العنف الأسري في أجواء فهم ديني سقيم

العنف الأسري في أجواء فهم ديني سقيم

التحرير

__

تُعَدُّ ظاهرة العنف الأسري من أخطر أنواع العنف انتشارا في الدول الغربية بصفة عامة وفي مجتمعاتنا الإسلامية بصفة خاصة. وبالرغم من تهميش وجودها من بعض الأطراف إلا أن بصماتها على أرض الواقع بدت جلية في التركيبة الاجتماعية.
وخلافا لما يتصور البعض فإن العنف الأسري لا يقتصر على عنف الزوج تجاه زوجته بل يتعدى ذلك ليشمل عنف الزوجة تجاه زوجها، وعنف الوالدين تجاه أولادهم، وهلُمَّ جرًّا من أصناف العنف داخل الأسرة، والتي إن أنصفنا في وصفها فهي المأوى الدافئ ومركز الحب والسكينة. ولا يختلف اثنان أن أجواء الأسرة وما تحمله في فضائها من حب وسكينة لن تتوفر إلا إذا أدى كلا الوالدين دوره الفعال في القيام بواجباته وتأدية حقوق أفراد الأسرة ومن ثم يصبح أسوة لباقي الأفراد.
ولقد وضع الصادق الأمين معالم هذه الخلية التي لا يصلح المجتمع إلا بصلاحها، ووضَّح أن أساس الأسرة المتكاملة هي المرأة حيث قال: «تزوجوا الودود الولود»(1). وبالتالي فإن مسئولية الحب والمودة تقع بالدرجة الأولى على المرأة، فهي بحكم تركيبتها العاطفية هي الأكثر قدرة على شحن الجو العائلي بالحب والمودة.
كما رسم معالم شخصية رب الأسرة وترك لنا عبر سنته العطرة نماذج عملية قيمة تخول للإنسانية قاطبة أن تتعلم منها دروسا وعبرا. ولا شك أن هذا الزاد التربوي والأخلاقي يزخر بآليات ناجعة لسد حاجيات أفراد الأسرة جميعا في كل مكان وزمان. وتزخر كتب السيرة النبوية بسوانح عديدة جديرة بأن تحظى باهتمامنا في حال أردنا أن نقي أنفسنا وأهلينا من براثن العنف الأسري، الذي بات يهدد أمن وسلام مجتمعاتنا. وسنحاول عبر هذه السطور فحص أهم وأبرز أسبابها غير المخفية على اللبيب المطلع على مجريات الساحة الإسلامية من مآس ومظالم وهتك للحرمات.. الأمر الذي أرجعه الكثيرون إلى فشل رب الأسرة في الحصول على ما يُلَبِّي به جميع حاجاتها اللامُتناهية حيث يندفع إلى استخدام العنف إزاء أفرادها لتفريغ شحنة الخيبة التي تنعكس آثارها في صورة العنف. كما يغطي بعض الآباء فشلهم هذا بتمييع مكانتهم وعدم المبالاة بما يجري داخل البيت فيخسر هيبته واحترامه فينطبق عليه المثل: «إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فسمَةُ أهل البيت الرقصُ». وفي ظل هذه الظروف يُفسح المجال لباقي أفراد الأسرة للتنافس في الحصول على سلطة الهيمنة على الأسرة، ولا شك أن العنف هو أنجع وسيلة للحصول على هذا المأرب.
والأدهى والأمّر من هذه المأساة فإن بعض الآباء يبررون عنفهم متحججين بأن الإسلام يسمح لهم بذلك في سبيل تربية أفراد الأسرة وحمايتهم.. يا له من ظلم عظيم، فالدين برىء من ادعاءاتهم الظالمة. فبفعلتهم هذه قد طمسوا ملامح ومعاني ابتسامة الحياة عن وجه المرأة المستضعفة ووجه الطفل البريء وغرسوا كل تعابير اليأس، فأُجبر الجميع على التمرد والعصيان. وبفعلهم الشنيع هذا كرَّهوا كل من حولهم في الدين ومعالمه، فباتوا يبحثون عن بديل يرزقهم طعم السعادة والطمأنينة ولو للحظات فحققت لهم الخمرة والمخدرات مآربهم، الأمر الذى زاد في تمتين هذه الظاهرة الفتاكة. كما ساهم في استفحالها نمط الحياة العصرية وما تحمله من ضغوط نفسية وإحباط ساهم في تفكك العلاقة الزوجية وفتح فجوات في عشها.
ولا شك أن جفاف وسذاجة الفهم الديني الذي يُلقن في المؤسسات الدينية والتعليمية في بلداننا زاد الطين بِلة. حيث أُفرغ الدين من مغزاه الحقيقي وأصبح مجرد خرافات تُخيف الصغار وتضحك الكبار. أما استخفاف عامة الناس بحدود الله وتأويلها حسب أهوائهم فحدِّث ولا حرج. لقد تبخر الفهم الديني الصحيح من الحياة اليومية وفُسح المجال لكثير من الموبقات كي تحل محله. لقد اضمحل التلذذ بوصال الله وعُوّض بالمخدرات والمسكرات. ماتت القناعة وأصبح همُّ كل واحد الحصول على ما في يد الآخرين مهما كلفه ذلك.. بِيع الشرف ودُفِنت الذمة وفُقد السلام وطار الأمان.
لقد ألقت هذه الحالة المروعة الرعب في الكثيرين فاقتنعوا باستحالة تخلص الأمة من هذه الآفة الفتاكة حيث إنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من التكوينة الاجتماعية وأصبحوا يعيشون في دوامة الإحباط وفقدان الأمل التام حتى إن خيالهم السقيم أقنعهم أنهم بحاجة إلى عصا سحرية مثيلة لعصا سيدنا موسى كي تلقف كل ما حولها. فحالة الإحباط التام هذه أفقدتهم الأمل كلية في رحمة الله، خصوصا أن حالة الأمة تزداد سوءا يوميا.
عزيزي القارئ يجدر الإشارة في هذا المقام أن بركات أشرف خلق الله سيدنا محمد المصطفى الذي أثنى عليه القرآن الكريم:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (2)

قد أطلَّت هذه الرحمة مرة ثانية على الدنيا في عصرنا الحالي عبر خادمه ومطاعه سيدنا مرزا غلام أحمد . وها نحن ندعو إخواننا المسلمين أن يفحصوا بصيص الأمل الذي يقدمه من خلال إحيائه للدين وما يحويه من يقين في تدخل الحضرة الأحدية لإنقاذ خير أمة أُخرِجت للناس.
كما تجدر الإشارة أن نشر هذا العدد يتزامن مع احتفال دول عديدة باليوم العالمي للمرأة والتي إن أنصفتها الإنسانية لأقرت أن المصطفى هو الذي حررها من الوأد المادي والمعنوي والذي أحيا معالم كرامتها وثبتها على أرض الواقع. كذلك يتزامن نشر هذا العدد باحتفال جماعتنا بيوم المسيح الموعود الذي أشاع على الدنيا مظهرا تطبيقيا للدين الحنيف وتحديدا معاملته المثالية للمرأة التي لم يرفع صوتا ولا يدا لتأنيبها أو عقابها، كما عامل أبناءه بنفس المكيال حتى قال إن ضرب الأولاد شرك بالله عز وجل. فبالله عليكم ألم يأن لقلوبكم أن تخشع لما تسمعه من حق وتتيقن أنه لا سبيل للتخلص من آفة العنف الأسري إلا باتباع سنة الحبيب المصطفى وتقييم إنجازات ممثله وخادمه البار في هذا الزمان بكل جدية.
هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1) سنن أبي داود، كتاب النكاح (2) الأنبياء 108

Share via
تابعونا على الفايس بوك