غزوة بدر الكبرى مصداق نبوءات الكتب السابقة
- كيف كان كبار مشركي مكة يرتعدون خشية مواجهة المسلمين بسبب ما عرفوه من نبوءات ورؤى يقينية!
- وكيف ترددت أصداء العدد المبارك (ثلاثمائة وثلاثة عشر) في ميدان المعركة وكيف تحكم في مصيرها!
_____
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرّجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يوْم الدِّين * إيَّاكَ نعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين آمين.
هلاك زعماء الشرك، نبوءة تحققت
كنتُ قد ذكرت شيئا من استعدادات كفار مكة للحرب، وفيما يلي المزيد من التفاصيل التي بيانها كالتالي: كان أمية بن خلف وأبو لهب، كلاهما مترددًا أثناء هذه الاستعدادات. ورد في تفصيل ذلك: كان رؤساء قريش يحثون الجميع على الاشتراك في هذه الحرب، لكن أمية بن خلف كان يتجنب الاشتراك فيها. جاء عقبة بن أبي معيط، وهو أحد رؤساء مكة، إلى أمية بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء. أي لست من المحاربين. وجاء في رواية: أتاه أبو جهل فقال له: إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت من أشراف الوادي تخلفوا معك، فسِرْ يومًا أو يومين، ثم يمكنك أن تعود.
في الحقيقة كان أمية خائفا من الذهاب إلى الحرب لأن النبي كان قد أنبأ بمقتله وهو كان يعلم بذلك. فقد ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ، قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، قال: فنزل على أمية بن خلف، (لأنه كان صديقا له منذ زمن طويل) وكان أمية إذا انطلق إلى الشام، فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار، (أي تريد أن تعتمر فانتظر) وغفل الناس انطلقت فطفت، (قال ذلك بسبب معارضة المسلمين) فبينا سعد يطوف (معتمرا في الظهيرة) إذا أبو جهل، فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا، وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، (أي هدده أبو جهل قائلا كيف تستطيع أن تطوف وأنت آويت محمدا ، فقال سعد: نعم، قد آويتُ وسأطوف أيضا، وبدأ التلاحي بينهما) فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، (كانت هي كنية أبي جهل) فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، (أي أقطع طريق التجارة إلى الشام) قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد فقال: دعنا عنك «فإني سمعت محمدا يزعم أنه قاتِلُك»، (أي أنبأ بقتلك) وفي رواية: إنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، أي أصحاب محمد يقتلونك. قال: إياي؟ قال: نعم، قال: في مكة، قال: لا أدري. قال أمية: والله ما يكذب محمد () إذا حدث، فرجع إلى امرأته، فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي، قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتِلِي، قالت: فوالله ما يكذب محمد، (هذه هي النبوءة التي بسببها كان أمية خائفا وما كان يريد القتال مع المسلمين) قال عبد الله بن مسعود: فلما خرجوا إلى بدر، وجاء الصريخ، قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي، قال: فأراد ألا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي فسر يوما أو يومين، فسار معهم، فقتله الله. (صحيح البخاري كتاب المناقب)
قال بعض أصحاب السِيَر في معنى قول النبي أنه قاتِله مع أنه لم يقتله، فقالوا المراد من ذلك هو أن النبي كان سببا في قتله، وإلا فهو لم يباشر إلا قتل أخيه أبيّ بن خلف في أُحد. وقالوا أيضا: ومن ثم جاء في رواية -كما مر ذكره- أن النبي قال لأمية: إن أصحابه (يعني أصحاب النبي ) قاتِلوه. بغض النظر عمن قتله فالحق أنها كانت نبوءة وتحققت.
ويحتمل أن سعد بن معاذ سمعه يقول «أنا أقتل أبيّ بن خلف» ففهم سعد أنه يريد أمية لا أُبَيا. (السيرة الحلبية)
كذلك كان أبو لهب أيضا خائفا من الحرب، وبعث مكانه رجلا آخر ولم يذهب بنفسه للحرب، وكان سبب تخلفه عن الحرب رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب، فإنه كان يقول: رؤيا عاتكة كأخذ باليد، (أي أمر يقيني). (سبل الهدى والرشاد)
قال مرزا بشير أحمد ما تفصيله:
كان هناك شخصان فقط رفضا الانضمام إلى هذه المعركة وهما أبو لهب وأمية بن خلف، ولكن سبب رفضهما لم يكن التعاطف مع المسلمين، بل كان أبو لهب خائفًا من رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب التي رأتها قبل مجيء ضمضم بثلاثة أيام فقط عن هلاك قريش، وكان أمية بن خلف خائفا من نبوءة النبي بقتله التي كان قد علم بها في مكة من سعد بن معاذ. ولكن بما أنه كان هناك خوف من التأثير على عامة الكفار بسبب تخلف هذين الزعيمين، فقد حرضهما رؤساء قريش الآخرون حتى وافقا أخيرًا على الخروج. أعني استعد أمية للخروج بنفسه وبعث أبو لهب مكانه شخصا آخر ببذل مال كثير. وهكذا بعد استعداد ثلاثة أيام تجهز جيش جرار مؤلف مما يزيد على ألف جندي.
وكان هذا الجيش لا يزال في مكة إذ توصل بعضُ مشايخ قريش إلى فكرة أن أهل مكة كانوا على علاقة سيئة ببني بكر فرع بني كنانة، فربما يستغلون غيابهم ويهاجمون مكة من ورائهم. ولهذا بدأ مشركو قريش يترددون، لكن سراقة بن مالك بن جعشم، رئيس بني كنانة الذي كان في مكة في ذلك الوقت، طمأنهم وقال: أضمن عدم وقوع هجوم على مكة. لقد كان سراقة يحمل ألد العداء للمسلمين لدرجة أنه ذهب إلى بدر من أجل مساعدة قريش، لكن حين رأى المسلمين هناك تملكه الخوف حتى أنه ترك أصحابه وهرب قبل المعركة….
توجه جيش قريش إلى الكعبة قبل الخروج من مكة وقاموا بالدعاء التالي: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم. بعد ذلك، انطلق من مكة في خيلاء. (سيرة خاتم النبيين ) فيبدو من هذا الموقف أنهم قد دعوا بأنفسهم لهلاكهم في البداية.
كان عدد جيش الكفار في البداية 1300 جنديا. (الرحيق المختوم) لكن بني زهرة وبني عدي انفصلوا عن هذا الجيش في الطريق، وبهذا انخفض عدد جيش قريش إلى تسعمائة وخمسين فردًا أو ألفًا بحسب بعض الروايات. كان لديهم مائة أو ما يقرب من مائتي حصان وسبعمائة جمل وستمائة درع ومعدات حربية أخرى مثل الرماح والسيوف والرماية وما إلى ذلك بعدد كافٍ. (من سيرة ابن هشام وسيرة خاتم النبيين )
رؤيا جهيم بن الصلت عن هلاك رؤساء قريش
باختصار، كما ذكرتُ من قبل أن أبا سفيان ذهب بطريق آخر وأرسل رسالة إلى أبي جهل بأنْ لا حاجة إلى الحرب وأن الرجوع هو الخيار الصائب. وكما ذكرتُ في الخطبة الماضية أن أبا سفيان نفسه تقدم على قافلته من باب الحيطة ونزل على النبع وسأل هناك شخصا عما إذا كان رأى أحدا هنا، فأجابه ذلك الشخص بأنه لم ير شيئا غريبا، غير أنه شاهد رجلين أناخا بعيريهما قرب هذا التلّ ورجعا بعد أخذ الماء. ذهب أبو سفيان إلى حيث أشار الرجل، فرأى البعر هناك حيث برك الجملان فحمل بعرةً وفركها، فوجد فيها نواة تمر، فقال: هذا علف يثرب. فعاد إلى قافلته مسرعا وأخذ أصحابه إلى شاطئ البحر منحرفا عن الطريق العادي المعروف، وسار تارکا میدان بدر جانبا. هذا قد بينته في الخطبة الماضية أيضا.
كان مع قريش بنو زهرة، وهؤلاء ورد عنهم أنهم قرروا الرجوع. ولما سمع الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ رسالة أبي سفيان، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ قال: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجَّى اللهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلَّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا بِي جبنها وَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لا حَاجَةَ بِكُمْ فِي أَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ ضَيْعَةٍ، لا مَا يَقُولُ هَذَا -يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ- فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَاحِدٌ، وكذلك لم يخرج أحد من بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، إلا أن جيش قريش مضى قدما.
وكان في الجيش طَالِب بْن أَبِي طَالِبٍ فدار بينه وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ حوار، فَقَالُوا: وَاللهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ -وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا- أَنَّ هَوَاكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ فَرَجَعَ طَالِبٌ إِلَى مَكَّةَ فِيمَنْ رَجَعَ. (تاريخ الطبري)
وفي رواية أن طالب بن أبي طالب كان خرج مع المشركين على مضض ولكن لم يعثر عليه في الأسرى ولا في القتلى كما لم يرجع إلى بيته.
وَمَضَتْ قُرَيْشٌ الذين كان عددهم قد انخفض من 1300 إلى 1000 جندي تقريبا قد واصلوا مسيرهم حَتَّى نَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي.
كان هناك شخصان فقط رفضا الانضمام إلى هذه المعركة وهما أبو لهب وأمية بن خلف، ولكن سبب رفضهما لم يكن التعاطف مع المسلمين، بل كان أبو لهب خائفًا من رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب التي رأتها قبل مجيء ضمضم بثلاثة أيام فقط عن هلاك قريش، وكان أمية بن خلف خائفا من نبوءة النبي بقتله التي كان قد علم بها في مكة من سعد بن معاذ.
المسلمون يَنْفِرُون
ورد عن خروج النبي من المدينة وعِدَّة جيش المسلمين أن رسول الله غادر المدينة المنورة يوم السبت 12 رمضان 2 هـ. كان معه أكثر من ثلاثمائة شخص. منهم 74 من المهاجرين والباقي من الأنصار. كانت هذه هي المعركة الأولى التي انضم إليها الأنصار أيضًا، وأمر رسول الله حضرة عثمان بن عفان بالبقاء في المدينة المنورة لأن زوجته حضرة رقية بنت رسول الله كانت مريضة. ورد في رواية أن عثمان نفسه كان مريضا ولكن القول الأشهر هو أن زوجته كانت مريضة. وفي معظم الروايات ورد أن عدد المسلمين 313.
روى البخاري في صحيحه عن الْبَرَاءَ بن عازب قوله:
وفي رواية
يقول سيدنا المصلح الموعود عن عدد المسلمين في معركة بدر: نرى أن الصحابة خرجوا بعدد ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ لمعركة بدر، فلو خرجوا بعدد ستمائة أو سبعمائة بدلا من ثلاثمائة وثلاثة عشر وانضم إليهم الصحابةُ الذين بقوا في المدينة لسهل عليهم القتال. كان الله قد نبَّأ سيدنا محمدا رسول الله عن هذه المعركة ونهاه عن الإفصاح عن ذلك لأحد، وذلك لأن الله كان في مشيئته تصديق بعض النبوءات في الصحف السابقة. فمثلا كان عدد الصحابة ثلاثمائة وثلاثة عشر وكانت هناك نبوءة في الكتاب المقدس أن ما تعرَّض له النبي جدعون سيتعرض له محمدٌ رسول الله وصحابتُه أيضا، وكان عدد أصحاب جدعون حين قاتل عدوه ثلاثمائة وثلاثة عشر، فلو علِم الصحابة أنهم يخرجون من المدينة من أجل القتال، لخرجوا كلُّهم ولزاد عددهم على ثلاثمائة وثلاثة عشر. فمن أجل هذه الحكمة أخفى الله هذا الأمر، لئلا يفوق عدد الصحابة في هذه المعركة على ثلاثمائة وثلاثة عشر، لأن النبوءة كانت ستتحقق بعدد ثلاثمائة وثلاثة عشر فقط، لذا كان من الضروري إخفاء خبر الحرب، وعند الوصول إلى ميدان القتال أُخبرَ الصحابة أنهم سيواجهون جيش قريش.
كانت هناك سيدة اسمها أم ورقة بنت نوفل، فعن شوقها في الجهاد ذُكر أنه حين خرج النبي إلى بدر قالت له يا رسول الله ائذن لي بالغزو معك أمرّض مرضاكم، لعل الله يرزقني الشهادة، فقال لها: قرّي في بيتك، فإن الله يرزقك الشهادة. وكانت هذه الصحابية قد قرأت القرآن، فكان رسول الله يزورها ويسميها الشهيدة. فكان المسلمون يدعونها هي بالشهيدة حصرا. فلما كان زمن خلافة سيدنا عمر عدا عليها غلام وجارية فغمياها بقطيفة حتى لفظت أنفاسها، وكانت قد أوصت بعتقهما بعد موتها، فجيء بهما إلى سيدنا عمر، فأمر بصلبهما، وقال: صدق رسول الله ، كان يقول «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» وكان النبي في زيارته لها يصطحب سيدَنا عمر وغيره.
ما ورد في خبر عتاد جيش المسلمين
لقد ورد تفصيل قوة الجيش الإسلامي في رواية أن في هذه المعركة كان لدى المسلمين خمسة أحصنة، وعند البعض كان حصانان فقط، أحدهما لسيدنا المقداد والثاني لسيدنا الزبير. وعن علي أن في بدر لم يكن في الجيش الإسلامي فارس سوى المقداد، وأكبر عدد نجده للخيول في الروايات هو خمسة، وكان رسول الله وعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا. فكانا إذا كانت عقبة النبي قالا له: اركب حتى نمشي معك، فيقول «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما». فأنا الآخر أحتاج إلى الأجر والثواب على هذه المعركة.
دعاء النبي للصحابة يُستجاب ببدر
وقد ورد أن النبي دعا للصحابة عند الانطلاق من مكان أثناء السفر: اللهم إنهم حفاة فاحملْهم اللهم إنهم عراة فاكسُهم، اللهم إنهم جياع فأشبِعْهم، وهم عالة فأغنِهم بفضلك فتُقُبِّل هذا الدعاء فانقلبوا حين انقلبوا من بدر وما منهم رجل إلا وقد رجع بجَمل أو جملين واكتسوا ونالوا أزوادا لم تبق لهم بوجودها حاجة إلى الأكل والشرب، ووجدوا فداء الأسرى كثيرا بحيث اغتنت كل أسرة.
بعض الناس بقوا في المدينة وبعض المجاهدين كانوا أصغر سنًّا فأمرهم النبي بالعودة، فعن ذلك ورد أن الأمر بالخروج إلى بدر كان عامًّا لكنه لم تتهيأ فرصة كافية للاستعداد، فقد ورد في رواية أن بعض الصحابة قالوا للنبي أن لهم مطايا على مقربة من المدينة، واستأذنوه في أن يأخذوها فنهاهم النبي عن ذلك، فتُركوا أو خرجوا دون الركوب. (صحيح أن الأمر كان عامًّا كما ورد، ومع ذلك كانت هناك قيود، كما لم يسمح النبي لأحد بالاستعداد حتى لا يستعد الكثيرون). باختصار، كان هناك بعض المخلصين سمح لهم بالقعود لعذر كما سبق ذكرُ سيدنا عثمان، وكذلك كانت أم أبي أمامة بن ثعلبة مريضة، لكنه أراد الخروج فأمره النبي بأن يبقى مع أمه المريضة، فلما عاد النبي كانت قد توفيت، فتوجه إلى قبرها فدعا لها، وسيدنا سعد بن عبادة الذي كان يحرض الناس على الخروج بشوق كبير قد لدغته حية فبقي في المدينة. وكذلك توقف النبي في الطريق وأَمر المجاهدين الأصغر سنًّا بالعودة. كان منهم سيدنا عمير بن أبي وقاص، حين سمع عن إعادة الأولاد بكى فأجازه النبي بالبقاء مع الجيش فاشترك في المعركة واستُشهد، والمجاهدون الصغار الذين أعيدوا هم أسامة بن زيد، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
يقول سيدنا المصلح الموعود : في العصر الراهن يبحث الناس عن الأعذار لتجنب التضحية في سبيل الإسلام والإيمان، وعندما يُدعَون يتذرعون بمعوقات وأعذار، لكن في زمن النبي كانت قوته القدسية قد ولدت في الصحابة الشوق العارم للتضحية، حتى إننا فضلا عن البالغين ذكورا وإناثا نجد الأولاد أيضا متمتعين بهذا الحماس. ففي معركة بدر حين دعا النبي الصحابة ليختار منهم من يصلح للمعركة، نجد رواية الصحابة عن صبي كما قال عن نفسه هو أيضا أنه حين قام الصحابة قام معهم بُغية أن تسنح له الفرصة للتضحية بحياته من أجل الإسلام. فلما كان يخشى ألا يُرى لكونه قصيرا فلا يقع عليه الاختيار فشبَّ على أصابع قدميه ورفع عقبيه ليُرى وأبرز صدره لئلا يُعدَّ من الضعفاء، فأمر النبي بأن يُستثنى كل من دون الخمس عشرة سنة، وحين وصل إلى هذا الصبي سأل عمن أقامه، وأمر باستبعاده. فلو حدث ذلك اليوم فربما رقص الولد فرحا أنه نجا، لكن حين استُبعِد ذلك الولد أجهش بالبكاء حتى عطف عليه النبي وسمح بضمه إلى الجيش.
وقد ورد أن النبي دعا للصحابة عند الانطلاق من مكان أثناء السفر: اللهم إنهم حفاة فاحملْهم اللهم إنهم عراة فاكسُهم، اللهم إنهم جياع فأشبِعْهم، وهم عالة فأغنِهم بفضلك فتُقُبِّل هذا الدعاء فانقلبوا حين انقلبوا من بدر وما منهم رجل إلا وقد رجع بجَمل أو جملين واكتسوا ونالوا أزوادا لم تبق لهم بوجودها حاجة إلى الأكل والشرب، ووجدوا فداء الأسرى كثيرا بحيث اغتنت كل أسرة.
لقد ورد عمن عيَّنه النبي أميرا على المدينة عند خروجه إلى بدر أنه أمَّر على المدينة سيدَنا عبد الله ابن أم مكتوم، لكنه لما وصل إلى الروحاء وهي على بُعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة فربما خطر بباله أن عبد الله كفيف البصر ومجيء جيش قريش يقتضي أن يكون النظام في المدينة قويا لذا قد استعمل أبا لبابة بن المنذر واليا على المدينة وردَّه من المحل المذكور وأمر بأن يكون ابن أم مكتوم إمامَ الصلاة فقط، ويتولى الأمور الإدارية أبو لبابة. كما عيَّن سيدنا عاصم بن عدي على ضواحي المدينة أي قباء أميرا منفصلا.
لقد ورد عن لواء جيش الإسلام: دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، وكان أمامه رايتان سوداوان: إحداهما مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويقال لها العقاب، وكانت من مرط لعائشة.
وفي رواية أنه كانت عند جيش الإسلام ثلاث ألوية. لواء المهاجرين كان مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ.
وكان مصعب بن عمير يحمل راية المهاجرين، وكانت راية المهاجرين بيد حباب بن منذر وراية قبيلة أوس بيد سعد بن معاذ. خرج خوات بن جبير مع رسول الله ، فلما بلغ الصفراء أصاب ساقه حجر ودميت رجله واعتلت فرجع، وضرب له رسول الله بسهمه. وأهل الأخبار يقولون إنه شهد بدرا. ولكن الرواية الصحيحة تقول بعودته إلى المدينة.
لقد ورد بشأن عدم الاستعانة بالمشركين:
كان خُبيب بن يساف ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج لنجدة قومه من الخزرج طالبا للغنيمة، ففرح المسلمون بخروجه معهم، فقال له رسول الله :لا يصحبنا إلا من كان على ديننا. وفي رواية: ارجع فإنا لا نستعين بمشرك. تكررت من حبيب المراجعة لرسول الله . وفي الثالثة قال له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال نعم، فأسلم وقاتل قتالا شديدا.
وقد ذُكر صيد سعد بن وقاص الظبيَ: قال رسول الله لسعد بن أبي وقاص وهم بتربان: يا سعد انظر إلى الظبي ففوق له بسهم، وقام رسول الله فوضع ذقنه بين منكبي سعد وأذنيه، ثم قال: ارم، اللهم سدد رميته، فما أخطأ سهم سعد عن نحر الظبي، فتبسم رسول الله ، وخرج سعد يعدو فأخذه وبه رمق، فذكاه وحمله، فأمر به رسول الله ، فقسم بين أصحابه.
واصل النبي الزحف حتى وصل إلى الصفراء (وهو واد خضرٌ جدا فيه النخيل، ويقع على بُعد منزل من ميدان بدر) أرسل رجلين يَتَحَسّسَانِ الْأَخْبَارَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. ثُمّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللّهِ حتى أتى عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ ذَفِرَانَ، فَجَزَعَ فِيهِ ثُمّ نَزَلَ. وصل الرجلان اللذان أرسلهما النبي للتجسس على أبي سفيان إلى بدر. فَأَنَاخَا إلَى تَلّ قَرِيبٍ مِنَ الْمَاءِ ثُمّ أَخَذَا شَنّا لَهُمَا يَسْتَقِيَانِ، فسمع جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ وَهُمَا يَتَلَازَمَانِ عَلَى الْمَاءِ وَالْمَلْزُومَةُ تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ ثُمّ أَقْضِيك الّذِي لَك. قَالَ الرجلُ: صَدَقْتِ ثُمّ خَلّصَ بَيْنَهُمَا. وَسَمِعَ ذَلِكَ الرجلانِ فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمّ انْطَلَقَا حَتّى أَتَيَا رَسُولَ اللّهِ فَأَخْبَرَاهُ بِمَا سَمِعَا فأخذ الحذر أكثر من ذي قبل. وسوف يأتي تفصيل ذلك لاحقا بإذن الله.