جوانب من تشريعات الإسلام على هامش سير بعض الصحابة الكرام

جوانب من تشريعات الإسلام على هامش سير بعض الصحابة الكرام

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • فما قصة أول راية عُقدت في الإسلام وأول خمسٍ قُسم في الغنائم، وما علاقتهما بالصحابي عبد الله بن جحش (رض)؟
  • وما القاعدة الفقهية التي وضعها النبي ﷺ بخصوص التيمم؟ وما علاقتها بالصحابي عمار بن ياسر (رض)؟

_____

الترجمة العربية لخطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي بتاريخ 13/1/2023م

في المسجد المبارك بإسلام آباد، بريطانيا

* العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية من إضافة أسرة «التقوى»

كنت ذكرت في إحدى الخطب الماضية أنه قد بقي شيء من ذكر محاسن الصحابة، وسوف أذكره في مناسبة أخرى. سوف أتحدث اليوم عن هذا الأمر، بادئا بذكر عبد الله بن جحش رضي الله عنه.

كان من بني أسد. وقال البعض أن قبيلته كانوا حلفاء بني عبد شمس، بينما يرى البعض أنهم كانوا حلفاء حرب من بني أمية.

وورد عن صفة عبد الله بن جحش أنه ما كان طويلا ولا قصيرا. وكان كثيف شعر الرأس.

عبد الله بن جحش وحادث القتال في الشهر الحرام

أمّر النبي عبد الله بن جحش على سرية ذات مرة، وأثنى على جلَده وثباته وشجاعته. فعن سعد بن أبي وقاص أن النبي قال:

‏ ‏”‏لأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُم رَجُلًا لَيْسَ بِخَيْركُم، وَلَكِنَّهُ أَصْبَركُمْ لِلْجُوعِ وَالْعَطَشِ‏”‏.

ثم يقول: خرجنا تحت إمارة عبد الله بن جحش إلى وادي نخلة الواقع بين مكة والطائف.

أما الغنائم التي وقعت في أيدي المسلمين في هذه المهمة فيرى البعض أنها أول غنيمة يغنمها المسلمون. وقد قسمها عبد الله بن جحش إلى خمسة أقسام، فكانت أول خُمُسٍ في الإسلام.

وقال الإمام الشافعي كانت أول راية في الإسلام راية عبد الله بن جحش، وأول غنيمة قسمت في الإسلام كانت على يده أيضا.

وقال حضرة مرزا بشير أحمد بهذا الصدد في سيرة خاتم النبيين : شنَّ أحد زعماء مكة، ويُدعى كرز بن جابر، هجوما مباغتا مع كتيبة قرشية على مرعى للمسلمين يقع على مسافة ثلاثة أميال من المدينة، وساق إبلهم. فبعث هذا الهجوم المباغت الخوف في المسلمين، وكان زعماء قريش قد هددوا المسلمين سلفًا بشن الغارات على المدينة، مما سبب قلقا بطبيعة الحال، ونظرا إلى هذا التهديد قرر النبي القيام باستطلاع أخبار قريش وتنقلاتهم عن كثب، لكي يصله كل خبر قبل فوات الأوان وتبقى المدينة محمية من كل هجوم مباغت. فجهز لهذا الغرض جماعة من ثمانية من المهاجرين، وتعمَّد أن يُشرك فيها مسلمين من شتى قبائل قريش، لكي تسهل عملية استطلاع أخبار قريش وخططها، وأمّر النبي على هذه الجماعة ابن عمته عبد الله بن جحش.

ولكيلا يطّلع عامة المسلمين على هدف هذه الجماعة ووجهتها، لم يخبر النبي أميرَ هذه السرية عن وجهته وهدفه عند رحيل هذه الجماعة، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. (علمًا أنه سبق ذِكر هذه القصة بصورة ما، ولكني لم أقصها في ضوء ما ذكره حضرة مرزا بشير أحمد)

فخرج عبد الله بن جحش وأصحابه بأمر سيدهم ، وبعد قطع مسافة يومين فتح عبد الله بن جحش رسالة النبي وإذ فيها:

«امضِ حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصدُ بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم وتخبرنا بها». ولأن مهمة استطلاع الأخبار هذه كانت خطيرة جدا، فأوصاه النبي أن يعلم أصحابه بالمهمة وألا يستكره أحدًا منهم بعد ذلك، فمن كان يريد المضي معه فليذهب ومن كره فاسمحْ له بالعودة. أعلمَ عبدُ الله أصحابَه بهذه التعليمات، فقال الجميع بصوت رجل واحد إننا مستعدون للمضي قدما بطيب نفس. فمضوا حتى نزلوا بنخلة. ولما بلغوا في موضع بحران ضل جملُ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان في الطريق، فذهبا للبحث عنه وانفصلا عن أصحابهما الذين لم يعثروا عليهما رغم البحث. فقلّ عدد هذه الجماعة إلى ستة فقط.

علمًا أنه قد سبق أن ذكرت جزءا من هذه الواقعة عند ذكر سعد بن أبي وقاص .

ثم كتب حضرة مرزا بشير أحمد: قال السيد مرغليوث في هذا المقام: كان سعد بن أبي وقاص وعتبة قد أفقدا جملهما عمدًا لكي يتأخرا عن الجماعة. ويقول حضرة مرزا بشير أحمد: الغريب أن السيد مرغليوث يثير هذه الشبهة ضد مسلمينِ مخلصين كانت كل واقعة من حياتهما دليلا على شجاعتهما وفدائهما للإسلام، وكان أحدهما قد نال الشهادة على يد الكفار في بئر معونة، والآخر شارك في العديد من المعارك الخطيرة حتى صار فاتحا للعراق، وليس هذا الأمر إلا تلفيقا من مرغليوث بناءً على أفكاره الباطلة. على الرغم من ادعائه الموضوعية في كتابه هذا الذي يقول أنه كتبه منزها عن كل نوع من التعصب.

على كل حال، كانت هذه جملة اعتراضية. ويتابع حضرة مرزا بشير أحمد فيقول:

وصلت هذه الجماعة الصغيرة من المسلمين إلى وادي نخلة، ونفذوا المهمة التي أوكلت إليهم، وحلق بعضهم رؤوسهم حتى يظن من يمر بهم أنهم معتمرون، ولا يثيروا ارتيابهم. ولم تمض إلا أيام قليلة على وصولهم  إلى هناك، حتى مرت بهم قافلة صغيرة لقريش في طريقها من الطائف إلى مكة، فتقابلت الجماعتان وجها لوجه.

فتشاور المسلمون فيما ينبغي عليهم فعله. كان الرسول قد أرسلهم لاستطلاع الأخبار فقط، ولكنهم قد صاروا وجها لوجه مع عير قريش، وكانت الجماعتان على وشك القتال، وكان طبيعيا أن يخاف المسلمون أن قافلة قريش قد رأتهم وأن أمر استطلاع الأخبار لن يبقى بعد ذلك سرا.

وكان هنالك إشكال آخر، وهو أن بعض المسلمين كانوا يرون أنها الأيام الأخيرة من شهر رجب وهو من الشهور الحُرُم التي لا ينبغي فيها القتال بحسب عادة العرب، بينما كان بعضهم يرون أن رجب قد انقضى وقد بدأ شعبان. وفي بعض الروايات أن هذه السرية بُعثت في جمادى الثانية، وكانوا يشكون فيما إذا كانوا لا يزالون في جمادى الثانية أم دخلوا في رجب.

والمشكلة الأخرى أن وادي نخلة كان يقع على حدود الحرم تماما، والظاهر أنهم إن لم يقرروا اليوم فإن عير قريش ستدخل غدا في منطقة الحرم، وحرمتها قطعية.

وبعد التفكير في هذه الأمور كلها، قرر المسلمون أخيرا الهجوم على قافلة قريش، وأن يأسروهم أو يقتلوهم. فحملوا عليهم باسم الله، فقتلوا مِنهم عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين منهم، وهرب الرابع من سوء الحظ، وهكذا لم تسِر خطة المسلمين كما أرادوا.

ثم استولى المسلمون على أموال العير. ولأن أحدا منهم انفلت، وكانوا على يقين أن خبر الاشتباك سيصل إلى مكة فورا، فسارع عبد الله بن جحش وأصحابه في العودة إلى المدينة المنورة بالغنائم.

ثم يقول حضرته: لقد كتب السيد مرغليوث هنا: الواقع أن محمدا () كان قد بعث هذه الكتيبة في الشهر الحرام متعمدا، إذ فكر أن قريشا ستكون غافلة في هذا الشهر، وأن المسلمين سيجدون فرصة سانحة يقينية للاستيلاء على قافلتها بسهولة.

ولكن كل عاقل يدرك أن من المحال أن ترسَل هذه الجماعة الصغيرة إلى مكان بعيد كل هذا البعد من أجل قتال قافلة وسلبها، سيما وكانت قاعدة العدو المركزية قريبة من ذلك المكان جدا.

ثم إن الثابت من التاريخ قطعا أن هذه الجماعة قد بُعثت من أجل استطلاع الأخبار فقط، ولما علم النبي بأن هؤلاء الصحابة قد هجموا على القافلة، استاء استياءً كبيرا. فقد ورد أن هذه الجماعة لما رجعت إلى النبي وأخبرته بالحادث، سخط عليهم سخطا شديدا وقال: «لم أسمح لكم بالقتال في الشهر الحرام»، وأبى أن يأخذ من الغنائم شيئًا.

فندم عبد الله ورفاقه على فعلتهم ندما شديدا، وقالوا إنهم قد صاروا بسخط الله ورسوله من الهالكين. كما أن الصحابة الآخرين لاموهم لوما شديدا، وقالوا لقد فعلتم ما لم تؤمروا به، وقاتلتم في الشهر الحرام، مع أنه لم يؤذن لكم بالقتال أبدا.

ومن ناحية أخرى أثارت قريش الضجة بأن المسلمين قد استحلّوا الشهر الحرام. وكان عمرو بن الحضرمي الذي قُتل منهم أحد زعماء مكة وكان حليفا لعتبة بن ربيعة أحدِ زعمائها، فأججت هذه الواقعة نار غضب قريش، فبدأت في التجهيز للهجوم على المدينة بحماس أكبر، وكانت معركة بدر نتيجة لهذه التجهيزات والحماس والعداء عموما.

باختصار، تكلم كل من الكفار والمسلمين كثيرا فيما حصل في هذه الواقعة، وأخيرًا نزل الوحي القرآني واطمأن المسلمون، وهو قول الله تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ….

أي يسألك الناس عن القتال في الشهر الحرام، فأجبْهم بأن القتال في الشهر الحرام أمر منكر جدا بلا شك، ولكن منْع الناس من دين الله في الشهر الحرام، بل الكفر بالشهر الحرام والمسجد الحرام، أي هتْك قداستهما، ثم إخراج أهل الحرم منه كما تفعلون أيها المشركون، كل هذه الأمور أشد سوءا من القتال في الشهر الحرام، ولا جرم أن إثارة الفتنة في البلاد في الشهر الحرام أشد من القتل الذي يتم درءًا للفتنة، وأيها المسلمون، إن الكفار قد تعامَوا في عدائكم لدرجة أنهم لن يرتدعوا عن قتالكم في أي مكان وفي أي وقت، وسيستمرون في قتالكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ذلك.

فالثابت تاريخيا أن زعماء قريش استمروا في خطتهم الدموية ضد الإسلام في الأشهر الحرم، بل تمادوا في أعمالهم المفسدة مستغلين سفر الناس واجتماعاتهم في الأشهر الحرم، بل كانوا من قلة حيائهم يؤخرون الأشهر الحرم عن موعد حلولها، إيهاما لأنفسهم بالطمأنينة كذبا، وكانوا يسمون هذه العملية النسيء. ثم بعد ذلك فعلَ كفار مكة وحلفاؤهم ما هو أشد من ذلك، حيث إنهم رغم العهود والمواثيق التي قطعوها في صلح الحديبية استلوا السيف في الحرم ضد قبيلة متحالفة مع المسلمين، ولما خرج المسلمون لحمايتها تصدوا لهم بسيوفهم في الحرم.

فهذا الجواب الرباني قد جلب الطمأنينة للمسلمين، كما أن قريشا أيضا هدأت به قليلا، وأرسلت مبعوثين إلى المدينة المنورة للإفراج عن الأسيرين، ولكن سعد بن أبي وقاص وعتبة لم يكونا قد عادا إلى المدينة بعدُ، فتخوف النبي  أنهما إذا وقعا بيد قريش فلن تتركهما حيينِ، فرفض الإفراج عن المحتجزين، في انتظار عودة سعد وعتبة اللذين وصلا إلى المدينة في غضون بضعة أيام، فأُطلق سراح الأسيرين. ولكن واحدًا منهما تأثر بأخلاق رسول الله ﷺ وصدقِ تعاليم الإسلام، بحيث رفض العودة رغم إطلاق سراحه، فأسلم على يد النبي ، واستُشهد في بئر معونة في نهاية المطاف، وكان اسمه الحكم بن كيسان.

فالثابت تاريخيا أن زعماء قريش استمروا في خطتهم الدموية ضد الإسلام في الأشهر الحرم، بل تمادوا في أعمالهم المفسدة مستغلين سفر الناس واجتماعاتهم في الأشهر الحرم، بل كانوا من قلة حيائهم يؤخرون الأشهر الحرم عن موعد حلولها، إيهاما لأنفسهم بالطمأنينة كذبا، وكانوا يسمون هذه العملية النسيء. ثم بعد ذلك فعلَ كفار مكة وحلفاؤهم ما هو أشد من ذلك، حيث إنهم رغم العهود والمواثيق التي قطعوها في صلح الحديبية استلوا السيف في الحرم ضد قبيلة متحالفة مع المسلمين، ولما خرج المسلمون لحمايتها تصدوا لهم بسيوفهم في الحرم.

عبد الله بن جحش وأول راية في الإسلام

انقطع سيف عبد الله بن جحش يوم أحد، فأعطاه عرجونًا (أي غصنًا من النخل)، فعاد في يده سيفًا، فكان سيف عبد الله يسمى بالعرجون منذ ذلك اليوم.

وقال أبو نُعيم: كان عبد الله بن جحش يقسم بالله، ويحب الله كثيرا، وهو أول من رفع الراية في الإسلام.

عن الشعبي قال: أتاني رجلان يتفاخران، رجل من بني عامر، ورجل من بني أسد، والعامري آخذ بيد الأسدي والأسدي يقول: دعني، وهو يقول: والله لا أدعك، فقلت: يا أخا بني عامر دعه، وقلت للأسدي: إنه كان لكم خصال ست لم تكن لأحد من العرب، إنه كانت منكم امرأة خطبها رسول الله فزوجه الله إياها، وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام، زينب بنت جحش، فكانت هذه لقومك، وكان منكم رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض مُقْنِعًا، وهو عكاشة بن محصن، وكانت هذه لقومك، وكان أول لواء عقد في الإسلام لرجل منكم؛ لعبد الله بن جحش، وكانت هذه لقومك، وكان أول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش، وكان أول من بايع بيعة الرضوان، رجل من قومك أتى النبي فقال: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك. فقال: على ماذا؟ قال: على ما في نفسك. قال: وما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة. فبايعه أبو سنان، وكان الناس يجيئون فيقولون: نبايع على بيعة أبي سنان. فكانت هذه لقومك، وكانوا سبع المهاجرين يوم بدر، فكانت هذه لقومك.

وفي رواية أن عبد الله بن جحش قُتل يوم أُحد وكانت زينب بنت خزيمة تحته، ثم تزّوجها رسول الله . مكثت عنده ثمانية أشهر وقيل: ثلاثة أشهر، وتوفيت في آخر ربيع الآخر، صلّى عليها رسول الله ودفنها بالبقيع. وقد سبق ذكر بعض سوانحها من قبل، كما قلت آنفا.

صالح شقران

يقول البعض إن رسول الله ورث شقرانَ وأمَّ أيمن من أبيه وأعتقهما بعد غزوة بدر. وجاء في بعض الروايات، كرواية أحمد بن حنبل، أن صالح شقران كان ممن نالوا شرف غسل النبي بعد وفاته مع ثمانية من أهل البيت. كان صالح شقران وأسامة بن زيد من الصحابة الذين صبوا الماء على النبي عند غسله.

وفي رواية عن ابن عباس، قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله وليس في البيت إلا أهله، عمّه العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه.

فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس بن خولي الأنصاري، أحد بني عوف بن الخزرج -وكان بدريا- علي بن أبي طالب، فقال: يا علي نناشدك الله وحظنا من رسول الله : فقال له علي: ادخل. فدخل فحضر غسل رسول الله . فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء، وجعل علي يغسله.

صالح شقران ورواية الصلاة على المطية

قال العلامة البلاذري إن عمر أرسل عبد الرحمن بن شقران إلى أبي موسى الأشعري وكتب إليه إني مرسل إليك رجلا صالحا، عبد الرحمن بن صالح شقران الذي كان عبدا وأعتقه النبي . فعامِله بحق مكانة أبيه عند رسول الله . وقد ذكر العلامة البلاذري أن صالح شقران سكن في المدينة وكان له بيت في البصرة أيضا وتوفي في عهد عمر .

إن آخر فرد من عائلته توفي في عهد هارون الرشيد. كان أحد أفراد عائلته يسكن في البصرة. قال مصعب إنه لا يعلم هل بقي نسله بعده أم لا. عن شقران مولى رسول الله قال: «رأيته -يعني النبي – متوجها إلى خيبر على حمار يصلي عليه يومئ إيماء». فمن هنا اتضحت أيضا مسألة الصلاة على المطية.

مالك بن الدخشم، والشهادة للمسلم بالإيمان

وهناك صحابي آخر اسمه مالك بن الدخشم، وبقي شيء من ذكر سوانحه، وسأذكره هنا. فقد ورد بشأن تسميته أن اسمه مالك بن الدخشم، وقيل مالك بن الدخيشم أيضا. وقيل: مالك بن الدخشم بن مرضحة، وقيل: مالك بن الدخشم بن مالك بن الدخشم بن مرضخة. واسم أمّه: عميرة بنت سعد. تزوج مالكٌ جميلةَ بنت أبي بن سلول، فكانت أخت رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول. وقال مالك عن أَسْر سهيل بن عمرو:

أَسَرْت سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي

أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمْ

.

وَخِنْدِفُ تَعْلَمُ أَنّ الْفَتَى

فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظَّلَمْ

..

ضَرَبْت بِذِي الشّفْرِ حَتّى انْثَنَى

وَأَكْرَهْت نَفْسِي عَلَى ذِي الْعَلَمْ

جاء في أسد الغابة عن أسرى بدر: روى أَبُو صالح، عن ابن عباس، قال: قال أَبُو اليسر، ومالك بْن الدخشم العوفي، وطارق بْن عبيد بْن مسعود الأنصاري: يا رَسُول اللَّهِ، إنك قلت: من جاء بأسير فله كذا وكذا، ومن قتل قتيلًا فله كذا وكذا، وقد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين؟ فقال سعد بْن معاذ: يا رَسُول اللَّهِ، ما منعنا أن نفعل كما فعل هؤلاء إلا أنا كنا ردءًا للمسلمين من ورائهم أن يصاب منهم عورة، الغنائم قليل والناس كثير، فمتى تعطهم الذي نفلتهم يبقى الناس لا شيء لهم، وتراجعوا الكلام، فنزلت:

يَسْأَلُونَكَ عن الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.

قالوا: ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد بن أبي زهير يوم أُحد، وبه ثلاثة عشر جرحًا، كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال مالك: أما علمت أن محمدًا قد قُتل؟ قال خارجة: فإن كان قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقد بلَّغ محمد، فقاتل عن دينك!

وفي رواية أنه حين انتشرت شائعة مقتل رسول الله ومرّ مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد وعلى صدره اثنا عشر جرحًا، كلها قد خلص إلى مقتلٍ، فقال: علمت أن محمدًا قد قتل؟ قال سعد بن الربيع: أشهد أن محمدًا قد بلَّغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك، فإن الله حي لا يموت!

وفي رواية أن بعض الناس قالوا لرسول الله إنه، أي مالك بن الدخشم، في رهط المنافقين. فقال : ألا يصلّي؟ قالوا: يصليّ يا رسول الله ولكنها صلاة لا خير فيها. فقال مرتين: قد مُنعت من قتل المصلين. (وفي ذلك درس للمسلمين المعاصرين)

وفي رواية أن النبي أرسل معن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي مع مالك بن الدخشم لهدم مسجد الضرار. وقد ورد عن مالك أن نسله انقطع بعده.

عكاشة بن محصن

ثم هناك ذكر وجيز لعكاشة بن محصن: كان اسمه عكاشة بن محصن بن حرسان، وكنيته أبو محصن. وقُتل في عام 12 من الهجرة في عهد سيدنا أبي بكر . قال الإمام الشعبي عن عكاشة أنه كان هناك رجل يمشي على الأرض بتواضع وكان اسمه عكاشة بن محصن. في العام الثاني من الهجرة أرسل رسول الله عبد الله بن جحش في مهمة وفيها عكاشة بن محصن أيضا.

جاء في السيرة الحلبية: ما زال يرمي يوم أُحد عن قوسه حتى تقطع وتره وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له. فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال: مده يبلغ. قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وطويت منه لفتين أو ثلاثا على سية القوس.

في رواية أن في عام 6 من الهجرة أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله من غطفان فاستلحموا لقاح النبي بالغابة وكان فيها رجل من بنى غفار وامرأته فقتلوا الرجل وحملوا المرأة. ونذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غدا يريد الغابة ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ونادى قومه للمساعدة. ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل …فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربًا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى. لما بلغ رسول الله الخبرُ أعلن بالمدينة بالخطر، فترامت الخيول إلى رسول الله وكان منهم عكاشة بن محصن وغيرهم.

وَأَدْرَكَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ فَانْتَظَمَهُمَا بِالرّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا، وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ اللّقَاحِ.

الذكر التالي هو لخارجة بن زيد ، الذي كان يُكنى بأبي زيد. جاء في رواية أن خارجة بن زيد ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما سألا علماء اليهود عن بعض الأمور الواردة في التوراة، فرفضوا الرد عليها، فأنزل الله تعالى آية:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ..

زياد بن لبيد والنبوءة عن أوان ذهاب العلم

ثم هناك ذكر زياد بن لبيد . كانت كنيته: أبو عبد الله. وكان من الخزرج، قبيلة الأنصار بن بياضة بن عامر. كان نسله يسكن في المدينة وبغداد. عن الضحاك بن النعمان بن سعد أن مسروق بن وائل قدم على رسول الله المدينة بالعقيق. (العقيق يُطلق على كثير من الوديان والمعادن وأماكن أخرى. أشهر الوديان هي العقيق، التي تقع غرب المدينة. في زمن النبي كان الطريق من مكة إلى المدينة يمر بوادي العقيق ويصل إلى ذي الحليفة، وهذا الطريق ما زال موجودا) يتابع الراوي: فأسلم وحسن إسلامه، ثم قال: يا رسول الله إني أحب أن تبعث إلى قومي فتدعوهم إلى الإسلام فأرسل رسول الله إليهم زياد بن لبيد . مات زياد في عام 41 من الهجرة في عهد معاوية.

يقول الطبراني: مكث زياد في الكوفة، ويقول مسلم وابن حبان إنه عاش في الشام. يقول ابن حبان أنه كان من الفقهاء ومن الصحابة.

عن زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي شيئا، قال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم». قال: قلنا: يا رسول الله فكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟

قال: ثكلتْك أمك إن كنت أراك من أفقه رجال المدينة أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون مما فيهما شيئا.

سوف يُرفع العلم وسوف يقرأ المسلمون القرآن ولن يعملوا به، وهذا ما نلاحظه اليوم.

وهناك رواية عن يزيد بن عبد الله بن قسيد أن سيدنا أبا بكر بعث عكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة مسلم لنجدة سيدنا زياد بن لبيد وسيدنا مهاجر بن أمية بن أبي أمية، فوصلوا إلى الجيش حين كان قد فتحَ منطقة نجير في اليمن، فأعطاهم سيدُنا زياد بن لبيد نصيبا من الغنائم، فكان الركب قد وصل بعد الفتح.

يقول الإمام الشافعي كان سيدنا زياد قد كتب إلى سيدنا أبي بكر بخصوص ذلك فكتب إليه حضرتُه في الجواب أن في الغنائم حقًّا للذي اشترك في القتال، وهو لا يرى عكرمة مستحقا للغنائم لأنه لم يكن شريكا في الحرب، حين تشاور سيدُنا زياد وأصحابه في ذلك رضُوا بطيب خاطر بأن يُشركوا عكرمة وجيشه في الغنائم.

خالد بن البكير

الآن أتناول ذكر سيدنا خالد بن البكير بن عبد ياليل وكان من بني سعد الحليفة لبني عدي. يقول ابن إسحاق لا نعرف أربعة إخوان شاركوا بدرا سوى إياس وإخوته عاقل وخالد وعامر، فهم شهدوا بدرا وهاجروا معا إلى المدينة وأقاموا فيها عند رفاعة بن عبد المنذر.

يقول ابن إسحاق إن رجالا من قبيلتَي عضل والقارة جاؤوا إلى النبي بعد غزوة أُحد، وقالوا يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ فِينَا إسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِك يُفَقّهُونَنَا فِي الدّينِ وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ نَفَرًا سِتّةً مِنْ أَصْحَابِهِ تحت إمارة مَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَدٍ وكان منهم خالد بن البكير. لكنهم قَتلوا هؤلاء الصحابةَ خدعةً.

عمار بن ياسر، وشيء من التاريخ، ثم رواية التيمم

وبعده ذكرُ عمار بن ياسر، وكان يكنى بأبي يقظان. كتب عنه سيدنا المصلح الموعود مستمِدًّا من شتى كتب التاريخ أن رسول الله مر ذات يوم من عبد اسمه عمار وكان يتنهد ويكفكف دموعه فسأله النبي ما بك يا عمار؟ فقال: يا رسول بئس ما حصل معي، فقد ظل الأعداء يضربونني ويؤذونني ولم يتركوني حتى يستصدروا مني كلاما ضدك وتأييدا للآلهة. فسأله النبي ما الذي كنت تشعر في قلبك؟ فقال عمار كان في قلبي إيمان لا يتزلزل، وصحيح أني تكلمت بلساني ضدك لكن قلبي كان عامرا بالإيمان. فقال النبي : إذا كان قلبك مطمئنا بالإيمان فسوف يغفر الله زلتك. أما هجرته إلى الحبشة ففيها اختلاف إذ يظن البعض أنه كان ممن هاجروا إلى الحبشة ثانية.

يقول سيدنا المصلح الموعود عن الفتنة في عهد سيدنا عثمان أنه حين تفاقمت هذه الفتنة وبدأ الصحابة أيضا يتلقون الرسائل من الناقمين على الولاة، قالوا معا لسيدنا عثمان ألا تعرف ماذا يجري في الخارج؟ فقال إن التقارير التي تصلني تفيد بأن كل شيء على ما يرام. فقال الصحابة إنهم يتلقون الرسائل بهذا الموضوع من الخارج لذا يجب التحقيق، فاستشارهم كيف يمكن التحقيق، ثم بحسب رأيهم بعث أسامةَ بن زيد إلى البصرة ومحمدَ بن مسلمة إلى الكوفة وعبدَ الله بن عمر إلى الشام وعمارَ بن ياسر إلى مصر، وأمرهم بأن يتقصوا الحقائق هناك ويُرسلوا تقاريرهم التي يتبين منها ما إذا كان الولاة فعلا يظلمون الرعية ويعتدون عليهم ويغصبون حقوقهم أم لا. وإضافة إلى هؤلاء الأربعة بعث رجالا آخرين أيضا إلى بعض الأمصار، لاستطلاع الأمور. فذهب هؤلاء كلهم وبعد العودة بعد التحقيق رفعوا التقرير أن في كل مكان يسود الأمن والسلام ويعيش المسلمون بكل حرية ولا أحد يهضم حقوقهم، وأن الولاة يعملون بعدل وإنصاف، أما عمار بن ياسر فتأخر ولم يرد منه أي خبر، حتى ظن الناس في المدينة أنه قد اغتيل. ولكن الحقيقة أنه بسبب بساطته وعدم خبرته في السياسة وقع في شراك المفسدين الذين كانوا تلاميذ عبد الله بن سبأ. ولما كان عبد الله ابن سبأ موجودا بنفسه في مصر فلم يغفل أن الوفد القادم للتحقيق إذا أصدر قراره بوجود الأمن والسلام في البلاد فلا بد أن يهبّ الناس لمعارضته وأشياعِه. علما أن إرسال عثمان الوفد المذكور كان قرارا مفاجئا فلم يجد ابنُ سبأ فرصة للقيام بإجراءات تخدم هدفه في مناطق أخرى. أما في مصر فكان القيام بهذه الإجراءات سهلا؛ فحين دخلها عمارُ بن ياسر استقبله ابنُ سبأ وشرع يذكر أمامه عيوب والي مصر عمرو بنِ العاص ومظالـمَه على حد زعمه. فلم يسلم عمار من سحر لسانه الذرب، فقد تكلم مع عمار بحيث انطلى عليه كلامه الساحر، إذ كان متكلما بليغا، وبدلا من أن يقوم عمارٌ بتحقيق حيادي لم يقابل والي مصر ولم يقم بتحقيق عام أيضا بل توجَّه مع حزب المفسدين وأثار الاعتراضات مثلهم.

إذا كان أحد من الصحابة قد وقع في شراك المفسدين فعلا فهو عمار بن ياسر فقط، ولم يقع في الفتنة أي صحابي معروف غيره. وإذا ورد في رواية مثلا أن أحدهم (علاوة على عمار) وقعَ في هذا الشراك فقد برّأت ساحتَه رواياتٌ أخرى. أما وقوع عمار في شراكهم والانخداع بخديعتهم فكان لسبب معين – فلم يكن فيه نفاق والعياذ بالله – وهو أنه حين وصل مصر قابلتْه جماعةٌ من الذين كانوا يَبدون مخلصين في الظاهر ولكنهم في الحقيقة كانوا محتالين وذوي لسان ذرب فذكروا عيوب والي مصر أمامه بشطارة متناهية. وكان والي مصر بالمصادفة من ألدّ أعداء النبي في سابق عهده حتى أن النبي كان قد أمر عند فتح مكة بقتله وإن وُجد في الكعبة. ومع أن النبي كان قد عفا عنه لاحقا ولكن ذكريات عداوته السابقة للنبي كانت موجودة في أذهان بعض الصحابة بمن فيهم عمار بن ياسر أيضا. فكان طبيعيا أن يتأثر عمار سريعا بما أشاع عنه المفسدون، وقبِل صحة التهم الموجَّهة إليه. والأمور التي كان يركز عليها عبد الله بن سبأ ومَن معه مستغلين هذا الشعور الطبيعي عند عمار قبِلها عمارٌ وانضم إليهم.

لكنه قد ورد أيضا أن سيدنا عمارا خاطب الناس يوم صفين وقال لهم أين الذين يريدون رضوان الله ويزهدون في المال والأولاد؟ فاجتمع حوله جماعة من الناس، فقال لهم سيدنا عمار: أيها الناس انطلقوا معنا إلى الذين يطلبون ثأر دم عثمان بن عفان، الذين يزعمون أن عثمان قُتل ظلما، فوالله هم لا يطلبون ثأر عثمان بل قد تذوقوا طعم الدنيا. فكان قد أدرك أن المفسدين يثيرون الفتن، وقال إنهم يحبون الدنيا ويلهفون وراءها، فقد علموا أن الحق لصق بهم وأنه سيحول بينهم وبين الأمور المادية، وليس لهؤلاء سبقٌ في الإسلام حتى يستحقوا طاعة الناس وإمارتهم، فهم ليسوا سباقين في الإسلام حتى يُجعلوا أمراء إنما هم يريدون الفتنة. فهم قد خدعوا أتباعهم بقولهم إن إمامهم قُتل ظلمًا وذلك لكي يصبحوا هم الجبابرةُ ملوكًا، وبهذه المكيدة قد وصلوا إلى حيث ترونهم، فلو لم يطلبوا قصاص عثمان لما تبعهم اثنان من الناس. ثم قال: اللهم انصرنا الآن كما نصرتَنا في مواقع كثيرة، وإذا وفَّقتَهم في مراميهم فقدِّر لهم عذابا أليما لأنهم أحدثوا أمورا في عبادك.

وعن محمد بن عمرو وغيره أنه لما استلحم القتال بصفين، وكادوا يتفانون قال معاوية: هذا يوم تفانى فيه العرب إلا أن تدركهم فيه خفة العبد يعني عمار بن ياسر، أي أن يُستشهد عمار، وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن. فلما كان اليوم الثالث قال عمار لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ومعه اللواء يومئذٍ: احمل فداك أبي وأمي، فقال هاشم: يا عمار، رحمك الله، إنك رجل تستخفّك الحرب، وإني إنما أزحف باللواء زحفًا رجاء أن أبلغ بذلك بعض ما أريد، وإني إن خففت لم آمن الهلكة، فلم يزل به حتى حمل، فنهض عمار في كتيبته، فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته، فاقتتلوا فقتلا جميعًا، واستؤصلت الكتيبتان، وحمل على عمار حويّ السكسكي وأبو الغادية المزني، فقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف إلينا في كتيبته، ودلفنا إليه نادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من السكاسك (وهي قبيلة في اليمن) فاضطربا بسيفيهما فقتل عمارٌ السكسكي ثم نادى: من يبارز؟ فبرز إليه رجل من حمير (وهي أيضا قبيلة في اليمن) فاضطربا بسيفيهما فقتل عمارٌ الحميري، وأثخنه الحميري، ونادى: من يبارز؟ فبرزتُ إليه، فاختلفنا ضربتين، وقد كانت يده ضعفت، فانتحيت عليه بضربة أخرى، فسقط، فضربتُه بسيفي حتى برد.

يقول الراوي قال عليٌّ حين قُتل عمار: إن امرأ من المسلمين لم يعْظُم عليه قتلُ ابن ياسر وتدخ عليه المصيبة الموجعة لَغير رشيد، رحم الله عمارًا يوم أسلم، ورحم الله عمارًا يوم لم يكن يُذكر أربعة من أصحاب رسول الله إلا كان رابعًا، ولا خمسة إلا كان خامسًا، وكان من قدماء أصحاب رسول الله ولم يكن أحدهم أو اثنان يشكّان أن عمارًا قد وجبتْ له الجنة في غير موطن. فهنيئًا لعمار بالجنة. ولقد قيل: إن عمارًا مع الحق، والحق معه يدور، عمار مع الحق أينما دار، وقاتلُ عمار في النار.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ (أي تيممت لعدم وجود الماء) فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ النَّبِيُّ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.قَالَ أَبُو وَائِل: خَطَبنَا سيدنا عمار فأوجز وأبلغ فَلَمَّا نزل من المنبر قلنا له: يَا أَبَا الْيَقظَان، لقد أبلغتَ وأوجزت، فَلَو كنت تنفست، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول: «إِن طول صَلَاة الرجل وَقصر خطبَته مئنَّة من فقهه، فأطيلوا الصَّلَاة، واقصروا الْخطْبَة، فَإِن من الْبَيَان سحرًا»عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ أَوْ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ أَتُخَلِّلُ لِحْيَتَكَ قَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَقَالَ أَغْرِبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ .

فهذا ذكر بعض الصحابة، وما تبقَّى منهم فسأتناولهم في المستقبل إن شاء الله.

(وعندي خبر محزن أيضا، فقد استُشهد أول أمس تسعة أحمديين في بوركينافاسو، فالحدث مؤسف جدا، إنا لله وإنا إليه راجعون. فقد قُتلوا بدم بارد، فكان امتحانٌ لإيمانهم فثبتوا ونجحوا في هذا الامتحان. فلم يُطلَق عليهم الرصاص عشوائيا، بل قد نودي كل واحد فأُطلق عليه الرصاص، فقد وصلتنا بعض التفاصيل، فسوف أتناول ذكرهم بالتفصيل في الخطبة المقبلة، تغمَّدهم بواسع رحمته ورَفع درجاتهم جميعا. ادعوا لهم، فالإرهابيون الذين أتوا قد هددوا أن الأحمديين إذا فتحوا المسجد فسوف يعاودون الكرة، حفظ الله الأحمديين هناك من شر هؤلاء، على كل حال سوف أذكرهم بالتفصيل في الأسبوع المقبل إن شاء الله.)   

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via