- لماذا استعمل القرآن الكريم مصطلح “الآية” بدلاً من “المعجزة” الشائع على الألسنة؟
- كيف يمكن للابتلاءات والأمراض الدنيوية أن تكون هي الورود المقصود في قوله تعالى {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} بالنسبة للمؤمنين؟!
- كيف يكون صدق الأنبياء في نسبة الفضل لله هو البرهان الساطع على نبوتهم؟
____
التفسير:
يقول عامة المفسرين أن المراد من قوله تعالى ]وإنْ منكم إلا واردُها كان على ربك حتمًا مَقضيًّا[ أن كل إنسان سيدخل في الجحيم (تفسير مجاهد). ولكن هذا خطأ، ذلك لأن الحديث هنا يدور عن الكافرين لا عن المؤمنين، إذ ورد قبل ذلك ]ويقول الإنسان أإذا ما مِتُّ لسوف أُخرَج حيًّا[. فمتى ينكر المؤمنون البعث بعد الموت؟ كما سبق أن قال الله تعالى من قبل ]فوربِّك لنحشُرَنَّهم والشياطينَ ثم لنُحْضِرَنَّهم حول جهنم جِثيًّا * ثم لنَنـزعنّ مِن كلِّ شيعة أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا[. فثبت أن الحديث هنا إنما يدور عن الكفار فقط الذين ينكرون البعث بعد الموت، أو الذين تراودهم الشبهات حول الحياة الآخرة. فهم المذكورون في قوله تعالى ]وإنْ منكم إلا ورادُها كان على ربك حتمًا مقضيًّا[. علمًا أن ]حتمًا مقضيًّا[ يعني وعدًا واجبًا مقضيًّا.
واعلم أن سيدنا المسيح الموعود قد قبِل المفهوم العام الوارد في التفاسير، وقال إن قوله تعالى ]وإنْ منكم[ يشمل الناس جميعًا، وأن كل إنسان يدخل جهنم. ولكنه قد صرح أيضًا أن جهنم نوعان: جهنم هذه الدنيا وجهنم الآخرةِ. إن الكافرين سيُلقَون في جهنم الآخرة، ولكن المؤمنين لن يدخلوها، بل إن ما يقاسونه في هذه الدنيا في سبيل الله تعالى من تعذيب وأذى سيقوم مقام جهنم الآخرةِ.
وهذا يعني أن حضرته لم يفسر قول الله هذا باعتباره مرتبطًا بالآيات السابقة، وإنما كآية منفصلة. ولا شك أن هذا المعنى صحيح أيضًا، إذ قد قال النبي نفسه إن المؤمنين يقاسون في الدنيا أكثر من الكفار، بل لقد قال إن الإنسان كلما كان أكثر حظًّا من حب الله تعالى كان أكثر عرضة للأذى في الدنيا.
وقد فُسرت هذه الآية في الحديث أيضًا، ويتضح من الأحاديث أن المعنى الذي بيّنتُه أنا، والمفهوم الذي ذكره سيدنا المسيح الموعود كلاهما صحيح. فقد ورد بصدد المعنى الذي بيّنتُه عن حفصة – رضي الله عنها – أن النبي قال: لن يدخل النار أحد من أصحابي شهِد بدرًا وصلح الحديبية. فقالت حفصة: يا رسول الله، وأين قول الله تعالى ]وإنْ منكم إلا واردُها[؟ فقال النبي : مَه يا حفصة. فأين قول الله تعالى ]ثم ننجّي الذين اتّقَوا ونذَر الظالمين فيها جِثِيًّا[؟ (مسلم، وتفسير جامع البيان للطبري)
وبالمناسبة، فقد ثبت بهذا الحديث أيضًا أن لفظ ]ثم[ الوارد هنا أيضًا لا يفيد الترتيب هنا، وإلا فلن يكون قول النبي هنا نفيًا لقول حفصة بل يكون تأييدًا لـه، إذ سيكون المعنى أننا أوّلاً نُدخل الجميعَ، بمن فيهم المتقون، في النار، ثم ننجّي منها المتقين من بينهم بينما نذر الظالمين فيها جثيًّا. في حين أن النبي أراد رفض هذا المعنى. فثبت أن النبي أيضًا لم ير أن لفظ ]ثم[ في قوله تعالى ]ثم ننجّي الذين اتّقَوا ونذَر الظالمين فيها جِثِيًّا[ يفيد الترتيب، وإنما اعتبره استئنافيًّا.. بمعنى أن هذه الجملة جملة جديدة، والمعنى أننا سنلقي المجرمين في الجحيم، أما المؤمنون فندخلهم في الجنة من دون أن ندخلهم في الجحيم.
وقال الزجّاج: هناك آية أخرى في القرآن تدعم هذا المعنى وهي قول الله تعالى ﴿إن الذين سبقتْ لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعَدون﴾(الأنبياء: 102). لقد تبين من ذلك أن هناك فئة من الناس لن تقترب من الجحيم بَلْهَ أن تدخل فيها. فالزجّاج أيضًا يرى أن قوله تعالى ]وإنْ منكم إلا واردُها[ يخص الكفار، وأن قوله تعالى ]ثم ننجّي الذين اتّقَوا ونذَر الظالمين فيها جِثِيًّا[ كلام جديد منفصل، ومعناه أننا سندخل المؤمنين في الجنة من دون أن ندخلهم في النار. وهذا ما يراه مجاهد أيضًا (القرطبي).
أما الحديث الشريف الذي يدعم المفهوم الذي قد بيّنه سيدنا المسيح الموعود فهو أن النبي سُئل ذات مرة عن الحمى، فقال إن الله تعالى يقول: «هي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظَّه من النار يوم القيامة» (ابن ماجة: الطب، رقم الحديث 3461، والقرطبي).
كذلك قال النبي : «الحمى حظُّ المؤمن من النار يومَ القيامة» (كنـز العمال: الصبر على الحمى، رقم الحديث 6746، والقرطبي).
أي أن المؤمن لن يُلقَى في النار في الآخرة، لأن ما يصيبه في الدنيا من الأمراض كالحمى وما إلى ذلك يُعتبر حظَّه من تلك النار.
وقد ذكر القرطبي هاتين الروايتين نقلاً عن تهذيب التهذيب والطبري.
والواقع أن المفهومَ الذي ذكرتُه لقوله تعالى ]وإنْ منكم إلا واردها[ كان الخليفة الأول للمسيح الموعود هو الذي يذكره (انظر حقائق الفرقان)، وهو ثابت من الحديث الشريف أيضًا كما أثبتُّ. وهذا ما رآه ابن عباس أيضًا حيث قال «هذا خطابٌ للكفار». ورُوي عنه أنه كان يقرأ: «إنْ منهم إلا واردها».. أي إنْ مِن أحد من الكافرين المذكورين من قبل إلا واردُ جهنم. وقد أقرَّ هذه القراءة عكرمة وجماعةٌ من التابعين (القرطبي). ويقول القرطبي أن اعتبار ]مِنكم[ بمعنى «منهم» جائز كما قال تعالى ]وسقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا[، ثم قال بعد ذلك فورًا ]إنّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيُكم مشكورًا[(الإنسان: 22-23). فاستخدم الله أولاً ضمير الغائب فقال ]وسقاهم ربهم[، ثم استخدم ضمير المخاطب فقال ]إنّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيُكم مشكورًا[. وبالمثل فإن قوله تعالى ]منكم[ يعني هنا «منهم» أي من الكفار المذكورين من قبل.
إذًا، فكل من المفهومين اللذين ذكرتهما أعلاه ثابت من الحديث الشريف ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم.
كل إنسان يدخل جهنم. ولكنه قد صرح أيضًا أن جهنم نوعان: جهنم هذه الدنيا وجهنم الآخرةِ. إن الكافرين سيُلقَون في جهنم الآخرة، ولكن المؤمنين لن يدخلوها، بل إن ما يقاسونه في هذه الدنيا في سبيل الله تعالى من تعذيب وأذى سيقوم مقام جهنم الآخرةِ.
شرح الكلمات:
نديًّا: النديّ: النادي (الأقرب).
التفسير:
إن البعض عندنا يقوم بترجمة حرفية لقوله تعالى ]وإذا تتلى عليهم آياتُنا بيّناتٍ[ كما فعَل الشاه رفيع الدين في ترجمته الأردية للقرآن الكريم. مع أن جملة «تلا عليه كذا» يعني قرأه قراءةً يسمعها صاحبُه.
إن من خصائص اللغة العربية والقرآن الكريم أنهما يستخدمان للدلالة على موضوع ما ألفاظًا لا تشير إلى الموضوع فحسب، بل تحوي الدلالة الكاملة عليه أيضًا. وعلى سبيل المثال، نستخدم في لغتنا الأردية لفظ المعجزة أو الخوارق وما شابههما بمعنى الآيات الإلهية، مع أن أي لفظ منها لا يبين المدلول الحقيقي والغاية الحقيقة لآيات الله تعالى. لا شك أن «المعجزة» كلمة عربية، ولكن القرآن الكريم لم يستخدمها، كما لم ترد في الحديث الشريف؛ وإنما اخترعها الناس من عند أنفسهم؛ وهي لا تؤدي المعنى الذي اختُرعت من أجله. لقد استعمل القرآن الكريم لبيان هذا المفهوم كلمة الآية، ومن معانيها العلامة أيضًا، ولكن لفظ العلامة أيضًا لا يؤدي المفهوم الذي تنطوي عليه كلمة الآية. إن مفهوم الآية هو دلالة شيء على شيء آخر. وقد بين الله تعالى باستخدام لفظ «الآية» أن ما يُظهر الله تعالى من آيات لا يكون بدون هدف، بل يكون وراءها مقصد وغاية. أما لفظ «المعجزة» فليس إلا تعبيرًا عن القدرة والقوة، كأن يضرب الإنسان شخصًا بالعصا فيفرّ من أمامه، فيدل ذلك على قوة صاحب العصا. بينما تدل كلمة «الآية» على أن وراء ذلك الفعل هدفًا معينًا، وأنه يُعرَض على الناس كدليل يفهمون به ذلك الهدف المنشود.
نعرف بفحص جميع الأديان الموجودة في العالم أن كل واحد منها يدعو الناس إلى الإيمان بأمور غير مرئية أيضًا. وبما أنها أمور غيبية خفية فيقدم الدين براهين أخرى تدل على وجودها. وبعض هذه الدلائل عقلية بحتة، وبعضها دالة على قدرة الله وعلمه بالغيب، فيسهل بها على الناس إدراك تلك الأمور الغيبية. خذوا مثلا قضية نبوة الأنبياء عليهم السلام، فلم ير أحد في الدنيا قط ملاكًا نـزل من السماء، وتكلم مع أحد من الأنبياء. فبما أنها ظاهرة خفية على الناس لذا يدعمها الله تعالى بآيات تكون علامة على أن ما يقوله النبي لا يقوله من عند نفسه، وإنما من عند الله تعالى. وبالمثل لم ير أحدٌ من البشر اللهَ تعالى قط، لذا فإن إثبات وجوده تعالى يتطلب تقديم الأدلة التي تقرب لنا وجوده بحيث يتراءى للعيان، ويصدّق العقل بأنه تعالى موجود فعلاً، وبأنه متصف بصفات شتى.
إن مثل هذه البراهين تسمى في لغة القرآن الكريم آياتٍ لأنها تَظهر لتُؤكد أن الله عالم الغيب أو أنه قادر مطلق أو أنه حيّ قيّوم. فمثلاً يدلي النبي بخبر غيبي، ويعلن أن الله تعالى هو الذي أخبره بذلك. ومعلوم للجميع أن الإنسان ليس بقادر على معرفة الغيب، إذ لو كان عالمًا بالغيب لما عزا خبر الغيب إلى الله تعالى، بل عزاه إلى نفسه هو، فإننا نشاهد يوميًّا أن الناس يعزون إلى أنفسهم محاسن الآخرين. فمثلاً يقرأ البعض كتابًا لشخص آخر، ثم ينشرون مضامين الكتاب في مقال باسمهم. يعزون إلى أنفسهم جهود المصنف الحقيقي الجالس في قطر آخر من العالم. بل الحق أن الناس يسعون دائمًا أن يعزوا إلى أنفسهم كل عمل حسن. فذات مرة ذهب فريق مدرستنا الأحمدية إلى مدينة أمرتسر لمباراة مع الكلية السيخية التي تدعى «الخالصة»، ولم أكن إذاك أدرس في المدرسة ولكني كنت على صلة معها حيث كنت أكملت دراستي فيها مؤخرًا، فذهبت أنا الآخر مع الفريق. ولما وصلنا إلى أمرتسر بقي اللاعبون هناك، وذهبت أنا إلى لاهور. وحين رجعت استقبلني على محطة القطار بعض ممن كانوا أشد صلة بي. فقال لي أحدهم إن مباراتنا كانت مثيرة، وقد أثنى علينا الجماهير كثيرًا، وأننا قد حققنا فوزًا رائعًا. ففرحت بالخبر بطبيعة الحال وقلت الحمد لله. ثم قال لي هذا إن الناس قد أشادوا بكل واحد منا، إلا أنهم قد أُعجبوا بأداء قائد فريقنا إعجابًا كبيرًا. ففرحت بذلك أكثر لأن قائد الفريق كان نسيبًا لأخي مرزا بشير أحمد، وكان لاعبًا رائعًا بالفعل. ولكن هذا الشخص قال فيما بعد: لقد حدث شيء غريب وهو أن الجميع كانوا يظنون أنني أنا قائد الفريق. مما يعني أنه نسب إلى نفسه كل الثناء الذي كان من حق القائد.
إذًا فالقاعدة أن الناس إذا رأوا في غيرهم ما هو حسن سعوا أن يعزوه إلى أنفسهم. فيسرقون أبيات الآخرين وينشرونها باسمهم. ولكن متى يوجد في الدنيا غبي هو من فحول الشعراء، وقد نال من كبار الشعراء والأدباء الثناء الكثير، ومع ذلك يقول عن قصائده إنها ليست من قريحتي، بل هي من إبداع فلان؟ اللهم إلا بعض الأغبياء ذوي المستوى الوضيع الذين يحاولون قرض الشعر ثم يعزونه إلى فحول الشعراء بغية المدح والثناء. فيقولون مثلاً هذا البيت لأنوري أو خاقاني أو سعدي أو الحافظ الشيرازي. مثلما يلفّق بعض الكذابين روايات من عند أنفسهم ثم يقولون هذا من حديث رسول الله . ولكنك لن تجد شخصًا يملك ناصية الكلام ثم يعزو كلامه إلى غيره، أو شاعرًا بارعًا ينسب شعره الرائع إلى غيره، إذ لا أحد في الدنيا يستعد أن يعزو إلى الآخرين ما يزيده شرفًا وصيتًا.
والآن تدبَّرْ أمر النبوة آخذًا هذه القاعدة في الحسبان. فإن النبي حين يُبعث إلى الدنيا ويدلي بأخبار الغيب أمام أهلها، فلا يقول إني أنا الذي أقول ذلك، بل يعلن أن الله تعالى هو الذي أخبره بهذا. فلو كان النبي بنفسه عالمًا بالغيب فما الداعي أن يعزو تلك الأخبار الغيبية إلى الله تعالى. إنه يعزوها إلى الله تعالى لأنه يكون على يقين تام بأن الله تعالى هو الذي قد أطْلَعَه على ذلك الغيب، وإلا فما هو الداعي لأن يعزو ميزته هذه إلى الله تعالى؟
ثم إننا نشاهد أن تلك الأخبار الغيبية تتحقق أيضًا، وهذا يكشف للدنيا أنه صادق في دعوى النبوة، وأنه على صلة مع الله تعالى. كما يدل هذا أن هناك عالِمًا بالغيب .
وبالمثل فإن الآيات الإلهية تبرهن على أن الله حي قيوم. فمثلا يكون هناك مريض قد أشرف على الموت، وصار بطيء النبض متقطع الأنفاس، فيمسّه عبد من عباد الله تعالى ويدعو لـه بالشفاء، فتظهر فيه آثار الحياة من جديد، فتعود إليه أنفاسه وتستقيم حواسه، ويستعيد قوته وطاقته؛ وكل من يرى هذا المشهد يوقن بأن الله تعالى هو الحي القيوم. ذلك لأن عبد الله هذا ما كان قادرًا على أن يشفي هذا المريض وينقذه من الموت، ولكن ببركة دعائه وابتهاله أمام الله تعالى عادت الحياة ثانية إلى ذلك الجسد الشبيه بالميت، مما شكل برهانًا أكيدًا على أن ربنا حي قيوم.
أو يكون هناك مثلاً شخص لم يقدر على الإنجاب رغم زواجه من أعوام كثيرة. فيدعو لـه أحد الأنبياء أو الصلحاء الأخيار، فيُرزق الأولاد. فتشكّل هذه الآية برهانًا على أن ربنا خالق.
فثبت من ذلك أن الآيات هي العلامات التي تظهر للدلالة على هدف أسمى، فتُثبت وجود البارئ تعالى مثلاً، أو تبرهن على صدق الأنبياء ……
(يُتبع)