- ما دلالة حياة سيدنا الحسين باستشهاده؟!
___
إن أسوأ آفات الأمم قاطبة خلطُ المفاهيم، وهنا نشير إلى الصراع على الملك الدنيوي بدعوى أنه خلافة الله، وشتَّان بين الثرى والثريا! ولله در سيدة قوم سبأ التي سجَّل الله تعالى قولها في كتابه الكريم:
نعم، وأي إفساد! لقد ابتُليت أمة الإسلام بأقوام يريدون إقامة الخلافة بقوة حكوماتهم المادية. وبحسب زعمهم، يمكن إقامة الخلافة بالقوة! فهؤلاء لا يفهمون رسالة الله الواضحة والكامنة في وعد الاستخلاف القائل:
ومضمون تلك الرسالة هو أن الخلافة تُقام بيد الخالق، لأن الخلافة بعد النبي تُقام بواسطة المؤمنين. ولكن بسبب غياب هذا المعنى عن أذهان عوام المسلمين، دخلوا في حلقة مفرغة من الفتن ولم يَفْتَؤُوا يدورون فيها دائبين إلى اليوم.
وقد جرى العرف على أن يكون مطلع العام الجديد لدى مختلف المجتمعات والتقاليد مناسبة احتفال وابتهاج وسعادة، إما بذكرى متجددة لحدث ماض سعيد، أو بإنجاز معاصر فريد، غير أن بداية كل سنة هجرية جديدة تذكّر المسلمين في جميع أنحاء العالم بواحدة من أفدح المآسي في تاريخ الإسلام، إذ شهد وقوع جريمة هي من أشنع الجرائم التي مُنِيَت بها الإنسانية عموما وجماعات المؤمنين خصوصا، ونخص بالذكر هنا جريمة يوم الطفوف، التي عرفناها باسم حادثة كربلاء، والتي وقعت في القرن الأول الهجري، مطلع شهر الله المحرم من عام 61 هـ، ويومها لم يُكتَفَ بقتل سلالة الأطهار سِبط النبي المختار وطائفة من أهل بيته الطيبين، بل ومُثِّلَ بجسده الشريف، بوَضاعة وخِسَّة مثيرين للأسف.
وقد تحولت ذكرى تضحية سيدنا الإمام الحسين إلى مأتم وموسم للنياحة ولَطْمِ الخدود وشق الجيوب وغيرها من الأمور التي تنافي تعليم الله تعالى وسنة رسوله الأكرم ، وإن إحياء هذه الذكرى بهذا الأسلوب إنما يُذكي في النفوس نزعة الثأر والانتقام المنهي عنهما أصلا، ليتحول بذلك دم سيدنا الإمام الحسين إلى وقود منسكب باستمرار ليغذي نار فتنة لا تكاد تنطفئ.
علما أن الحسين لم يخرج متمردا مفسدا نظاما ومعكرا صفو سلم مجتمعي، وإنما أبى، وهذا حق مشروع، إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يرفض بيعة معاوية ورفض بيعة يزيد. وكانت النتيجة أن قُتِل الحسين بدم بارد.
فهل ضحّى الإمام الحسين ليجري إحياء الذكرى السنوية لاستشهاده بذلك الأسلوب البغيض المشار إليه سلفًا؟ كلا، بل بذل حضرته نفسه النفيسة ولسان حاله يقول: اليوم يثبُتُ أن الخلافة مسألة حياة أو موت، فليت من يأتون بعدي يدركون أنها أسمى من أن تكون مجرد ملك دنيوي!
فكان دم الحسين من هذا المنطلق هدفا ثالثا نظيفا يُسجِّله فريق أولياء الرحمن في شباك فريق أحزاب الشيطان، حيث كان الهدفان الأولان دم حضرة علي ومن قبله دم حضرة عثمان (رضي الله عنهما).
قارئ التقوى العزيز، لم يشأ فريق التحرير أن يفوِّت فرصة إطلالة العام الهجري الجديد 1447هـ، المتزامنة مع صدور عدد يوليو 2025 من مجلة التقوى، إلا ويقيم سرادق الاحتفال بالتضحية المقدَّسة التي ساقها سيدنا الإمام الحسين، متأسِّيًا بأسلافه الربانيين، مصححين بذلك عقيدة باطلة ترسَّخت لدى الأشِقَّاءِ الأعداء في صراع «شِيـعي – سُنِّيٍّ» لا يخمُد أواره مهما مرت عليه القرون، إلى أن بُعِث من لدن العناية الربانية من يطفئ سعير تلك النار.
الهوامش:
- (النمل: 35)
- (النور: 56)