قراءة في كتاب «فضائل القرآن»

قراءة في كتاب «فضائل القرآن»

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • ما هي وجوه تفوُّق القرآن على سائر الكتب السابقة، بحيث جعلت منه كتابا صالحاً لكل زمان ومكان؟
  • كيف استطاع المصلح الموعود فك شفرات “المجاز والاستعارة” في الكلام الإلهي ليخرجنا من متاهات الفهم الحرفي الضيق؟

____

الحديث عن فضائل ومزايا القرآن الكريم حديث لا يكاد ينتهي، وهو من الإمتاع بحيث تطرب له وبه قلوب وعقول القراء والمستمعين من الأغيار المنصفين، علاوة على أتباع الدين ومعتنقيه.

عنِالمؤلِّف والمؤلَّف

إن كتاب «فضائل القرآن»، من الكتب التي صُنِّفت في باب بيان محاسن القرآن ومناقبه، وهو درَّة يتيمة في تعديد مزايا القرآن قلما تجود بمثلها الأفهام، ألفه سيدنا المصلح الموعود حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد، نجل المسيح الموعود وخليفته الثاني. ومما يجدر بالذكر أن هذا التأليف الجليل في بيان محاسن الكتاب الأجلِّ لم يؤلَّف دفعة واحدة، إذ هو في أصله مجموعة خطابات ألقاها حضرته في الجلسات السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في قاديان دار الأمان، وبلغ عددها ستة خطابات أُلقِيَت تِبَاعًا في ست جلسات سنوية في قاديان بالهند، منها خمسة خطابات على التوالي خلال الفترة من 1928-1932م، ثم الخطاب السادس في عام 1936م.

والكتاب الذي نحن بصدد عرضه، أي «فضائل القرآن»، لهو غيض من فيض المؤلَّفات التي أنجزها سيدنا المصلح الموعود ، وتعكس فهمه العميق والفريد للقرآن الكريم، بما يدعم تصريح حضرته في التفسير الكبير بأن معظم العلوم والحقائق القرآنية قد أحاط بها عن طريق الإلهام وأن الله تعالى وهب له روحا معرفية وموسوعية وفهما عميقا للقرآن الكريم وموهبة الإقناع، حتى إنه تحدى الكثيرين في ذلك إلا أن أحدًا لم يسعه مبارزته ومباراته(1).

 

قوله في نزول القرآن، ضرورته وكيفيته

رأى سيدنا المصلح الموعود أن يؤصِّل في خطابه الذي ألقاه بمناسبة الجلسة السنوية في الثامن والعشرين من شهر ديسمبر من عام 1928م لفضل القرآن الكريم على سائر الكتب الموحاة من الله والتي سبقته نزولا، وضمَّن خطابه ذاك ردودًا مُفحِمة على اعتراضات المستشرقين المغرضين الذين لم يدخروا وسعا للنيل من صدق الإسلام وصدق النبي العدنان ، أو على الأقل الطعن في مبدأ كون القرآن الكريم نصًّا قطعي الثبوت، وأنه محفوظ حفظا تاما لا تشوبه شائبة نقص أو اختلاف أو إهمال. كما وتحدث حضرته في هذا الخطاب عن عدم اكتراث المسلمين بما يثيره المستشرقون المسيحيون من شبهات ضد القرآن الكريم، فبلور في خطابه هذا مجموعة من النقاط التي ينبغي أن يضعها كل مسلم في حسبانه حال تدبُّر القرآن. وسيتضح للقارئ اللبيب أن هذا الفصل يجيب على تساؤلات عفوية طالما عنَّت وتعنُّ لقارئ القرآن ومتدبره(2).

لقد شرع المصلح الموعود في ولوج موضوع «فضائل القرآن»، مرورا بأول أبهائه، ألا وهو موضوع الضرورة التي دعت لنزول القرآن الكريم، على الرغم من وجود كتب سابقة موحاة، فيخلص حضرته إلى نتيجة مفادها أن كتب الوحي التي سبقت القرآن نزولا كانت قد أصابها من الفساد شيء غير قليل، وأضيف إليها ما أضيف، حتى إن المرء ليكاد ألا يعثر فيها على أي أثر لوحي الله تعالى(3).

وبعد مناقشة دليل الضرورة، أي ضرورة نزول القرآن، يتناول حضرة المصلح الموعود دليل الكيفية، أي كيفية نزول وحي القرآن الكريم لأن كيفية نزول الوحي أيضا تبيّن صدقه إلى حدّ كبير(4). كيفية نزول القرآن، وهي ما يعرفه أصحاب علوم القرآن بـ «التنجيم»، أي نزول القرآن مفرقا على سور وآيات، ويسرد المؤلف بهذا الصدد نقاطا ستًّا متصلة يُثبِت خلالها أن نزول القرآن منجما يشكِّل وحده دليلا قويًّا على كونه من الله تعالى، وذلك لأسباب ذكرها حضرته مفصلة(5).

ستة وعشرون وجها لأفضلية القرآن

في الخطاب التالي الذي ألقاه حضرته في جلسة سنوية تالية، وبتاريخ التاسع والعشرين من ديسمبر من عام 1929م، أورد حضرته عددا من الإثباتات العقليَّة والنقليَّة التي تثبت أفضلية القرآن الكريم على الكتب السابقة. وقد سرد حضرته تلك الإثبات في هيئة ستة وعشرين وجها من وجوه تفوق القرآن على ما عداه من وحي. كما ضمَّن حضرته هذا الخطاب دقائق تفسيرية عديدة، نحو معنى التعليم بالقلم، وقصة ذي النون، وغير ذلك، فالقرآن الكريم بحسب ما ذكره المصلح الموعود هو الأفضل من حيث: مصدره، ومؤهلاته الذاتية، ونتائجه، وعظمة فوائده، وكثرتها، وسعة منفعته، ومدة صلاحيته، وأنه الأفضل من منطلق مكانة المستفيدين، وأنواعهم، ونزاهته عن الزيف، وفوائده اليقينية، وجماله الظاهري، وعدم تفريطه في الضروريات(6)، … إلى آخر القائمة التي سردها المصلح الموعود من حيثيات الأفضلية الست وعشرين.

إصلاحان: اقتصادي، واجتماعي

أما الخطاب الثالث على التوالي، فألقاه المصلح الموعود في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1930م، وتناول فيه حضرته قضية فضل القرآن وكمال تعاليمه من منظور اقتصادي واجتماعي. وأفرد حضرته في الجانب الاقتصادي صفحات عديدة للحديث عن الصدقات، عقد خلالها مقارنة بين التعاليم القرآنية عن الصدقة وتعاليم التوراة والإنجيل وحتى الفيدا أيضا. وضُمِّنت في هذه الصفحات دقائق تفسيرية كثيرة وردت في ثنايا الخطاب، فأضفت عليه رونَقًا، وجمالا فوق جمال! وفي هذا الخطاب نفسه تطرَّق حضرته لقضية العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة، أي الزواج، فصحح سوء الفهم الناشئ عن قول الكتاب المقدس بخَلْقِ حواء من ضلع آدم، وتحدث عن إحدى غايات الدين، ألا وهي تكميل الإنسانية، الأمر الذي لا يتأتى إلا باجتماع عنصريها، وهما الرجل والمرأة، فالدين الذي يُبقي كلا منهما بمعزل عن الآخر هو في الواقع دين يقطع دابر الإنسانية(7)، في إشارة واضحة إلى نبذ الرهبانية التي تتبناها المسيحية في عصورها المتأخرة.

كيفية نزول القرآن، وهي ما يعرفه أصحاب علوم القرآن بـ «التنجيم»، أي نزول القرآن مفرقا على سور وآيات، ويسرد المؤلف بهذا الصدد نقاطا ستًّا متصلة يُثبِت خلالها أن نزول القرآن منجما يشكِّل وحده دليلا قويًّا على كونه من الله تعالى، وذلك لأسباب ذكرها حضرته مفصلة

اقتفاء أثر «البراهين الأحمدية»

كان التدليل على كون القرآن الكريم أعظم الكتب الإلهامية قاطبةً، هو مضمون الخطاب الذي ألقاه المؤلف في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1931م وقد أتْبعَ في هذا الخطاب حديثه عن تفوُّق القرآن على ما سواه من كُتب موحاة، بحديث ماتع عن سيرة سيدنا خاتم النبيين ، بوصفها تجسيدا لعظمة ذلك الكتاب، تجلى في جمال سيرة الإنسان الذي تلقَّاه وحيا، وإيماء إلى قول السيدة عائشة أم المؤمنين حين سُئِلَتْ عن خُلُقِه ، فقالَتْ:

 «كان خُلُقُه القُرآنَ»(8)،

مفنِّدًا بذلك اعتراضات تسعة يثيرها خصوم الإسلام بغية تشويه صورة وسيرة نبيِّه الطاهرة(9).

ومما يجدر بالتكرير للتذكير أن الكتابة في فضائل القرآن وخصائصه كانت مشروعًا بدأه المسيح الموعود في كتابه ذائع الصيت «البراهين الأحمدية على حقِّيَّة كتاب الله القرآن والنبوة المحمدية»، إذ ذكر أنه سيشرع في بيان ثلاثمائة دليل على حقِّيَّة كتاب الله القرآن والنبوة المحمدية، وبتأمُّل المصلح الموعود في هذا الأمر توصَّل إلى إمكانية بيان تلك الأدلة الثلاثمائة فعلا، بل ويمكن للإنسان أن يشرح البراهين الأحمدية بقدر ما يؤتيه الله من فهم واستفاضة من معارف المسيح الموعود الروحانية، فمن ثم يمكن عدّ كتاب «فضائل القرآن» للمصلح الموعود تتمة لمسيرة «البراهين الأحمدية» التي بدأها سيدنا المسيح الموعود ، حتى إنه كان في نية سيدنا المصلح الموعود أن يُجعل حديثه عن «فضائل القرآن» مقدمة لترجمة معاني القرآن الكريم التي ستُنشر لاحقًا(10).

عقائد فاسدة أصلحها القرآن

في الخطاب الخامس على التوالي، والذي ألقاه حضرته في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1932م، واصل فيه الحديث عن أفضلية القرآن الكريم على الكتب السابقة، وضمَّنَه نبوءات من خلوا من النبيين (عليهم السلام) عن بعثة سيدنا محمد ، ثم حُزمة من الإصلاحات العقائدية التي أحدثها القرآن الكريم منذ نزوله(11). من ذلك إصلاحه المبدئي، والذي تقوم عليه بعد ذلك سائر الإصلاحات، وهذا الإصلاح المبدئي الأول الذي قام به القرآن يتمثل في إثبات وجود الله تعالى. ففي هذا الجزء من الكتاب يجد القارئ مادة خصبة ثرية في تفنيد حجج الملاحدة والماديين. ويتبع ذلك الجزء الحجاجي بمقاطع تفسيرية عديدة من نبوءات النبيين عن مبعث سيدنا محمد ، وهي نبوءات طالما أسيء فهمها.

الخطاب الأخير، عَوْدٌ بعد انقطاع

الخطاب السادس والأخير في مؤلَّف «فضائل القرآن»، ألقاه سيدنا المصلح الموعود بعد انقطاع دام قرابة أربع سنوات، إذ ألقاه حضرته في الثامن والعشرين من ديسمبر عام 1936م، مضمِّنًا إياه الحديث عن مجيء معاني الكلام الإلهامي عموما، والقرآن خصوصًا، في حُلل المجاز والاستعارات، الأمر الذي تلقَّته الأفهام غير الناضجة على حَرْفِيَّتِهِ، فضلَّت سواء السبيل. ففي هذا الخطاب يرسم حضرته خريطة الخروج من متاهة سوء الاعتقاد الناشئ عن الفهم الحرفي للكلام الإلهامي السامي، وهذا بحد ذاته إصلاح عقـــــــــــائدي هــــــــام من الإصلاحــــــــــــــــــات التي انفــــــــــــــرد القرآن الكــــــــــــريم بإجرائها(12).

إن كتاب «فضائل القرآن» يُعدُّ حلقة متينة ضمن سلسلة مساعي سيدنا المصلح الموعود المشكورة إلى توجيه أبناء جماعته لتعريف القاصي والداني بمحاسن ذلك الكتاب العظيم، وكان من بين تلك المساعي العمل على ترجمة معاني القرآن الكريم إلى عدة لغات هامة في العالم حتى يتزود هؤلاء الذين لا يعرفون العربية بحكمة وعظمة هذا الكتاب السماوي.

الهوامش:

  1. مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير – المجلد السادس 6 الصفحة 483
  2. فضائل القرآن، مقدمة الناشر
  3. انظر: مرزا بشير الدين محمود أحمد، فضائل القرآن، ص3
  4. المرجع السابق.
  5. المرجع السابق ص 15
  6. انظر: مرزا بشير الدين محمود أحمد، فضائل القرآن، ص33
  7. فضائل القرآن، مقدمة الناشر
  8. مسند أحمد بن حنبل
  9. فضائل القرآن، مقدمة الناشر
  10. المرجع السابق، مقدمة الناشر
  11. فضائل القرآن، مقدمة الناشر
  12. المرجع السابق.
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via