حقيقة «الحسد» بين اللغة والعقيدة وعلم النفس

حقيقة «الحسد» بين اللغة والعقيدة وعلم النفس

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • هل يمكن عدُّ الحسد قضية علمية أصلا ليتسنى دراستها؟!
  • كيف يمكن تعريف الحسد من منظور لغوي وقرآني؟

 ___

ظواهر في مجتمعنا

ينتشر في ثقافات عدة الاعتقاد بالحسد، خصوصا في المجتمعات النامية، وعلى الرغم من أن الإنسانية خطت عتبة القرن الحادي والعشرين، وما صاحب تلك الخطوة من تطور علمي هائل على شتى الأصعدة، إلا أن الاعتقاد بضرر الحسد أو ما يُسمى «العين» ما زال منتشرا في المجتمعات التي ما تزال تحتفظ بشيء من موروثها الثقافي القديم أو تعاليمها الدينية، حيث إن الدين في تلك المجتمعات كان ولا يزال عاملا مهما في تفسير الغامض من شتى ظواهر الكون المحيطة، ومنها الحسد، والذي نحن بصدد طرحه موضوعا لمادة هذا المقال.

شعوبنا وفكرة الحسد

ثمة عبارة شائعة كثيرا ما نسمعها حين تُطرح قضية «الحسد» على مائدة النقاش، حيث يقال مثلا: لماذا لا يؤثر الحسد إلا فينا كمجتمعات شرقية، بينما لا وجود له في الغرب؟!

وتنتاب بعض المتعلمين في مجتمعاتنا الإسلامية خواطر عن أن الخوف من الحسد قد يُعد ضربا من الشرك، متأثرين في خوفهم هذا بالنظرة الحداثية إلى ظاهرة الحسد بوصفها ظاهرة غير علمية، على حد تعبير الحداثيين.. وقريبا من هذا السياق تحدث حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) مجيبا أحد السائلين عن هذا الأمر فقال: «إن الشعور المسيطر علينا بوقوعنا ضحية الحسد، أو تأثرنا بدعوة مظلوم، هذا الشعور لا يمكن وصفه بأنه، والعياذ بالله، ضرب من الشرك، لأن ما يحصل في كلتا الحالتين يحصل بأمر الله سبحانه وتعالى، لا بأمر الحاسد ولا بأمر المظلوم. أما الحاسد فيعبر عن رغبة غير مقصودة، وأما المظلوم فتخرج دعواته من الألم فيقبلها الله ويستجيب له.»(1)

هل الحسد قضية علمية؟!

اعتدنا في هذه الآونة أن نسمع بعضا من أنصاف المثقفين يتهمون محدِّثيهم بالجهل إذا ما طُرحت قضية الحسد لتفسير وقوع أحدهم في مشكلة أو ورطة أو تكبده خسارة ما، وهذا الاتهام بالجهل ليس إلا بسبب النظر إلى الحسد باعتباره مسلكا غير علمي لتفسير واقع ما، فهل قضية الحسد من القضايا غير العلمية بحسب زعم البعض؟! أم أن هناك قولا آخر؟!

ولكي يمكننا وصف قضية ما بأنها «قضية علمية» لا بد لنا من أن نطبق عليها منهجا علميا، والمنهج العلمي مجموعة من الخطوات والإجراءات المتبعة للتحقق من صحة الفرضيات العلمية، وهذه الخطوات باختصار هي: الملاحظة، وصياغة الفرضية، والتجربة لأجل التحقق من الفرضية، وأخيرا الاستنتاج.

دعونا نطبق خطوات المنهج العلمي على ظاهرة الحسد، والذي كان يُزعَم إلى وقت قريب أنه لا سبيل إلى رصده وملاحظته أو قياسه، وبالتالي لا يمكن إجراء أي من التجارب العلمية عليه، ولا صياغته في أي إطار علمي، فهو لا يعتبر موضوعا علميا من الأساس! على الأقل إلى هذه اللحظة، ولكن لنتذكر جيدا أن مجالا كاملا مستقلا من مجالات العلوم التجريبية الآن، وهو علم النفس بكافة تفريعاته، لم يكن ينظر إليه إلى نهاية القرن التاسع عشر كعلم معتبر، وفي أحسن الأحوال كان يُنظر إليه بوصفه ضربا من الفلسفة.

إننا بالتقاطنا أول الخيط، أي بتحديد تعريف، ولو سطحي، لظاهرة الحسد، سنتمكن حتما من وضعها على مائدة البحث والتشريح، ومن ثم مناقشتها مناقشة علمية بحتة..

تعريف الحسد من منظور لغوي وقرآني

يقولون أن الحسد هو تمني زوال النعمة من يد الآخرين. وإذا يممنا شطر المعاجم اللغوية التراثية بحثا عن معنى الحسد في كلام العرب وجدنا أنَّ «حسده يَحْسِدُه ويَحْسُدُه، حَسَدًا وحُسودًا وحَسادَةً، وحَسَّدَه: تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو يسلبهما»(2).

وقال الجرجاني: «الحسد تمني زوال نعمة المحسود إلى الحاسد.»(3)

وقال الكفوي: «الحسد اختلاف القلب على الناس؛ لكثرة الأموال والأملاك.»(4)

وعرفه صاحب تفسير التحرير والتنوير فقال: «إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير، مع تمني زوالها عنه؛ لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة، أو على مشاركته الحاسد.»(5)

فتُجمِع المصادر العربية على أن الحسد شعور سلبي ينتاب النفس تجاه الغير. وقد ورد ذكر الحسد في القرآن الكريم في خمسة مواضع موزعة على أربع سور قرآنية، في قوله تعالى:

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(6).

وقوله تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.(7)..

وقوله تعالى:

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا.(8)..

وأخيرا في قوله تعالى:

وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ.(9)..

فالواضح أن آيَ الذكر الحكيم يُفهم منها جميعا أن الحسد هو ذلك الشعور السلبي بتمني زوال النعمة والخير من يد الآخرين.

وقريبا من هذا السياق تحدث حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) مجيبا أحد السائلين عن هذا الأمر فقال: «إن الشعور المسيطر علينا بوقوعنا ضحية الحسد، أو تأثرنا بدعوة مظلوم، هذا الشعور لا يمكن وصفه بأنه، والعياذ بالله، ضرب من الشرك، لأن ما يحصل في كلتا الحالتين يحصل بأمر الله سبحانه وتعالى، لا بأمر الحاسد ولا بأمر المظلوم. أما الحاسد فيعبر عن رغبة غير مقصودة، وأما المظلوم فتخرج دعواته من الألم فيقبلها الله ويستجيب له.

مَاذَا لَوْ كَانَ عَالَمُنَا خَالِيًا مِن الحَسَدِ؟!

لقد توصَّل لفيف من علماء الأنثروبولوجيا مؤخرا في إطار أبحاثهم في علم الإنسان والمجتمع القديم إلى أن الحسد كان يساعد أسلافنا البشر الأوائل على البقاء على قيد الحياة وتحولهم إلى كائنات اجتماعية. ويشير هؤلاء العلماء إلى أن الحسد شعور طبيعي، متجذر في المجتمع البشري مما يُسهم في تطوير الذات، لكنه يمكن أن يفسد المزاج بشكل كبير، وأحيانا قد يتسبب في الاكتئاب أو حتى يدفع الشخص الواقع تحت تأثيره (الحاسد) إلى القيام بأعمال عدوانية.(10)

وندهش حين نقرأ للمسيح الموعود كلاما بهذا المعنى، ليس نتيجة بحوث أكاديمية معمقة، ولكننا، نظرا إلى سموه وعمقه في آن، لا نتردد في القول بأنه كتبه بمعونة عليم خبير بالنفس الإنسانية، فمما كتب حضرته في معرض حديثه عن الأخلاق الإنسانية وأنها ظل للأخلاق الإلهية، ذاكرًا الحسد كخُلُق إنساني: «الحق أن أخلاق الإنسان كلها ظل الأخلاق الإلـهية لأن روح الإنسان من الله، ولكن بسبب الإفراط والتفريط أو سوء الاستخدام تبدو تلك الصفات بصورة مكروهة في الناس الناقصين. فمثلا إن الحسد خُلق سيئ جدا في الإنسان إذ يود صاحبه أن يُحرم شخصٌ من نعمة معينة ويحوزها هو. ولكن حقيقة الحسد أن الإنسان لا يقبل أن يشاركه أحد في كمالٍ حصل عليه. فالحق أنها صفة من صفات الله تعالى الذي يود أن يرى نفسه واحدا دون شريك. ولكن بسبب سوء الاستخدام صارت هذه الصفة الحميدة مكروهة. ولكنها ليست مذمومة من منطلق أن يتمنّى الإنسان أن يكسب قصب السبق في الكمال ويودَّ أن يرى نفسه في مقام الوحدة والانفراد في الروحانية.»(11)

إذن لا توجد في الإنسان قوة سيئة، بل إن كل القوى المودعة في نفس الإنسان هي قوى فطرية ضرورية، وسوء استخدامها فقط هو ما يجعلها سيئة، وقياسا على ذلك تُعدّ صفة الحسد سيئة جدا لأن الحاسد يتمنى زوال النعمة من عند غيره ويريد أن يحتكرها لنفسه. وكذلك سائر الأخلاق الرذيلة، كلها حالات مشوَّهة من الأخلاق الفاضلة.

الحسد إذن، من خلال ما تقدَّم، طاقة نفسية وقوة خلقية تنشأ من نزوعنا إلى الكمال، وإن لم توجَّهْ تلك الطاقة توجيها رشيدا تحولت إلى قوة شيطانية تدمر صاحبها ومن حوله. وفي دراسة ضمن مجال علم النفس الاجتماعي أجراها باحثان إيرانيان من جامعة كاشان، بالتعاون مع باحث ثالث في مجال العلوم الشرعية من جامعة معارف القرآن والعترة بمدينة أصفهان الإيرانية، كشفت نتائج هذه الدراسة بالتماشي مع المكتشفات البحثيّة الأخرى المتوصَّل إليها سلفا في مجالات علم النفس، أنّ سلوك الحسد، أو ما أطلقت عليه الدراسة مصطلح «الحسادة» من التصرّفات الّتي تكمن جذورها في التجارب السيّئة لعهد الطفولة وفي التعلّم الناقص للسلوك الأخلاقيّ القويم، كما كشفت متماشيةً مع الدراسات السابقة أنّ جذور الحسد يمكن تتبعها في الخلفيّات العائليّة كالتمييز بين الأولاد في نطاق الأسرة الواحدة، أو انعدام الشعور بالأمن، والغفلة عن الأساليب الصحيحة في تربية الأولاد، وخلق الشعور بالنقص لديهم، وعدم الاهتمام بالمواهب الفرديّة وترقيتها، والنموّ الضعيف في مجال احترام الذات(12). ما يهمنا من نتائج هذه الدراسة هو توصلها إلى نفس النتيجة التي أجملها المسيح الموعود في أن الحسد سلوك أخلاقي فطري، ولكن جرى عليه التشوُّه.

وندهش حين نقرأ للمسيح الموعود كلاما بهذا المعنى، ليس نتيجة بحوث أكاديمية معمقة، ولكننا، نظرا إلى سموه وعمقه في آن، لا نتردد في القول بأنه كتبه بمعونة عليم خبير بالنفس الإنسانية، فمما كتب حضرته في معرض حديثه عن الأخلاق الإنسانية وأنها ظل للأخلاق الإلهية، ذاكرًا الحسد كخُلُق إنساني: «الحق أن أخلاق الإنسان كلها ظل الأخلاق الإلـهية لأن روح الإنسان من الله، ولكن بسبب الإفراط والتفريط أو سوء الاستخدام تبدو تلك الصفات بصورة مكروهة في الناس الناقصين.

العلاج الأمثل

بعد أن توصلنا إلى حقيقة مفادها أن الحسد سلوك فطري مشوَّه، بقي أن نسعى لعلاج هذا التشوُّه وتقويمه للعودة به إلى الفطرة الأولى النقية. وفي إشارة موجزة ومركزة في آن، يصف سيدنا المصلح الموعود علاجا لشعور الحسد، يمكن أن يستفيد منه الفرد والمجتمع على السواء، فيقول حضرته في معرض تفسيره لقول الله تعالى من سورة طه:

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.(13)،

فيقول :

«يصاب الإنسان أحيانا بالطمع برؤية ما لدى الآخر من الثروة والمال، ويتمنى أن تنتقل إليه، ولكن الله تعالى يُحذِّر المسلمين هنا من أن يصيبهم الطمع برؤية تقدم الشعوب الأوربية وثرائها المتراكم الهائل، لأن ثراءها نفسه سيتسبب في هلاكها في نهاية المطاف…»(14)..

العجيب فيما أشارت إليه آية (طه: 132) السالفة أن الحسد منشؤه العين، وبالفعل إن المرء تتولد لديه مشاعر الحسد من خلال نظرة عينيه إلى نجاحات الآخرين، بينما لا تنشأ نفس المشاعر من خلال الحواس الأخرى، كالسمع مثلا! فكان النهي القرآني عن مد نظرة العينين إلى ما بحوزة الآخرين علاجا فعالا لمشاعر الحسد الضارة بصاحبها ومن حوله.

الهوامش:

ِAnswers to every day issuesالزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس،

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via