التاريخ: 2017-12-08

مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • كيف يدعو واقع حال المسلمين اليوم للأسف؟
  • إشكالية الأرض الغنية والشعب الفقير
  • أيمكن القول أن نكبة القدس بدأت اليوم؟
  • كيف يمكن للمرء أن يصير غنيًّا؟
  • ما مظاهر الشرك الملحوظة في العالم المعاصر؟
  • ما أصل السيئات كلها؟
  • ما هو الحل للبلاد الإسلامية في ظل الأوضاع السياسية الراهنة؟

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران: 15)

في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى طبيعة حال من يعيشون بمنأى عنه ، ولا يضعون نصب أعينهم إلا نيل المتاع الدنيوي. وحين يعشو الإنسان عن ذكر ربه يسيطر عليه الشيطان. لا شك أن متاع الدنيا بأسره من خلق الله تعالى ومن نِعمه التي يجدر بنا الاستفادة منها، وقال لنا المسيح الموعود أيضا بصراحة أن الانقطاع عن أمور الدنيا ومتاعها كليةً أيضا أمر مجافٍ للصواب، والزواج أيضا ضروري وهو سنّة الرسول ، وكذلك هناك أمور أخرى كان الصحابة أيضا يقومون بها، وكان بعض الصحابة يملكون ثروات طائلة، ولكنهم ما كانوا منغمسين في الدنيا وما كانوا متكالبين عليها. يقول المسيح الموعود :

«اعلموا أنْ ليس من مشيئة الله أن تتركوا الدنيا كليا، بل هو يريد أن تعملوا بمقتضى قوله : قد أفلح من زكّاها ، أيْ اشتغلوا في التجارة والزراعة وشتى الوظائف، وافعلوا ما تشاؤون، ولكن امنعوا النفس من معصية الله، وزكّوها لئلا تشغلكم هذه الأمور عن الله .» (الحكم عدد 29/8/1908م)

وقال في موضع آخر:

«إن للنفس حقوقًا جائزة، أما الذي لا يجوز هو الإسراف في تدليلها».

فعلى المؤمن أن يضع نصب عينيه دوما ألا يتهافت على متاع الدنيا بحيث ينسى اللهَ تعالى، كما قال الله تعالى في هذه الآية:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ

ثم بيّن تفصيل هذه الشهوات أيضا، التي لا يريدها الناس سدًّا لحاجاتهم الضرورية فقط، بل ورد هنا ذكرُ أولئك الذين هم منغمسون في حب الدنيا ويقضُّ مضاجعهم الركض وراء متاعها. ومن معاني الشهوةِ الرغبة العارمة في شيء ما، أو حبه والقلقُ لأجله كل حين، ومن معانيها المحصِّلة والغاية والنتيجة القبيحة لأهواء النفس، والرغبةُ الجنسية أيضا تسمى الشهوة. فحين قال الله تعالى هنا:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ

إنما عنى أن هذا الحب ليس من الله بل هو من الشيطان لأنه لا يقتصر على الاستفادة من نِعم الله تعالى، إنه ليس حبا عاديا لشيء جميل، بل يبلغ هذا الحب والرغبة في ذلك الشيء الجميل مبلغا خطيرا، إذ يقلق المرء ويضطرب لنيله كل حين وآن، ويسرف في التعلق بمتاع الدنيا ومقتنياتها مجاوزا حد الاعتدال. فإذا انغمس المرء في حب هذا المتاع إلى هذا الحد لم يعد من نعم الله تعالى، بل يكون حمائل شيطانية يسلك المرء لاقتنائها كل سبيل، وإن كانت سبلا غير شرعية، وهذا ما نراه في المادّيين عموما، فإنهم يجاوزون الحدود من أجل المال والمراتب الدنيوية والعلاقات غير الشرعية مع النساء، وإن تزوجوا تزوجوا من أجل الحصول على المال أو يتمنّون أن يتزوجوا من امرأة ثريّة، كذلك تكون الدنيا فقط هي شغلهم الشاغل في سائر الأمور أيضا.

إنما عنى أن هذا الحب ليس من الله بل هو من الشيطان لأنه لا يقتصر على الاستفادة من نِعم الله تعالى، إنه ليس حبا عاديا لشيء جميل، بل يبلغ هذا الحب والرغبة في ذلك الشيء الجميل مبلغا خطيرا، إذ يقلق المرء ويضطرب لنيله كل حين وآن، ويسرف في التعلق بمتاع الدنيا ومقتنياتها مجاوزا حد الاعتدال.

واقع حال المسلمين اليوم يدعو للأسف
مع أن الله تعالى أعطى المسلمين هذا التعليم المثالي ووصاهم أيضا أن بمراعاة حد الاعتدال في طلب هذه الأشياء، محذرا إياكم ألا تسعوا وراءها بحيث تصبح هي الغاية من حياتكم لأنها من أسباب الدنيا العارضة، لذا عليكم أن تفكروا أنكم راجعون إلى الله تعالى وماثلون بين يديه يوما، ولكن للأسف نرى أكثرية المسلمين يسعون وراء هذه الأشياء الدنيوية ونسوا الغاية من حياتهم. إن العلماء والقادة وكل من يجد فرصة إنما يسعى للحصول على هذه الأمور المادية كيفما أمكن. وحين تنشأ هذه الرغبات في زعماء القوم يتسلل الضرر شيئا فشيئا إلى البلاد والأمم، وما ساد من فساد وفتن في بلاد المسلمين في هذه الأيام سببه أن الحالة التي وصف بها الله تعالى المادّيين والمجافين لتعاليم الدين هي نفسها حالة المسلمين اليوم. أما القادة فيصِلون إلى الحكم مدَّعين خدمة الشعب، ولكنهم بعد ذلك يبدؤون بنهب الأموال بشكل لا يُتصور، وأما العلماء فقلّما يقلقون لتحسين حالة الناس الدينية، فمسعاهم أصلا هو جعل الناس أتباعا لهم باسم الدين، وبلوغ سُدَّة الحكم بطريقة ما، أو الانتفاع من الحكومة وجمع الأموال وامتلاك العقارات. لا شك أنهم يتلفظون باسم الله بألسنتهم، ولكن لا تبدو في أعمالهم سمة تقوى الله تعالى. نرى مثل هذه الأمور عموما في باكستان، إذ لا يتورَّع هؤلاء القادة المسلمون عن إزهاق الأرواح في سبيل السلطة، فلا يراعون قيمة الحياة الإنسانية، وقتل النفس عندهم لا تتعدى شناعته اقتلاع الجزر أو الفجل. ومِثل هذا يحدث في كثير من البلاد، بهدف الاحتفاظ بالسلطة وإظهارا للقوة وطمعا في الأموال، التي لن تمتلئ بطونهم مهما كثرت.

الحالة التي وصف بها الله تعالى المادّيين والمجافين لتعاليم الدين هي نفسها حالة المسلمين اليوم. أما القادة فيصِلون إلى الحكم مدَّعين خدمة الشعب، ولكنهم بعد ذلك يبدؤون بنهب الأموال بشكل لا يُتصور، وأما العلماء فقلّما يقلقون لتحسين حالة الناس الدينية، فمسعاهم أصلا هو جعل الناس أتباعا لهم باسم الدين، وبلوغ سُدَّة الحكم بطريقة ما…

متلازمة الأرض الغنية والشعب الفقير
ما السبب في كون معظم البلاد الإسلامية تمتلك الثروات والموارد الطبيعية ومع ذلك يسودها البؤس والفقر بحيث يُمسي الفقير أشد فقرًا، حتى أنه لا يتحصَّل على قوت يومه إلا بشق الأنفس؟! خذوا السعودية مثلا، فإنها دولة غنية جدا، ومع ذلك يزداد الفقر هنالك أيضا. كان فيها الفقراء من قبل، ولكن عددهم في ازدياد مستمر الآن. فرغم أنها تمتلك ثروة النفظ إلا أن فجوة الفقر تتسع فيها اليوم. أمراؤها وأثرياؤها فقط يتنعمون في الرخاء، وهؤلاء ينفقون ملايين الدولارات يوميا. يجلبون الثروة بطرق غير مشروعة، أو يهضمون حقوق الفقراء، ثم ينفقونها أيضا على أمور غير مشروعة. نسأل الله تعالى أن يعيد إلى هؤلاء الحكام والملوك صوابهم، فيراعوا سبل التقوى في جمعهم تلك الأموال وفي إنفاقها أيضا في المحل الأنسب، لو فعلوا ذلك فسوف يفوزون برضا الله تعالى، كما يصبحون قوة دنيوية يُعتدّ بها، وستقبل القوى غير الإسلامية قولهم بدلاً من أن تجعلهم منقادين لها.

على هامش الموضوع، نكبة القدس لم تبدأ اليوم
في هذه الأيام هناك ضجة كبيرة في العالم بسبب إعلان الرئيس الأمريكي عن عزمه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل. الواقع أن الدوائر الإسرائيلية الرسمية كلها كانت موجودة في القدس سلفًا، ولكن العالم الخارجي لم يكن راضيا بذلك، أما بعد هذا الإعلان فثارث ضجة كبيرة في العالم الخارجي واستهجن الناس وشتى الدول هذا القرار. مما لا شك فيه أن هناك ضجة، لكن الحق أن كل هذا إنما هو بسبب ضعف المسلمين. هناك حروب بين البلاد الإسلامية، وتسود القلاقل بلاد المسلمين، وهذا ما أتاح للأغيار الفرصة لخلق مثل هذه الظروف وإصدار مثل هذه الإعلانات. إن الرئيس الأمريكي يريد ألا يقوم السلام بين المسلمين أبدا، لكي يفرض عليهم هؤلاء الأغيار قراراتهم كما يحلو لهم. الآن تعلن السعودية أنها لن تقبل بقرار الرئيس الأمريكي أبدا، لكنها قبل أيام كانت تبدي موافقتها على كل ما كان يقوله هذا الرئيس. فقد أيدت السعودية قرار الولايات المتحدة باتخاذ الإجراءات الصارمة ضد إيران. كان على السعودية عندئذ أن تمنع الرئيس الأمريكي من هذا وتقول له إننا مع البلاد الإسلامية، ولن نقبل أي عدوان على المسلمين من قبل أية دولة كبرى. ثم إن السعودية تستعين بالقوى الكبرى في عدوانها على اليمن. وقد وافقت السعودية على القرارت الأمريكية لكي تُظهر قوتها وتبسط نفوذها ورعبها على تلك المنطقة وتجلب المنافع من أمريكا. لقد أعرض هؤلاء عن أحكام الله تعالى من أجل متاع الدنيا الفانية، وليس مآل عصيان أحكام الله إلا ما يرونه اليوم بأم أعينهم، فلا بد الآن أن يركب الأغيار على رقابهم باستمرار. إن الذين لا يبرحون يلهثون وراء المتع المادية فقط ولا يكون لهم هم إلا تحقيق أمانيهم الدنيوية، قد شبههم سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بمريض الجرب، الذي يجد اللذة في حكّ جسده ظنًا منه أن هذا يجلب له الراحة الكبيرة. لا شك أنه بحك جسده يشعر بالراحة العابرة، لكنه في الواقع يجرح جلده حتى يسيل منه الدم متدفقا أحيانا. فهذه الأشياء المادية التي يتمناها المرء أكثر من اللازم، تكون نقمة عليه في نهاية المطاف. فمن يحسبون أن تصرفاتهم هذه تزيدهم قوة وعددًا، إنما يريقون دماءهم بأيديهم، بالإضافة إلى جلب سخط الله عليهم. لقد بين الله تعالى هذا الموضوع في آية أخرى حيث قال:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ . (الحديد: 21)

فمن واجب المؤمن أن يلتمس مغفرة الله ورضوانه ولا يكون كمريض الجرب فيفسد حياته وعاقبته، بالتفاخر بمتاع الحياة الدنيا والسعي الحثيث في سبيل إحرازه فقط.

كيف تصير غنيًّا؟!
ذات مرة قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام في أحد المجالس وهو يرسم مُتع الحياة الدنيا وحقيقتها:

«كلما توقف المرء عن اللهاث وراء تحقيق الأماني المادية تحقق مراده أكثر. الذي يلهث وراء المتع المادية تضطرم النار في صدره على الدوام، فيظل في العناء الدائم. الراحة في هذه الحياة الدنيا إنما تكمن في الخلاص من هذا القلق، أي النجاة من السعي الحثيث من أجل حطام الدنيا. يحكى أن راكب حصان مر في طريقه برجل فقير لم يكن على جسده من الثوب إلا ما يستر عورته فقط. فقال له: كيف حالك أيها الرجل؟ قال: حالي حال من تحقق له كل ما أراد. فقال الراكب في استغراب: كيف تحقق مرادك كله؟! قال: ما دمتُ قد تخلّيت عن الأماني كلها فكأنها تحققت بالنسبة لي».

يقول حضرته:

«زبدة الكلام أن الإنسان عندما يريد أن تتحقق له جميع أمانيه فإن معاناته تبدأ، ولكن عندما يتخلى عنها زاهدا فيها فكأنه حاز كل شيء. معنى النجاة أن يشعر الإنسان بالسعادة لا المعاناة. إن حياة الألم غير مستحسنة في هذه الحياة ولا في الآخرة».

قال حضرته:

«هذه الحياة لا محالة إلى زوال، لأن مثلها كمثل قطع الجليد التي تذوب رويدا رويدا مهما حفظتموها في الصناديق والأقمشة. كذلك مهما حاول المرء الإبقاء على حياته، فالحق أنها تنقضي رويدا رويدا وتنقص يوما فيوما. يوجد في العالم الأطباء ولكن لم يصف أحد إلى يومنا هذا وصفة تديم العمر. عندما يهرم المرء يزوره البعض ويقول: لم تبلغ من العمر عتيا، ويحدثونه بمثل هذه الأحاديث من قبيل المجاملة فحسب، مثل: لم تزل شابا، إذ لم تبلغ الـ 60 أو 70 عاما. إن نفس الإنسان تخدعه، وتمنِّيه بطول العمر. نرى في الأعمار في العالم أن القوى تبدأ في الاضمحلال بعد بلوغ المرء 60 عاما. ومن بلغ 80 أو 82 وبقيت قواه أيضا سليمة بعض الشيء كان سعيدا جدا، وإلا فالكثير منهم يمسون شبه مجانين، ولا يطلب الناس مَشُوراتهم، إذ لا يبقى في عقلهم ودماغهم نور. في بعض الأحيان تظلم النساء أيضا مثل هؤلاء المسنين حتى إن بعضهن ينسى إطعام هؤلاء المسنين في بعض الأحيان. المشكلة أن الإنسان يبقى لاهيا في حال القدرة والشباب، فلا يذكر الموت، ظنا منه أن تلك الحال ستبقى إلى الأبد، ويرتكب سيئ الأعمال، ثم عندما يدرك الوضع في النهاية يكون عاجزا عن فعل أي شيء. باختصار، يجب على المرء أن يغتنم فترة الشباب.»

لقد كان حضرته يفهّم صديقه الهندوسي «شرمبت» في المجلس فقال:

«لا شك أنك قد تحقق بعض غاياتك في حياتك، ولكن إذا فكّرت الآن لشعرت أنها كانت كفقاعة لا تلبث أن تنفجر، فلا يبقى في اليد منها شيء. عيشة النعيم الخالي لا تنفع بشيء بل تُذْكي لظى الحسرة.»

أي عندما يمر الإنسان من الراحة ثم يتعرض للآلام فلا يستفيد شيئا مما مضى بل يزداد تألمًا بتصور الماضي، فكلما فكّر في الماضي ازدادت آلامه. قال حضرته:

«من هنا يستنتج العاقل أن على الإنسان أن يكون «ابن الوقت» أي أن يكون مستثمرا كل لحظة من حياته ومراعيا ظروف الوقت ومتصرفا بحسبه، فالحياة هي ما كان في يده أما ما فات فقد مات، ولا جدوى من البكاء على اللبن المسكوب. ألا ترون كم يكون الطفل مسرورا وهو في حضن أمه بحيث تكون فترة طفولته تلك كجنة له، ولكن فكّروا الآن أين مضت تلك الفترة.»

لقد انقضت تلك الفترة، وكذلك تنقضي كل هذه الأمور التي هي من قبيل متاع الدنيا المؤقت، والراحة والسهولة أيضا من جملة ذلك المتاع المؤقت، فلا بد أن ينتبه الإنسان إلى هذا الامر عندما يحوز الراحة واليسر والحكم والمنصب. قال حضرته:

«أنّى للأيام الخالية أن تعود؟! (ثم يذكر حضرته واقعة فقال) رُوي أن ملكا كان يمر من مكان، فبكى متذكرا يوم كان وأصحابه أطفالا صغارا، وهو يواجه معاناة كبيرة منذ أن تركته هذه الصحبة.»

لقد بكى لأنه رأى الصغار يلعبون بعيدا عن الهموم، ومن هنا تذكر طفولته ومتعة تلك الفترة ثم فكر فيما آل إليه حاله. إن الملوك أيضا لا يذوقون الراحة والسكينة الحقيقية رغم توفر شتى الأسباب لراحتهم. يقول حضرته:

«إن فترة الهرم سيئة، عندها يتمنى الأقارب أيضا لو يموت العجوز، وتموت قواه قبل موته، (وتكون قلوب بعض الأقارب قاسية بحيث يقولون نظرا إلى حالة المريض أو تقدمه في السن: إنه يشكل عبئًا كبيرا علينا. يقول حضرته عن فترة الهرم تلك) تتساقط الأسنان، ويذهب البصر ويصبح المرء كأنه تمثال حجري، إذ تذهب نضارة وجهه. والبعض يصابون بأمراض خطيرة فيقدمون على الانتحار في نهاية المطاف.»

وهذا ما نراه حادثا في العالم، فإن الإنسان لا يساوي شيئا، مع كل ذلك فإنه حين ينال القوة ويكون في عز شبابه ويحرز الثروة والسلطة ينسى عقباه.

نسأل الله تعالى أن يعيد إلى هؤلاء الحكام والملوك صوابهم، فيراعوا سبل التقوى في جمعهم تلك الأموال وفي إنفاقها أيضا في المحل الأنسب، لو فعلوا ذلك فسوف يفوزون برضا الله تعالى، كما يصبحون قوة دنيوية يُعتدّ بها، وستقبل القوى غير الإسلامية قولهم بدلاً من أن تجعلهم منقادين لها.

مظاهر شرك ملحوظة في العالم المعاصر

يقول المسيح الموعود :

«في بعض الأحيان يصاب المرء دفعة واحدة بمصائب يريد الفرار منها، وإن لم يكن الأولاد صالحين يضطر لتحمل معاناة أكثر. عندها يدرك أنه ارتكب خطأ جسيما إذ قضى العمر كله هكذا.»

عندئذ يذكر أن الخير في العمل بأوامر الله تعالى، فيجب على المرء أن يعيش بحسبها بدلا من أن يستغرق في المشاغل الدنيوية وينسى الله تعالى. فقد خلا في الدنيا كبار الفراعنة وأكثر من هامان وكثير من الناس الأقوياء، فلو تأمل المرء في حياتهم لوجد أن الجاه والشوكة الدنيوية لم تفدهم شيئا، مع أن حكوماتهم كانت أقوى الحكومات الحالية من حيث الصلاحيات ولكنها انمحت كلها. يتابع حضرته :

«العاقل هو الذي يتوجه إلى الله تعالى موحدا إياه . لقد جربنا عدم جدوى الآلهة الزائفة. إن لم يخضع المرء لله لا يرحمه أحد. وإذا نزلت به نائبة لا يواسيه أحد. تحل بالإنسان آلاف البلايا. فاعلموا أنه ليس لكم من أحد سواه ، هو الذي يُلقي الحب في قلب الأم. لو لم يخلق قلبها على هذا النحو لما استطاعت أن تربي أولادها، فلا تُشركوا به أحدا».

هذا ما نصح به حضرته شخصا هندوسيا. والمعلوم أن بعض الناس يتخذون من دون الله آلهة ظاهرة، وأحيانا أخرى يجعلون من متاع الدنيا كالمال والأولاد والقوة والحكومة أو الصداقات شركاء لله. أو كما قلت قبل قليل أن بعض البلاد الصغيرة تحاول أن تلوذ بحماية البلاد الكبرى متخذة إياها آلهة. ولكن كل هذه الأشياء فانية وهالكة وتصبح الجحيم مستقرا لمثل هؤلاء الناس كما يقول الله تعالى.

أصل السيئات كلها
ثم يقول المسيح الموعود في مكان آخر:

«اعلموا جيدا أنه من كان لله كان اللهُ له، وليس بمقدور مخلوق أن يخدع اللهَ تعالى. لو ظن امرؤ أن بمقدوره خداع الله بالرياء والزيف فهذا محض حمق وغباوة منه، بل هو نفسه المخدوع. إن زينة الدنيا وحبها أصل السيئات كلها، فيعمى الإنسان فيها ويخرج عن حدود الإنسانية ولا يدري ماذا يفعل وماذا كان يتحتم عليه فعله. إذا كانت الحيل الخادعة لا تنطلي على امرئ فطِن، أفتنطلي على الله ؟! ولكن أصل هذه الأعمال السيئة هو حب الدنيا، فالذنب الأكبر الذي أدّى إلى دمار المسلمين، وتراهم واقعين جميعا في براثنه، هو حب الدنيا فقط. فهذا هو أكبر همِّهم وغمِّهم قياما وقعودا ونياما وأيقاظًا، بل في كل لحظة من الليل والنهار ولا ينتبهون إلى وقت يوضَعون فيه في القبر. لو خافوا اللهَ وكان لديهم أدنى همٍّ وغمٍّ من أجل الدين لاستفادوا كثيرا».

إذًا، فمن واجب المؤمن أن يعمل لآخرته بدلا من الاستغراق في أفكار دنيوية ويهتم بنيل حب الله تعالى، وأن يخلق في نفسه القناعة ويستفيد من الأشياء الدنيوية حاسبا إياها نِعمة من الله تعالى لا أن يتخذها آلهة لاهثا وراءها فقط. إن معبودنا وحده هو الإله الحق، لذا على المؤمن أن يحبه أكثر من غيره، وهذا الحب الإلهي يخلق في المرء التقوى والقناعة. لقد بيّن الله تعالى أن علامة المؤمنين هي أنهم يحبون الله تعالى أكثر من غيرهم. فيقول :

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ .

يقول المسيح الموعود في بيان حب الله تعالى:

«فليكن معلوما أن غيرة الله تعالى لا تتحمل أن يشركَ المؤمنُ بالله غيره في الحب. لا يمكن الحفاظ على الإيمان الذي هو أحب إلينا من أي شيء آخر إلا إذا لم نشرك بالله أحدا في الحب. لقد بيّن الله جلّ شأنه علامة المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ أي المؤمنون لا يعلّقون قلبهم بأحد أكثر من الله تعالى. الحب حق الله جل شأنه وحده، ومن أعطى حقه لغيره أبيد. كل البركات التي ينالها عباد الله وجميع أنواع القبول التي يحظون بها، أينالونها نتيجة مجاهدات بسيطة أو بالصلاة والصوم العادي؟! كلا، بل ينالونها نتيجة التوحيد في الحب أولئك الذين يصبحون له وحده، ويضحون بغيره في سبيله بأيديهم. إنني أعرف جيدا حقيقة ما يصاب به المرء من الألم إذ يُحالُ دفعة واحدة بينه وبين ما يَعُدّه بمنـزلة الحياة له. ولكن ما أغار له هو أنه يجب ألا يكون أحد مقابل حبيبنا الحقيقي. إن قلبي يفتي دائما أن الحب الدائم لغير الله سواء أكان ابنا أو صديقا فهو ضربٌ من الشرك وإثم كبير، وإنه نعمة الله ورحمته التي تهيئ مناسبات لتداركه وإلا يُخشى أن يُسلب الإيمان».

فلا يمكن تصوُّر أن متاع الدنيا يمكن أن يمثل شهوة للمؤمن الحقيقي. لذا فالتقدم في الإيمان والتحلي بالقناعة هامٌّ جدا للمؤمن، ولذلك قال النبي :

«اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ».

إذا كان قلب المرء عامرًا بحب الله والتقوى فسيتمكن من أداء حق عبودية الله وعبادته أيضا. فمن واجب العابد الحقيقي أن يكون قنوعا أيضا. لقد علَّمَنا النبي أن التحلِّي بالقناعة يُعين على الشكر أيضا. والمؤمن أكثر الناس شكرًا لله، وينبغي أن يكون كذلك، فالذين يقولون بأفواههم إننا نشكر الله، لكنهم في الوقت نفسه يلهثون وراء متاع الحياة الدنيا والجاه والحشم فهُم في الحقيقة واقعون في شَرَكِ حب الشهوات، ولا يقدرون على الشكر الحقيقي. وفي بيان حالة هؤلاء الماديين قال النبي :

«لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».

فإذا كان المرء قد ارتكب بعض الخطايا فباب التوبة لا زال مفتوحا أمامه ما دام حيًّا. يقول النبي في بيان معيار القناعة للمؤمن:

«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»

فهذا هو مستوى المؤمن في القناعة، نسأل الله تعالى أن يخلق فينا هذه القناعة والتقوى، حيث ينبغي أن تكون غايتُنا الفوز بحب الله بدلا من حب متاع الدنيا، وأن نكون الفائزين بمغفرة الله ورضوانه.

الحب حق الله جل شأنه وحده، ومن أعطى حقه لغيره أبيد. كل البركات التي ينالها عباد الله وجميع أنواع القبول التي يحظون بها، أينالونها نتيجة مجاهدات بسيطة أو بالصلاة والصوم العادي؟! كلا، بل ينالونها نتيجة التوحيد في الحب أولئك الذين يصبحون له وحده، ويضحون بغيره في سبيله بأيديهم.

بعد هذا أود أن ألفت انتباهكم إلى الدعاء. فكما قلت سابقا بإيجاز أن قادة الدول الإسلامية الذين يتبعون الأهواء المادية والذين قد اتخذوا القوى الكبرى عمليا إلها لهم بدلا من الله ، ويحسبون أن في صداقتهم معها ضمانًا لبقائهم وتقدُّمهم، مع أن أميركا نفسها قد كتب عنها محلل في مقال في جريدة ألمانية مؤخرا أنها فقدت مركزها كنموذج للمصداقية بين دول العالم، وحلت الصين محلها الآن. أما أميركا فقد خسرت مصداقيتها ومكانتها. فالوسائل المادية مؤقتة إذا طلعت اليوم غربت غدا. يجب أن يفهم المسلمون أن سبب إعلان أميركا نقل سفارتها إلى القدس بحسب زعمها أن تتحسن وتتقوى علاقتها مع إسرائيل، وأنها قد تستعيد مصداقيتها. والحق أن الزوال حين يأتي من الله فلا تنفع الصداقات والمواثيق المادية. ويبدو أن ذلك قد بدأ للقوى الكبرى ولا سيما لأميركا، أما النتيجة فالله أعلم متى تظهر. والآن في هذه الأوضاع ستشتد محاولاتهم لتوريط المسلمين في التقاتل، لذا يجب علينا أن ندعو للعالم الإسلامي، أن يهب الله لهم العقل، ليتحدوا الآن، وتزول إمكانيةُ اندلاع الحروب بين الدول الإسلامية، وتنتهي المعارك بينهم والتي أدت إلى مئات الألوف من الضحايا حسب الإحصائيات. وهب الله لهم العقل، ليتوحدوا، ويُنهوا الحروب فيما بينهم، لكي لا يتمكن أعداء الإسلام من تحقيق مصالحهم. يجب أن نركز على الدعاء أكثر أن يوفقهم الله لمعرفة المسيح الموعود والمهدي المعهود الذي بعثه الله لهم والذي بالارتباط به يمكن أن يخلقوا الأمن والسلام فيما بينهم وفي العالم كله أيضا.