن استخدام الجسم لا تقبلهم الروح أيضا ولا يتولد فيها الخشوع والعبودية التي هي الهدف الحقيقي. (قال : أي إن لم تلقوا جسدكم في المشقة ولم تُمَشُّوا الجسدَ مع الروحِ ولا الروحَ مع الجسدِ فلن ينشأ فيكم التواضع والعبودية، ولا يتولد إحساس بأنه ينبغي الرجوع إلى الله تعالى وعبادته عند كل حاجة، قال : لا تتولد العبودية التي هي الهدف الحقيقي، فالهدف الحقيقي هو نشوء الخشوع والعبودية، وأن نشعر كل حين بأنه يجب أن نخضع لله تعالى من أجل كل حاجة ونعبده وحده، وإذا لم ينشأ هذان الشيئان فلا فائدة) والذين يستخدمون الجسد فقط ولا يشركونه الروحَ هم أيضا مخطئون خطأ كبيرا. والرهبان والمتنسكون يدخلون في القسم نفسه. لقد أقام الله تعالى علاقة بين الروح والجسد. والجسد يؤثر في الروح… باختصار، إن السلسلة الروحانية والمادية تمشيان جنبا إلى جنب. عندما يتولد التواضع في الروح يتولد في الجسم أيضا، لذا عندما يتولد التواضع والخضوع في الروح حقيقةً تظهر آثاره في الجسم تلقائيا، كذلك عندما يقع تأثير خاص في الجسد تتأثر به الروح أيضا.» (الحكم، مجلد7، رقم8، عدد 28/ 2/1903م، 2 – 3)

فلا بد أن يتماشى كلاهما معًا، والمؤمن مأمور بأن يقوم بالعبادات والنسك الظاهرية لرفع تقواه ولصلاح روحه ولتطهير قلبه ونفسه، وأن يدرك ماهية التقوى التي هي الهدف الأخير والتي تجعل تضحياتنا وعباداتنا مقبولة عند الله تعالى.
وقد بين المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هذا الأمر بصراحة كبيرة في مواضع كثيرة من كتاباته وأقواله. فقد قال وهو يذكر شروط التقوى:

“إن من الشروط على أهل التقوى أن يقضوا حياتهم بتواضع ومسكنة. وهو فرع من التقوى يجب أن نحارب به الغضب في غير محله. إن اجتناب الغضب في غير محله هو المرحلة الأخيرة والأصعب لكبار العارفين والصِّدّيقين. (أي أن كظم الغيظ وتجنُّب الغضب مرحلة كبيرة وصعبة، بل هي المرحلة الكبرى عند العارفين والصديقين) إن العُجب والغرور يتولدان من الغضب، وبالمثل، فإنّ الغضب يكون أحيانا نتيجة للزهو والتكبر.”

ثم قال : لماذا يغضب المرء، ذلك لأنه يصاب بالكبر والغرور في بعض الحالات ويحتقر غيره ويعدّ نفسه كبيرا، فيغضب على خطأ بسيط من غيره، ولذلك قال إن الغضب يتولد من الكبر والغطرسة) إذًا ينشأ الغضب فقط عندما يفضّل المرء نفسه على غيره. ثم يقول : فالذين يثورون غضبا ويستعدّون للخصام والقتال تدعوهم هذه العبارة لوقفة تأملية، سواء أكان غضبهم في الأمور العائلية بين الزوجين أو في الأمور الاجتماعية مع أناس آخرين، فحيثما يحدث هذا يجب عليهم العمل بهذا النصح، ولاسيما في مناسبة عيد الأضحى هذا، فنحاول القضاء على غضبنا أيضا ونحسن أنفسنا بالتضحية بها)

“إنني لا أرضى بأن يعدّ بعض أفراد هذه الجماعة أنفسهم أفضل مِن سواهم، أو أن يتفاخروا أو يتكبروا ويزدري بعضُهم بعضًا. الله أعلم بمن هو عظيم ومن هو حقير. إن هذه النزعة نوع من التحقير الذي فيه ازدراء، وأخشى أن ينمو هذا الازدراء نماءَ البذرة ويُهلِك صاحبَه. بعض الناس يَلْقَوْنَ كبار القوم بفائق التعظيم والاحترام، ولكن الكبير مَن يستمع إلى المسكين بمسكنة وتواضع، ويواسيه ويقيم لحديثه وزنا، ولا ينطق بما يستفزّه ويؤلمه. يقول الله تعالى: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الحجرات12). فلا ينادي بعضكم بعضا بما يستفزه، فإن هذا دأب الفسّاق والفجّار. إن الذي يستفزّ غيره لن يموت حتى يتعرض لمثله. فلا تحتقروا إخوانكم. ما دمتم جميعا تنهلون من نبع واحد، فما يدريكم أيّكم أكثرُ حظًّا من هذا الشراب؟! لا يكون أحد مكرما ولا معظما بحسب القواعد الدنيوية، إنما كبيركم عند الله التقيُّ: إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:14).”

كيف تتأتى المعرفة الحقة؟!
بيـّن المسيح الموعود بأن المعرفة الحقة إنما تتيسر بالتواضع والانكسار، فعلى الإنسان أن يخر في حضرة الله بمنتهى التواضع وبه يستعين، فقال حضرته:

“إن خير سبيل للتطهر عندي – ولن يُعثَر على سبيل أفضل وأمثل منها – ألا يتكبر المرء ولا يتفاخر بأي شكل، لا من حيث العلم ولا الحسب ولا المال. عندما يهب الله لأحد العين فإنه يرى أن كل نور قادر على أن ينجي من هذه الظلمات إنما ينزل من السماء. إن العين المادية التي نرى بها إنما تعمل عند تيسر الضوء فقط، وهذا الضوء أيضا يأتي من السماء. المرء محتاج إلى نور السماء كل حين، سواء أكان النور الروحاني أو الضوء المادي. (فحضرته عليه الاسلام يبين أن العين لا تقدر على الرؤية ما لم يصلها ضوء الشمس الذي يأتي من السماء، كذلك النور الباطني الذي يبدد كل نوع من الظلمات، والذي هو نور القلوب ويبدد ظلماتها ويملأها بنور التقوى والطهارة بدلاً من الظلمات، هو الآخر ينزل من السماء. ثم يقول حضرته ) إن تقوى المرء وإيمانه وعبادته وطهارته كلها تأتي من السماء، وهذا يتوقف على فضل الله تعالى، فإن شاء أبقاها وإن أراد أزالها. فالمعرفة الحقة إنما هي أن يعدّ المرء نفسه مسلوبًا ولا شيء مطلقا (أي عليه أن لا يعدّ نفسه شيئا) وأن يخرّ في حضرة الله ويسأله فضله بالتواضع والانكسار، ويسأله نور المعرفة الذي يحرق أهواء النفس. (يقول حضرته: فلإحراق أهواء النفس هناك حاجة إلى أن نسأل الله نور المعرفة الذي لا يُنال إلا بفضله تعالى) إن نور المعرفة يخلق في باطن الإنسان نورًا وقوة وحرارة من أجل الحسنات (ثم يقول حضرته: فإن كان هناك نور المعرفة فإنه يحرق أهواء النفس كما يولد في القلب نورا وقوة وحرارة من أجل فعل الخيرات) فإن نال المرء نصيبا من فضل الله وتيسر له نوع من الانبساط وانشراح الصدر (أي إذا نزل عليكم فضل الله وانشرحت قلوبكم وامتلأت نورًا فماذا عليكم أن تفعلوا) فلا تتكبروا على ذلك ولا تتباهوا، بل ازدادوا تواضعا وانكسارا. (أي كلما ازداد المرء نورًا في قلبه فعليه أن يزداد تواضعا وانكسارا لأن حضرته يقول) لأن المرء كلما اعتبر نفسه حقيرا لا يساوي شيئا ازداد نزول هذه الكيفيات والأنوار عليه من عند الله أكثر، وزادته نورًا وقوة. إذا اعتقد المرء هذا الاعتقاد فهناك أمل في أن تتحسن أخلاقه بفضل الله تعالى. إن عَدَّ المرء نفسه شيئا أيضا نوع من الكبر، ويصيبه بالتكبر، فيلعن غيره ويحتقره.”

ثم يقول :

“أقول هذا الكلام مرارا وتكرارا لأن الله تعالى قد جعل الهدف من تأسيس هذه الجماعة أن يعيد إلى العالم المعرفةَ الحقيقية التي غابت منه، ويقيم من جديد التقوى والطهارة الحقيقية التي فُقدت في العصر الراهن. الاستكبار منتشر في العالم بوجه عام. المشايخ يعتزون بعلمهم ويستكبرون، أما المتنسكون فإن حالتهم أيضا آخذة صبغة أخرى تماما، فلم يعودوا يهتمون بإصلاح النفس. بل إن أهدافهم مقتصرة على الأجسام فقط لذا إن مجاهداتهم قد أخذت صبغة أخرى تماما، بما فيها «ذكر ارّه»* وغيره الذي لا أثر له في سيرة النبي . لقد اخترع الناس في هذه الأيام أذكارا من عدة أنواع، فيحسبون أنفسهم علماء وصوفية ولكنهم اخترعوا من البدعات ما لا وجود له في سيرة النبي . أرى أنهم ليسوا منتبهين إلى طهارة النفس قط، بل جُلّ اهتمامهم منصبٌّ على الجسم الذي لم يبق فيه شيء من الروحانية. فهذا النوع من المجاهدات لا يمكن أن يطهّر القلوب أو يهب لها نور المعرفة الحقيقية، والتي خلت من العصر الراهن تماما. لقد تُرك الاقتداء بعمل النبي بل جُعل في طي النسيان. يريد الله تعالى الآن أن يعود عهد النبي من جديد وتتأسس التقوى والطهارة. وقد أراد أن ينشرهما بواسطة هذه الجماعة.”

فلإحراق أهواء النفس هناك حاجة إلى أن نسأل الله نور المعرفة الذي لا يُنال إلا بفضله تعالى) إن نور المعرفة يخلق في باطن الإنسان نورًا وقوة وحرارة من أجل الحسنات (ثم يقول حضرته: فإن كان هناك نور المعرفة فإنه يحرق أهواء النفس كما يولد في القلب نورا وقوة وحرارة من أجل فعل الخيرات) فإن نال المرء نصيبا من فضل الله وتيسر له نوع من الانبساط وانشراح الصدر (أي إذا نزل عليكم فضل الله وانشرحت قلوبكم وامتلأت نورًا فماذا عليكم أن تفعلوا) فلا تتكبروا على ذلك ولا تتباهوا، بل ازدادوا تواضعا وانكسارا.

نصائح ثمينة لرفع مستوى التقوى
تقع مسؤولية كبيرة على أفراد الجماعة الأحمدية، هي أن يخلقوا في أنفسهم تلك التقوى التي يتوقعها المسيح الموعود منا. فمن واجبكم أن تتوجهوا إلى الإصلاح الحقيقي بالأسلوب الذي بيّنه لنا . ثم يقول ناصحا الجماعة بالتحلي بالتقوى:

«فيا مَن تعدّون أنفسكم من جماعتي، اسمعوا وعوا جميعًا، إنكم لن تُعَدّوا من جماعتي في السماء إلا إذا سلكتم سبل التقوى حقًّا وصدقًا. فأَدُّوا صلواتِكم الخمس بخشية وخضوع كأنكم ترون الله تعالى، وأتِمُّوا صيامكم بصدقٍ ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، وكلّ مَن وجبتْ عليه الزكاة فليؤدِّها، وكلُّ مَن وجب عليه الحج فليحجّ ما دام ليس هناك مانع. افعلوا الخير على أحسن وجه، واتركوا الشر كارهين له. واعلموا يقينًا أن كل عملٍ خالٍ من التقوى لن يصل إلى الله تعالى. إنّ التقوى هي أصل كل حسنة، ولن يَضيعَ عمل لم يفُتْه هذا الأصل».

لقد ورد في الحديث: إنما الأعمال بالنيات، عندما يعمل المرء بحسن النية يجزيه الله تعالى حتما، أما إذا كانت نيته سيئة فيعاقَب.
ثم يقول : لا بدّ من أن تُمتحنوا بأنواع من الحزن والمصائب كما امتُحن المؤمنون قبلكم. فانتبهوا جيدا حتى لا تتعثّروا. إن الأرض لا تقدر على أن تلحق بكم ضررا إن كنتم على صلة متينة مع السماء. كلّما تعرّضتم لضرر فإنما هو بأيديكم أنفسكم وليس بأيدي الأعداء. ولو زالت كرامتكم الأرضية كلّها لوهب الله لكم كرامة في السماء لا تزول أبدا. فلا تخذلوه… أخبركم بكل سرور أن إلهكم موجود في الحقيقة، مع أن الجميع خلقُه ولكنه يصطفي مَن يختاره ويأتيه. فمن عظّم اللهَ تعالى وأتاه أتى اللهُ إليه وأكرمه.فإذا أنشأتم الصلة بالله تعالى فسيهب لكم العزة ويأتيكم ويجيب أدعيتكم أيضا كما يقول المسيح الموعود. فيجب على كل واحد منا أن يسعى جاهدا للتحلي بهذه الصفات لنحظى بحماية الله ونوطد صلتنا بالسماء.
لقد نصح المسيح الموعود جماعته بكل إلحاح بشأن إلهام تلقاه من الله تعالى لرفع مستوى التقوى فقال:

“لقد تلقيت من الله تعالى البارحة أي بتاريخ 22/6/1899م إلهاما مرارا أن تصبحوا أتقياء وتسلكوا أدق مسالك التقوى، كان الله معكم. إن الألم يعتصر قلبي وأفكر ماذا أفعل حتى تتحلى جماعتي بالتقوى والطهارة.(ثم قال:) إنني أُكثر من الدعاء حتى يغلبني الضعف أثناءه وفي بعض الأحيان يبلغ الأمر إلى حالة الإغماء. لا يمكن أن تحالف نصرة الله جماعة ما لم تكن تقية في نظره “.

فعلينا أن ننتبه إلى هذه الأمور جيدا. ندعو الله تعالى أن يوفقنا لنخلق في قلوبنا التقوى الحقيقية مدركين ألما كان يعتصر قلب المسيح الموعود ، وأن نؤدي حق حبّ الله تعالى، وفقنا الله جميعا لذلك.

لا بدّ من أن تُمتحنوا بأنواع من الحزن والمصائب كما امتُحن المؤمنون قبلكم. فانتبهوا جيدا حتى لا تتعثّروا. إن الأرض لا تقدر على أن تلحق بكم ضررا إن كنتم على صلة متينة مع السماء. كلّما تعرّضتم لضرر فإنما هو بأيديكم أنفسكم وليس بأيدي الأعداء. ولو زالت كرامتكم الأرضية كلّها لوهب الله لكم كرامة في السماء لا تزول أبدا. فلا تخذلوه… أخبركم بكل سرور أن إلهكم موجود في الحقيقة، مع أن الجميع خلقُه ولكنه يصطفي مَن يختاره ويأتيه. فمن عظّم اللهَ تعالى وأتاه أتى اللهُ إليه وأكرمه.

والآن سندعو معا، واذكروا في دعائكم الأسرى في سبيل الله الذين يتحملون مصاعب الأسر لوجه الله ويقدمون هذه التضحيات لتقديمهم الدين على الدنيا فقط. ندعو الله تعالى أن يفك أسرهم سريعا، ويبرئ ساحة الذين يواجهون القضايا في المحاكم. وادعوا أيضا للأحمديين في باكستان وفي الجزائر بل حيثما كانوا يسكنون في العالم ويواجهون المشاكل بسبب انتمائهم إلى الأحمدية. وادعوا كثيرا لتقدم الجماعة بشكل عام وارتفاع مستوى التقوى عند أفرادها. وادعوا لأبناء الأمة المسلمة أن يهب لهم العقل والفطنة ليدركوا المعنى الحقيقي للتقوى ويفهموا المعنى الحقيقي للحج والقرابين، ويبايعوا إمام الزمان وينالوا رضا الله تعالى. تعالوا ندع معا.
أقول عيد مبارك للجميع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.