التاريخ: 2015-05-29

قدرة الله الثانية .. الخلافة الراشدة الحقة

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • النبوءة بالخلافة وتحققها
  • القدرة الثانية وتحدياتها
  • تضحيات حضرة الخليفة الثاني من أجل الخلافة
  • انتصار الخلافة، وعد الله
  • الخلافة وتبليغ الإسلام
  • العلاقة بالخلافة علاقة مع الله
  • مسؤولية المسؤولين تجاه الخلافة

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

يقول رسول الله : تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون… ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ولن تكون لها أهداف شخصية بل ستواصل مهمة النبي ولكن بعد فترة من الزمن ستنتهي هذه الخلافة الراشدة، وستُنـزع منكم هذه النعمة ثم يكون مُلكٌ عضوض يتضايق منه الناس ثم تكون ملك جبرية، ثم تهيج رحمة الله وتقوم خلافة على منهاج النبوة مرة أخرى.
فنرى أن الملوك المسلمين أو زعماء الدول الذين جاءوا في فترات مختلفة في تاريخ الإسلام سمّوا أنفسهم خلفاء وظلوا يقولون بأن مكانتهم كمكانة الخليفة، ولكن مع ذلك إن أغلبية المسلمين يعدُّون الخلفاء الأربعة وحدهم الذين جاءوا بعد النبي خلفاء راشدين، وعهدهم فقط يُعَدّ عهد الخلافة الراشدة، أي فترة الهداية ونشرِها، وقد أدار الخلفاء في عهدهم نظامَهم بحسب تعليم الإسلام كما رأوا النبي يديره. لم تكن في فترة الخلفاء الراشدين حكومة قَبَلِيَّة، بل ألبسهم الله تعالى رداء الخلافة بواسطة جماعة المؤمنين. أما الخلفاء الآخرون فقد حافظوا على حكومة قَبَلِيَّة، وبذلك تحققت نبوءة النبي حرفيا. فلما تحقق الجزء الأول والثاني من تلك النبوءة حرفيا فلا بد أن يتحقق قول النبي عن الجزء الأخير من النبوءة أيضا الذي جاء فيه أن الله الذي أرسل النبي بشريعة تدوم إلى يوم القيامة، ستهيج رحمته – نظرا إلى عكوف الناس على الأمور المادية وحالة المسلمين المتردية- وتقيم الخلافة على منهاج النبوة في الدنيا مجددا. ونحن الأحمديين متأكدون أن رحمة الله هاجت بحسب وعده للنبي وأقام الخلافة على منهاج النبوة بواسطة المسيح الموعود والمهدي تحقيقا لقول سيدنا ومولانا . لقد أعطى اللهُ المسيح الموعود مقام النبي في الأمة ومقام خاتَم الخلفاء أيضا لأنه كان مقدَّرا أن تقوم سلسلة الخلافة بواسطة خادمه الصادق وخاتَم الخلفاء فقط.
نحن سعداء لكوننا من الذين حظُوا بنصيب من البشارة المذكورة التي بشّر بها رسول الله عن قيام الخلافة على منهاج النبوة. فقد وضّح النبي الآية التي وردت في سورة الجمعة وهي:

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ

وألحق الآخرين- ونحن منهم- بالأولين، وعدَّنا من المؤمنين بحبيبه الذي قال عنه بأنه سيعيد الإسلام من الثريا إلى الأرض. ووفَّقنا الله أن نكون من الذين استطاعوا أن يؤدوا واجبهم في إبلاغ سلامه إلى المسيح والمهدي. ثم أنعم الله على جماعة المبايعين للخلافة بإقامة سلسلة الخلافة بعده ووفَّقنا لبيعتها.
فكل هذه النِعم الإلهية تقتضي من كل أحمدي أن يشكر الله تعالى عليها ويُحدثَ في نفسه تغيُّرا يليق بالذين يؤمنون بالمبعوثين من الله تعالى. عندها فقط يمكننا أن نؤدي حق البيعة. كان مقدرا للمسيح والمهدي الموعود أن يعيد الإسلام من الثريا إلى الأرض ويرسخه في قلوب المؤمنين به. وكل أحمدي يشهد على بصيرة على أنه أدّى هذا الواجب على أحسن ما يرام. ولكن ترسيخ الإيمان لا يقتصر على حياتكم أو على بضعة عقود فقط بل كان المراد من سكوت النبي بعد البشارة بقيام الخلافة على منهاج النبوة أن هذا الإيمان سيبقى قائما بكل شوكته وعظمته إلى يوم القيامة. كل من يحسب نفسه مبايعا للمسيح الموعود يجب عليه أن يرسخ الإيمان في قلبه ثم يعضّ عليه بالنواجذ. فمن واجب هؤلاء المؤمنين أن يتمسكوا بأهداب الخلافة القائمة بعد المسيح الموعود والسالكة على مسلكه ويُظهروا هذا الإيمان وينشروه في جميع أنحاء العالم ويقيموا وحدانيته في العالم.
لقد أرسل الله تعالى سيدنا ومطاعنا محمدا رسول الله لهذا الغرض ثم أرسل خادمه الصادق للغرض نفسه وأنبأ النبي بقيام الخلافة وبقائها إلى يوم القيامة لإنجاز المهمة نفسها. لذلك بشّر المسيحُ الموعود جماعته- إلى جانب الخبر الحزين بوفاته- قائلا:

“إن سنة الله القديمة هي أنه تعالى يُري قدرتين، لكي يحطّم بذلك فرحتَين كاذبتين للأعداء.. فمن المستحيل أن يغيّر الله تعالى الآن سنته الأزلية… إذ لابد لكم من أن تروا القدرة الثانية أيضًا، وإن مجيئها خير لكم، لأنها دائمة ولن تنقطع إلى يوم القيامة.”

إذًا، فقد أقام الله تعالى القدرة الثانية بعد المسيح الموعود لإقامة الإيمان على الأرض. لا يريد الله أن يفرح المعارضون على أن الدين انقرض من الدنيا، ولا يحب الله أن يتباهى الشيطان ويعتزّ. بل من المقدر عند الله أن تُحطَّم أفراح المعارضين الكاذبة، لذا سيؤيد دائما نظام الخلافة القائمة في الدنيا بعد المسيح الموعود من أجل إقامة الإيمان. وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين أن يكونوا أنصار الخلافة- مقابل الذين يريدون استئصالها من جذورها- لتوطيد دعائم الإيمان في العالم، وأن يعقدوا عزما صميما جاعلين عهد بيعتهم في الحسبان أنهم سيحافظون على إيمانهم وينوِّرون الآخرين أيضا بنور هذا الإيمان.
يقول المسيح الموعود بأن من سنة الله القديمة أنه يُري قدرتين، ونعلم جيدا أن المراد من القدرة الثانية هي الخلافة. فلنظام الخلافة علاقة قوية بالتقدم الديني، وهي مسألة مهمة للشريعة الإسلامية. التقدم الديني بغير الخلافة مستحيل تماما، كما لا يمكن قيام وحدة الجماعة بغير الخلافة. كل من يتمسك بأهداب الخلافة من بيننا يعلم جيدا أن بقاء الخلافة في الجماعة جزء من الإيمان، ويعلم أيضا ذلك أولئك الذين دحضوا كلام مثيري الفتنة عند وفاة الخليفة الأول واعتصموا بالخلافة لأنهم كانوا يعلمون أن إيماننا لن يسلم إن لم تكن الخلافة فينا. نحمد الله تعالى على أن كثيرا من أولاد هؤلاء الأبرار يستفيدون اليوم من بركات الخلافة بسبب تضحياتهم وقوة إيمانهم. لقد بذل الخليفة الثاني في هذا المجال جهودا وقدّم تضحيات أكثر من غيره.
لقد وجّه المتَّهِمون تهمًا كثيرة إلى الخليفة الثاني ولكنني سأضع بين أيديكم كيف كانت حالة قلبه ، بكلماته هو، وحرصه على حماية الخلافة لأنه جزء من التاريخ، ومن واجبنا أن نكون مطّلعين على التاريخ لإنقاذ أنفسنا من الفتن وهو ضروري لتقوية إيماننا أيضا. فيقول الخليفة الثاني :
لقد دعوت المولوي محمد علي في غرفةٍ من البيت الذي توفِّي فيه الخليفة الأول وقلت له: لا تُثِر نقاشا حول قيام الخلافة أو عدم قيامها، بل يجب أن تجعل أفكارك مقتصرة على أن يُنتَخب خليفةً شخصٌ تكون مصلحة الجماعة مصونة في يده، وهو قادر على السعي لرُقِيّ الإسلام، لأن التنازل والمصالحة يمكن أن تكون في الأمور التي يمكن تقديم التضحية فيها. فقلتُ للمولوي محمد علي بأنه فيما يتعلق بالأمور الشخصية فأستطيع أن أضحي بعواطفي من أجلك ولكن إذا كان المسألة تتعلق بالمبدأ فسيكون الأمر اضطراريا، لأن التخلي عن المبدأ لا يجوز بأي حال. الفرق الوحيد بيننا وبينكم هو أننا نحسب الخلافة مسألة دينية ونرى وجودها ضروريا. وأنتم أيضا لا تستطيعون أن تحسبوا وجودها غير جائز لأنكم تحررتم للتو من ربقة بيعة خليفةٍ. (أي قد بايعتم الخليفة الأول الذي توفّي الآن وتحررتم من بيعته وتقولون الآن بأنه لا حاجة للخلافة وقد تحررنا منها). فقال لهم سيدنا المصلح الموعود : لقد ظللتم مبايعين إلى ست سنين، وما كان جائزا إلى ست سنين لا يمكن أن يصبح حراما في المستقبل أيضا، وخاصة ما أمر الله بإقامته. الفرق الوحيد بيننا وبينكم هو أنه إذا تخليتم عن موقفكم الحالي فإنكم ستختارون حتما ما بقيتم عليه إلى اليوم، أي تبقون في بيعة الخليفة الأول. أما إذا تخلينا نحن عن موقفنا لاضطررنا لترك ما كان تركه منافيا لمعتقدنا وديننا الذي لم نعمل بما ينافيه قط. فمن مقتضى العدل أن تسلكوا الآن أيضا السبيل الذي سلكتموه إلى اليوم وألا تكرهونا على فعْل ما ينافي دينَنا ومسلكَنا.
أما السؤال أنه من يكون مفيدا لتقدم الجماعة وترسيخ دعائم الإسلام فسنقبل خليفة مَن اتفقتم عليه.
كانت الأغلبية من الجماعة تريد بفضل الله تعالى أن يستتب نظام الخلافة لأن الأمر البيّن للمسيح الموعود كان موجودًا أمامهم.
فلما طال هذا الاجتماع وظلّ المولوي محمد علي مصرًّا على موقفه أخذ الناس يطرقون الأبواب وأثاروا ضجة قائلين: قرِّروا سريعًا وخُذوا بيعتَنا.

اعلموا أن رقي جماعتنا ليس راجعًا إلى علوم العلماء ولا إلى عقول العقلاء ولا إلى مهارة علماء العلوم المادية. إذا كان علمُ عالم دين أو عقلُ عاقل أو علمُ ومهارةُ عالم مادي تؤدي إلى نتائج غير عادية في أعمال الجماعة، فإنما هو بفضل الله وببركة الارتباط بالخلافة فحسب، لأن الله تعالى قد وعد بهذه النتائج مَن يعتصمون بالخلافة…

على أية حال، يقول الخليفة الثاني : قلت للمولوي محمد علي: لقد أزلتُ جميعَ مخاوفك، لذلك ينبغي الآن أن يكون السؤال المطروح أمامك هو: من سيكون الخليفة؟ بدلا من الإصرار على عدمه. قال المولوي: أفهم جيدًا لماذا تؤكد على هذا الأمر، ذلك لأنك تعرف من سيكون الخليفة القادم. يقول المصلح الموعود : قلت له: ولكنني لا أعرف من سيكون الخليفة، بل سأبايع مَن تنتخبونه. أي قال حضرته للمولوي محمد علي: عندما سأبايع الذي تختارونه خليفةً فإن المؤيدين للخلافة سيطيعونني في ذلك، فلا خوف من مواجهة المعارضة البتة. ولكن المولوي محمد علي لم يقبل ذلك وظلّ متشبثًا بآرائه.
يقول المصلح الموعود : قلت للمولوي محمد علي: تسيء بي الظن كثيرًا، ويا ليتني كنت أستطيع شقّ قلبي وإراءتكم ما بداخله. وإنني مستعدٌّ لتقديم كل تضحية تكون باستطاعتي.
فلما فُتح البابُ أخيرًا وخرج هؤلاء من الغرفة رشّح المولوي محمد أحسن الأمروهي اسم مرزا بشير الدين محمود أحمد ليكون الخليفة الثاني للمسيح الموعود وأصرت الجماعة كلها على أن يأخذ حضرته منهم البيعة. لقد قال حضرته مرارًا أنه لا يحفظ كلمات البيعة أيضا، ولكن لعل المولوي سرور شاه قال: أحفظها وأقرأها لك. وهكذا قد أفشل الله تعالى -تحقيقا لقول نبيّه – محاولة الفتانين لإثارة الفتنة عند قيام القدرة الثانية، وأقام الله تعالى الخلافة على منهاج النبوة بعد وفاة المسيح الموعود مرة ثانية. فمن ابتعدوا عن الخلافة كانوا علماء كبارًا في الدين والدنيا أيضا وكانوا مثقفين ومحنكين وأصحاب الثروة والجاه، وكانوا هم المسيطرين على خزينة مؤسسة صدر أنجمن إلا أنهم لم يلقوا إلا الخيبة والخسران.
بعد انتخاب الخليفة الثاني لم يكتف المولوي محمد علي بمغادرة قاديان فقط بل أثارت فئة غير المبايعين فتنًا كثيرة من أجل القضاء على الخلافة إلا أنهم تلقوا هزيمة نكراء كل مرة. وذلك لأن إقامة الخلافة واستمرارها كان وعدًا مؤكدًا من الله تعالى. فلما كان هؤلاء يغادرون قاديان بشكل نهائي بعد أن أخذوا كل ما كان في خزينة الجماعة فقد قالوا مشيرين إلى مبنى مدرسة تعليم الإسلام: لن تمرّ عشر سنين إلا ويسيطر على هذه المباني الآريون والمسيحيون. ولكن انظروا كيف ينجز الله تعالى وعوده بكل عظمة خارقة؟ وكيف يحقق قول رسوله الكريم؟ ولاحظوا كيف حقق الله تعالى البشارة التي أعطانا إياها عن طريق المسيح الموعود بل ويحققها كل يوم بصورة جديدة. كانوا يتكلمون أن الآريا والمسيحيين سيسيطرون على مباني الجماعة خلال عشر سنين، ولكن انظروا إلى أفعال الله تعالى حيث قد مضت تلك السنون العشرة ثم مضت بعدها عقود من الزمان وها قد مضى على هذه الواقعة 101 عاما وقاديان في ازدهار مستمر رغم الظروف غير المواتية التي مرت بها ومن بينها حادث انقسام الهند إلى دولتين حيث اضطرت الجماعة للخروج من قاديان، وما تُرِك هنالك سوى بضع مئات من الناس لقضاء الحياة فيها كالدراويش. أما الآن فقد أنشئت هناك مبانٍ جديدة كثيرة.
كانوا يتكلمون عن وقوع مدرسة واحدة في قبضة الأغيار ولكن الآن تُنشأ هناك مدارس جديدة بكلفة ملايين الروبيات. إضافة إلى ذلك فقد توسع كثيرا هناك نطاق أعمال التبليغ أيضا بفضل الله تعالى. لم يحدث ذلك في قاديان فحسب بل تشهد على تأييد الله تعالى ونصرته للخلافة مبان شاهقة في شتى بلدان العالم التي ترتبط بالخلافة الأحمدية، ومن خلال هذا النظام تصل تعاليم الإسلام الجميلة إلى أتباع كل ديانة، فهذا هو تأييد الله تعالى للخلافة الأحمدية الذي نرى مشاهده كل يوم، ولا تخلو ألمانيا من هذه الفيوض التي يوصلها الله تعالى لمن يرتبط بالخلافة الأحمدية. لقد اشترت قبل أيام قليلة منظمة أنصار الله ولجنة إماء الله في ألمانيا مبنى ضخما ذا خمسة طوابق بسعر 1.7 مليون يورو. تلك الخزينة التي ترك فيها معارضو الخلافة أقل من روبية واحدة فحسب، وكانوا يضحكون قائلين: سنرى كيف يَسير نظامُهم؟ فقد اشترت منظمتان فرعيتان فقط من أحد البلاد المرتبطة بتلك الخلافة نفسها مبنى ضخمًا ذا خمسة طوابق ببذل أكثر من 190 مليون روبية. فإن لم تكن هذه أفضال الله تعالى وتأييده للخلافة الأحمدية فماذا إذن؟ أما من انفصلوا عن الخلافة فقد اختلّ نظامهم المركزي أيضا، وإلى اليوم فإن السعداء منهم الذين يشعرون بخطئهم أو ذريتُهم ينضمون إلى جماعة المبايعين أي الجماعة الإسلامية الأحمدية ويستظلون بلواء الخلافة.
إضافة إلى ذلك فإن أعمال التبليغ بالإسلام لا تتأتى إلا من خلال نظام الخلافة. وفي الزمن الذي يتم فيه تشويه الإسلام تقوم الجماعة الإسلامية الأحمدية بإراءة صورة الإسلام الغراء، ولأجل ذلك يثبت الله تعالى صدق الخلافة الأحمدية للعالم كله. هناك بعض الأحداث المحيّرة للغاية بحيث تجعل الإنسان يفكر مندهشا كيف يخبر الله تعالى الناسَ عن صدق الجماعة وعن تأييده للخلافة وبالتالي يشرح صدور مَن كانت فطرتهم سليمة، وأذكر هنا حدثًا أو حدثَين فحسب.
هناك بلد في إفريقيا يسمى النيجر، وكتب من هناك داعيتنا ما يلي: حضر عشرة أئمة من القرى في الدورة التعليمية والتربوية للمبايعين الجدد وحضر معهم مختار قرية «ووغونه» أيضا. فلما سُئل: لماذا أتيت بنفسك بدلا من إرسالك إمام القرية، لأن الدورة كانت قد خُصّصت لتدريب الأئمة، قال: أعرف أنها دورة تدريبية للأئمة، ولكنني لما ذكرتُ للإمام بالأمس المشاركة فيها رفض بحجة أن علماء المدينة –الذين كانوا من الوهابية- أخبروه أن الأحمديين كفار. يقول مختار القرية: حيّرني ردّه وتألمت جدًّا وتساءلت: كيف يمكن أن يكون الأحمديون كافرين؟ وكنت قد سمحت لهم بالتبشير في القرية بصفتي مختار القرية، فإذا كانوا كفارًا فقد صرت كافرًا مضاعفًا بسماحي لهم. فدعوت في تلك الليلة بحرارة (يقول بعض الناس بأن أهل إفريقيا أميّون لا يعقلون شيئا. ولكن انظروا إلى مختار القرية هذا، فلعله ليس بمثقفٍ كثيرًا إلا أنه يكنّ في قلبه مخافة الله وفطرته سليمة) يقول: لقد دعوت الله تعالى كثيرا في تلك الليلة ونمت مسترشدًا الله تعالى ومستهديا إياه (وهو أمر لا يفقهه علماء كبار).
ثم أدلى بتصريح مقرون بالحلف: رأيت تلك الليلة في المنام أنه قد نزلت في بيتي نجوم من السماء أولا ثم تَبعها البدر أيضا. كنت أراها عن كثب دون أن أجد فيها أي نور. ثم نزل في بيتي من السماء شخص يلبس ملابس بيضاء، وفور حلوله في بيتي تنورّت النجوم والبدر بشكل غير عادي وأصبح بيتي يفيض بالأنوار. ووقع في قلبي بشدة أن هذا الشخص من الشخصيات الكبار للجماعة الأحمدية فتقدمت إليه وسألته: هل أنت داعية الأحمدية أم خليفتها؟ وبعد ذلك استيقظت.
فلما أراه داعيتنا ألبوم الصور وضع فورًا إصبعه على صورتي وأخذ يردد مقسمًا بالله: هذا هو الشخص الذي رأيته نازلا في بيتي من السماء وبحلوله امتلأ بيتي نورًا.

كل من يحسب نفسه مبايعا للمسيح الموعود يجب عليه أن يرسخ الإيمان في قلبه ثم يعضّ عليه بالنواجذ. فمن واجب هؤلاء المؤمنين أن يتمسكوا بأهداب الخلافة القائمة بعد المسيح الموعود والسالكة على مسلكه ويُظهروا هذا الإيمان وينشروه في جميع أنحاء العالم ويقيموا وحدانيته في العالم.

وكتب أمير الجماعة في غامبيا: عندما بلّغْنا الدعوة في قريةٍ تُدعى «أسامبامبائى» وأخبرْنا أهلَها عن بعثة المسيح الموعود عليه السلام وقرأنا لهم شروط الانضمام إلى جماعته قال عفويًا إمام القرية ورئيس اللجنة المعنية برقي القرية: لقد تنبأ النبي عن مجيء الإمام المهدي، وهذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن ظهور الإمام المهدي. ومنذ أن عرفتُ الأحمدية تأثرتُ بها كثيرا. ثم قال: الأحمديون هم المسلمون الحقيقيون لأن لديهم قوة الخلافة التي تربطهم جميعًا في سلك واحد.
فلما أُخبِر عَني وقُدّمتْ له صورتي قال: أراه كل يوم على التلفاز، وبعد ذلك بايع جميع الموجودين هناك وانضموا إلى الأحمدية، وكان عددهم ٣٥٠ تقريبا. فلما رأوا ترجمة معاني القرآن الكريم في ثلاث لغات محلية قالوا: إن الأحمدية هي الإسلام الحق لأنه لم توفق فرقة أخرى لهذا العمل النبيل كما وفق له الأحمديون. ثم قالوا في النهاية بأنهم سيظلون متشبثين بالأحمدية بإذن الله ولن يتخلوا عنها لأنها الإسلام الحقيقي، أما المشايخ الآخرون فكانوا يخدعوننا.
إضافة إلى ذلك أبدى أناس محليون كثيرون آرائهم بمناسبة افتتاح مسجدنا في «آخن» و»هاناو» خلال جولتي الحالية وكانوا ينتمون إلى مختلف مجالات الحياة؛ فكان منهم الساسة والتجار أيضا، وبعضهم مدرسون والآخرون مثقفون، وكان بينهم رجال ونساء أيضا، فقد قالت سيدة: لي معرفة شخصية ببعض الأحمديين، وكنت أظن أنني أعرف كثيرًا عن الأحمدية بسبب معرفتي بأفراد الجماعة، ولكن التأثير الذي تركه فيّ كلامُ خليفتكم لم أشعر به في السابق قط. لقد عرفت الآن حقيقة الإسلام بشكل صحيح وقد دخلتْ هذه الحقيقة في أعماق قلبي.
فهذه هي أفضال الله تعالى المنوطة بالخلافة. أما أنا فإني إنسان متواضع، وأعرف حالتي جيدًا، فليست لي ميزة تستحق ذلك، بل كل ذلك بسبب وعد الله تعالى لتأييد الخلافة ونصرتها، وهو صادق الوعد الذي ظل يؤيد الخلافة وينصرها في السابق، وسيظل كذلك إن شاء الله كما قال المسيح الموعود عليه السلام أيضا. وهذه هي القدرة الثانية التي أقامها الله تعالى، وقد رأينا مشاهد تأييد الله لها، فالذين يظلون أقوياء الإيمان سيظلون يرون الآيات والتأييدات، فاسعوا جاهدين باستمرار لتقوية إيمانكم وتوطيد علاقتكم بالخلافة الإسلامية الأحمدية والاهتمام بأداء الواجب الذي يقع على الذين وعدهم الله تعالى بنعمة الخلافة. لقد حُرم المسلمون نعمةَ الخلافة في العصر الأول للإسلام حينما غلبت عليهم المادية، أما الآن فسوف يستمر هذا الفيض الرباني إن شاء الله تعالى، ولكن الذين لا يفون بعهدهم بإيثار الدين على الدنيا سوف يُحرمون هذا الفيضَ، وإذا لم يفوا بالشروط التي أناطها الله تعالى بنعمة الخلافة فسيكونون من المحرومين. لقد وعد الله تعالى بتبديل الخوف أمنًا بالخلافة، ولكن هذا الوعد هو للذين يؤدون حقوق الله تعالى في ذلك، وأول حقوقه تعالى المذكورة هنا: (يعبدونني)، فإن كنتم تريدون أن تتمتعوا بهذه النعمة فلا بد لكم من أداء حق العبادة، فحافِظوا على صلواتكم الخمس واهتمّوا بأدائها على أحسن وجه. والحق الثاني هنا هو: (لا يشركون بي شيئا). لكل شخص أولوياته في الدنيا، ونجد في هذه البلاد المتقدمة خاصة أن الناس في سباق وراء المادة، وبدأ البعض من جماعتنا يفضّلون الأمور المادية على أحكام الله تعالى، حيث يلجأون إلى الكذب والتزوير جلبًا لبعض المنافع المادية، وهذا أيضا نوع من الشرك، ومثل هؤلاء لن يتمتعوا ببركات الخلافة شيئا. لقد كتب لي البعض من ألمانيا بأن له صديقا قد اقتنع بجميع الأفكار الأحمدية وبصدق المسيح الموعود ، فلما قلت له عليك أن تبايع الآن وتنضم إلى جماعتنا، ردّ علي وقال إنني أعرف كثيرا من الأحمديين، بعضهم من أقاربي، فهم لا يدفعون الضرائب للحكومة، ويكذبون، ويقعون في منكرات أخرى، وأنا لا أرتكب هذه السيئات، وأؤدي الضرائب كاملة، وإذا سقت سيارة تاكسي فأدفع عليها الضريبة كاملة، فكيف أدخل في جماعة هؤلاء، فإني أفضلُ منهم هكذا، وإن كنت مقتنعا بكل العقائد التي تقول بها.
لا شك أن جواب هذا الشخص خطأ، وقد صار مجرمًا برفض أمر الله ورسوله، وسوف يقول الله له لقد انكشفت عليك الحقيقة، فلماذا رفضتَها برؤية سيرة بعض الناس السيئة، ولماذا لم تستجب لأوامري. إلا أن هؤلاء الأحمديين أيضا يقعون في إثم مزدوج بسلوكهم الخاطئ هذا. إنهم يُحرَمون أفضالَ الله تعالى كما يحرِمون غيرَهم منها، وقد قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام عن مثل هؤلاء إنكم تشوهون سمعتي بانتمائكم إليَّ. فالذين يشوهون سمعة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام أنى لهم أن يتمتعوا ببركات خلافته الجارية. فعليهم أن يحاسبوا أنفسهم.
كذلك أقول للمسئولين ولغيرهم ممن يعملون للجماعة إن هذه البركة التي ترونها في أعمالكم أو إن هذا التوفيق الذي يهبكم الله لخدمة الدين إنما هي منوطة بارتباطكم بالخلافة فقط، ولن تستطيعوا إنجاز شيء أبدًا منفصلين عن الخلافة. إذا كان بعضكم يرجع النتائج الطيبة لبعض أعمالنا إلى علمه وعقله وجهده فظنه باطل تماما. اعلموا أن الأعمال التي يقوم بها أحد باسم الدين منفصلا عن الخلافة لن تبارَك مثقال ذرة. وقد ذكرتُ لكم آنفًا ماذا كانت نتيجة المنشقين عن نظام الخلافة، فعددُهم في تناقص مستمر، ومركزيتهم في زوال، ونظامهم في انهيار. فلا جرم أن حب الخلافة وطاعتها هي التي تورث أفضال الله تعالى وتأتي بنتائج طيبة، وذلك لأن الخلافة نظام قد أقامه الله تعالى، وقد أناط كل جهد لنشر الدين وازدهاره بالخلافة. فلو خطرت ببال أحد من المسئولين هذه الفكرة أو أصابه الزهو فعليه الاستغفار. اعلموا أن رقي جماعتنا ليس راجعًا إلى علوم العلماء ولا إلى عقول العقلاء ولا إلى مهارة علماء العلوم المادية. إذا كان علمُ عالم دين أو عقلُ عاقل أو علمُ ومهارةُ عالم مادي تؤدي إلى نتائج غير عادية في أعمال الجماعة، فإنما هو بفضل الله وببركة الارتباط بالخلافة فحسب، لأن الله تعالى قد وعد بهذه النتائج مَن يعتصمون بالخلافة، وبالفعل إنه تعالى يكتب لنا هذه النتائج الطيبة محققا وعده. لا شك أن العلم والعقل والخبرة يمكن أن تنفع في أعمال الدنيا، ولكن الذين ينتمون إلى جماعتنا لا بد لهم من طاعة الخلافة للحصول على النتائج الطيبة في أعمالهم خاصة. كذلك من واجب علماء الجماعة أن يعلّموا أبناءها الذين هم حديثو الإيمان بالمسيح الموعود أو هم شباب أو صغار ممن يجهلون مكانة الخلافة وأهمية العلاقة بها، ويخبروهم بهذه الأمور. وهي مسئولية المسئولين في الجماعة أيضا. لقد رأيت أن بعضهم يتقلدون المناصب في الجماعة ولكن لا علم لهم بالدين، ويظنون أن مناصبهم مناصب دنيوية. عندما يقول بعضهم أمامي بأنه يتقلد منصبا كذا، فإني أنبهه دائما بألا يقول منصب بل يقول خدمة. فإذا كان الله تعالى قد أتاح لهم فرصة خدمة الدين فعليهم أن يزيدوا علمهم في الدين وكذلك إخلاصهم ووفاءهم وتقواهم وصلتهم بالخلافة. ومن المسئولين مَن يسعى جاهدا لإبراز أهميته ومنصبه، ولكن فيما يتعلق بالخلافة فيظن أنه قد أدى واجبه نحوها بالاحتفال بيوم الخلافة مرة في السنة. لقد ذكرت من قبل مرة أن حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه قال إن الجماعة لا تركز على إبراز أهمية الخلافة كما يجب. وبعد تذكيري بهذا الأمر بدأت الخطب تُلقَى الآن في جلساتنا، ولكن لا تزال هناك حاجة ماسة لأن يرسَخ في أذهان أبناء الجماعة أن يستمعوا لكلام الخليفة ويسعوا للعمل به، ويقوّوا علاقتهم بالخلافة. والذين يستوعبون هذا الأمر يشعرون بتغيير طيب خارق في نفوسهم أيضا. فقبل أسابيع جاء لزيارتي في لندن قرابة مئة شاب من كندا وأكثر من مئتي شاب من الولايات المتحدة، وكانوا بمختلف الأعمار، وكان بينهم بعض المبايعين الجدد، ومكثوا هناك ثلاثة أيام، وعندما رجعوا كانوا مختلفين تماما عما كانوا عليه من قبل. كانوا يعبرون عن إخلاص ووفاء وولاء بشكل مدهش ومحير، وقد كتبوا لي رسائل بعد عودتهم وأعربوا عن انطباعاتهم وحالتهم وعاهدوا على أنهم سيواظبون على الصلوات وعلى علاقتهم بالجماعة، وعلى أنهم سيزدادون صلة بالخلافة. أما مِن قبل فما كانوا قد أُخبروا عن أهمية الخلافة وما كانت عندهم أية علاقة شخصية بالخلافة. لا جرم أن اللقاء الشخصي بالخليفة يزيد الطرفين علاقة وحبا، ولكن لو بيَّن العلماء والمسئولون لأبناء الجماعة أهميةَ الخلافة من حين لآخر لازدادوا إيمانا وعلاقة بالخلافة. إن المسئولين، الرجال ومن النساء حتى رئيسات لجنة إماء الله، يريدون أن يبرزوا أمام الجماعة مكانتهم بحجة أنهم ممثلو الخليفة، فكلما قام أحدهم للخطاب قال إني ممثل الخليفة، ولكنه لا يرسخ أهمية توطيد العلاقة بالخليفة كما ينبغي. ولو أنهم ركزوا على بيان أهمية الخلافة وسعوا لتوطيد علاقة الأفراد بالخليفة لانكشفت أهميتهم تلقائيا. فهذه مسئولية علمائنا، وأعني بالعلماء الدعاة والمسؤولين ومن عندهم علم الدين. فمن واجبهم أن يكونوا أياديَ وسواعدَ الخليفةِ، وأن يجعلوا عَمَلَهم وفقًا لتعليماته وينصحوا الآخرين بذلك. من الخطأ الظن أنهم إذا قاموا بالوعظ مرة فهذا يكفي وانتهى واجبهم، كلا بل يجب إلقاء هذا الوعظ والحث على تقوية الصلة بالخلافة مرة بعد أخرى. كان حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه قد أوصى الدعاة والعلماء نصيحة هامة جدا فقال: كل مؤمن عنده لوعة للدين وهو مخلص للجماعة ويريد أن تقام هذه الجماعة الربانية ويرفع اسمها في العالم وأن يستردّ الإسلام مجده الذي حققه في عهد الرسول وألا تضيع جهود المسيح الموعود في هذه السبيل، عليه أن يسعى لذلك جاهدًا بمساعدة الخليفة ليل نهار، فهذا سيصلح الجماعة فكريًا أيضا. فكما أن الناس يمدّون ثيابهم لالتقاط ما ينثره أصحاب العرس على الناس من تمر وغيره (علما أن بعض الأقوام عندنا ينثرون في عرسهم على الناس التمر والنقود)، كذلك كلما قال الخليفة شيئا لإصلاح الجماعة فعلى هؤلاء أن يلتقطوه ويردّدوه أمام أبنائها مرارا وتكرارا حتى يستوعبه أغبى القوم أيضا ويهتدي إلى الصراط المستقيم المؤدي إلى الدين.
أسأل الله تعالى أن يوفق أفراد الجماعة وعلماءها ومسئوليها لأن يستمعوا لما تقوله الخلافة، وليس هذا فحسب بل يعملوا به، ولا يظنوا أنهم قد أدوا واجبهم بالتعبير عن وفائهم وولائهم وتهنئهتم بيوم الخلافة فقط. علينا أن ندعو الله تعالى أن يوفقنا للاحتفاظ بنعمة الخلافة. آمين