أبو بكر الصديق وتحقق وعد الاستخلاف له بكل لوازمه

أبو بكر الصديق وتحقق وعد الاستخلاف له بكل لوازمه

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • فكيف كانت حال المسلمين والخوف الذي أحاط بهم عند استخلاف الصديق؟
  • كيف أمكن له أن يعيد توحيد جزيرة العرب في أشهر معدودة؟
  • كيف أدار جيوشًا أحد عشر انطلقت في وقت واحد لتقضي على الطواغيت؟
  • ما الأسباب الحقيقية التي جعلت أبا بكر الصديق يحارب أهل الردة؟
  • ما هي الدلائل التي تشهد بعبقرية الصديق (رض) العسكرية والجغرافية؟
  • ما هو الرد الشرعي الذي قدمه المقال حول مسألة معاقبة بعض المتمردين بالتحريق؟

____

في الخطبة قبل الماضية كان الحديث جاريا عن الوقائع التي وقعت في عهد سيدنا أبي بكر الصديق ، حيثقُرِئَتْ فيها بعض المقتبسات التي تدل على أن سيدنا أبا بكر الصديق لم يعاقب أهل الردة لمجرد ارتدادهم وإنما بسبب تمردهم ومحاربتهم. وقد عدَّ سيدُنا المسيح الموعود ، الحكمُ العدلُ في هذ العصر، أيضا الردّة الحاصلة في عهد خلافة سيدنا أبي الصديق بغيًا وتمردا، حيث قال وهو يتحدث عن شجاعة سيدنا أبي بكر أب العظيمة:

كان وقت خلافته وقت الخوف والمصائب كما لا يخفى على أهل التحقيق. فإن رسول الله لما تُوفّي نزلت المصائب على الإسلام والمسلمين، وارتد كثير من المنافقين، وتطاولت ألسنة المرتدين، وادعى النبوة نفرٌ من المفترين، واجتمع عليهم كثير من أهل البادية، حتى لحق بمسيلمة قريبٌ من مائة ألف من الجهَلة الفجَرة، وهاجت الفتن وكثرت المحن، وأحاطت البلايا قريبا وبعيدا، وزُلزل المؤمنون زلزالا شديدا. هنالك ابتُلِيتْ كل نفس من الناس، وظهرتْ حالاتٌ مُخوِّفة مدهشةُ الحواسّ، وكان المؤمنون مضطرين كأنّ جَمْرًا أُضرمت في قلوبهم أو ذُبحوا بالسكّين. وكانوا يبكون تارةً مِن فراق خير البرية ()، وأخرى مِن فتن ظهرت كالنيران المحرقة، ولم يكن أثرًا من أمنٍ، وغلبت المفتتنون كخضراءِ الدِّمن فزاد المؤمنون خوفًا وفزعًا، ومُلئت القلوب دهشةً وجزعا. ففي ذلك الأوان جُعِل أبو بكر –– حاكِمَ الزمانِ وخليفةَ خاتمِ النبيين. فغلب عليه همٌّ وغمٌّ من أطوار رآها، ومن آثارٍ شاهدها في المنافقين والكافرين والمرتدين، وكان يبكي كمرابيع الربيع، وتجري عبراته كالينابيع، ويسأل اللهَ خيرَ الإسلام والمسلمين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جُعل أبي خليفةً وفوّض الله إليه الإمارةَ، فرأى بمجرد الاستخلاف تموُّجَ الفتن مِن كل الأطراف، ومَوْرَ المتنبئين الكاذبين، وبغاوةَ المرتدين المنافقين، فصُبّتْ عليه مصائبُ لو صُبّتْ على الجبال لانهدّتْ وسقطت وانكسرت في الحال. ولكنه أُعطيَ صبرًا كالمرسلين.(1)

يقول المسيح الموعود :

حتى جاء نصر الله وقُتل المتنبئون وأُهلك المرتدون، وأُزيل الفتن ودفُع المحن، وقُضي الأمر واستقام أمر الخلافة، ونجّى الله المؤمنين من الآفة، وبدّل من بعد خوفهم أمنا، ومكّن لهم دينهم وأقام على الحق زمنًا، وسوّدَ وجوه المفسدين، وأنجز وعده ونصر عبده الصدّيقَ، وأباد الطواغيت والغرانيق، وألقى الرعب في قلوب الكفار، فانهزموا ورجعوا وتابوا، وكان هذا وعد من الله القهار، وهو أصدق الصادقين.(2)

 يقول :

فانظرْ كيف تمَّ وعدُ الخلافة مع جميع لوازمه وأماراته في الصدّيق، وادْعُ الله أن يشرح صدرك لهذا التحقيق(3).

 يقول المسيح الموعود :

وتدبَّرْ كيف كانت حالة المسلمين في وقت استخلافه، وقد كان الإسلام من المصائب كالحريق، ثم ردّ الله الكرّةَ على الإسلام وأخرجه من البِير العميق، وقُتِل المتنبئون بأشدّ الآلام، وأُهلكَ المرتدون كالأنعام، وآمنَ الله المؤمنين من خوفٍ كانوا فيه كالميّتينِ. وكان المؤمنون يستبشرون بعد رفع هذا العذاب، ويهنّئون الصدّيق ويتلقونه بالترحاب، ويحمدونه ويدْعون له من حضرة رب الأرباب، وبادروا إلى تعظيمه وآداب تكريمه، وأدخلوا حُبَّه في تامورهم، واقتدوا به في جميع أمورهم، وكانوا له شاكرين.  وصقلوا خواطرهم، وسقوا نواضرهم، وزادوا حُبًّا، ووَدُّوا وطاوعوه جهدًا وجِدًّا، وكانوا يحسبونه مباركًا ومؤيّدًا كالنّبيين. وكان هذا كلّه من صدق الصدّيقِ واليقينِ العميق(4) .

عند نشوب فتنة الارتداد والتمرد بعث حضرة أبي بكر الصديق البعوث للقضاء عليها. وكما ذكرنا سابقًا، ارتدت كل العرب تقريبًا بعد وفاة الرسول الكريم . كانت فئة منهم رفضوا دفع الزكاة فقط، وقد سبق ذكر الإجراءات التي اتخذها سيدنا أبو بكر ضدهم. ونذكر الآن فئة أخرى لم ترتد عن الإسلام فحسب، بل تمردت وبغت أيضًا وكانت تقتل المسلمين، فعزم أبوبكر على معاقبتهم بعد ذلك.

فلقد ورد في البداية والنهاية: بعدما جم جيش أسامة واستراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الإسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، (التي تبعد عن المدينة مسافة ليلة ونهار، بحسب وسائل السفر في ذلك الزمن) كان من بين الصحابة علي بن أبي طالب الذي كان يطالبه بإصرار أن يرجع إلى المدينة ويُرسل جريئا آخر مكانه للحرب. قالت عائشة رضي الله عنها: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته، أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لِـمَ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فرجع أبو بكر وأرسل الجيش(5).

لما أراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواء: عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد؛ فإذا فرغ سار إلى إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له، (كان جميع هؤلاء مرتدين ومحاربين) (والبطاح ينبوع في منطقة بني أسد) وعقد لواء لعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وعقد لواء ثالثا للمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم، (الأبناء قوم من الفرس الذين أقاموا في اليمن وتزوجوا في العرب) ثم يمضي إلى كندة بحضرموت، (وحضرموت منطقة في اليمن). وعقد اللواء الرابع لخالد بن سعيد بن العاص وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشأم، والخامس لعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث، والسادس لحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا (وهي سوق العرب في عُمان المدينة الشهيرة والقديمة) والسابع لعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة؛ (مهرة اسم لمنطقة في اليمن) وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما في عمله على صاحبه، وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة، وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة، وعقد اللواء التاسع لطريفة بن حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن، والعاشر لسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن، والحادي عشر للعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين. فانطلق الجميع من ذي القصة إلى أهدافهم. وأمر أبو بكر كل أمير جند باستنفار من مرّ به من المسلمين التابعين من أهل القرى التي يمر بها.

فقد كان الجهاز العسكري لدولة الصديق متفوقًا على كل القوى العسكرية في الجزيرة، وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد، صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة، والفتوحات الإسلامية. كان هذا التوزيع للجيوش وفق خطة استراتيجية هامة مفادها، أن المرتدين لازالوا متفرقين كلٌّ في بلده

أبو بكر قائدا محنَّكًا

كتب أحد الكُتَّاب وهو يتحدث عن تقسيم أبي بكر هذا: اتُّخِذت قرية «ذي القصة» مركز انطلاق أو قاعدة تحرك للجيوش المنظمة التي ستقوم بالتحرك إلى مواطن الردة للقضاء عليها، وتنبئ خطة الصديق عن عبقرية فذة، وخبرة جغرافية دقيقة، ومن خلال تقسيم الألوية وتحديد المواقع يتضح أن الصديق كان جغرافيًّا دقيقًا خبيرًا بالتضاريس، والتجمعات البشرية، وخطوط مواصلات جزيرة العرب، فكأن الجزيرة العربية صوّرت مجسما واضحا نصب عينيه في غرفة عمليات مجهزة بأحدث وسائل التقنية، فمن يتمعَّن في تسيير الجيوش ووجهة كلِّ منها، واجتماعها بعد تفرُّقها، وتفرقها لتجتمع ثانية، يرى تغطية سليمة رائعة صحيحة مثالية لجميع أرجاء الجزيرة، مع دقة في الاتصال مع هذه الجيوش، فأبو بكر في كل ساعة يعلم أين مواقع الجيوش ويعلم دقائق أمورها وتحركاتها، وماحققت، وماعليها في غد من واجبات، والمراسلات دقيقة وسريعة، تنقل أخبار الجبهات إلى مقرِّ القيادة في المدينة حيث الصديق وكان على صلة مستمرة مع جيوشه كلها، وبرز من المراسلين العسكريين مابين الجبهات وبين مقرِّ القيادة: أبو خيثمة النَّجَّاري الأنصاري، وسلمة بن سلامة، وأبو برزة الأسلمي، وسلمة بن وقش. وكانت الجيوش التي بعثها الصديق متماسكة وهي إحدى إنجازات الدولة الهامة، إذ جمعت تلك الجيوش بين مهارة القيادة وبراعة التنظيم، فضلًا عن الخبرة في القتال صهرتها الأعمال العسكرية في حركة السرايا والغزوات التي تعدَّى بعضها شبه الجزيرة في زمن النبي ،  فقد كان الجهاز العسكري لدولة الصديق متفوقًا على كل القوى العسكرية في الجزيرة، وكان القائد العام لهذه الجيوش سيف الله المسلول خالد بن الوليد، صاحب العبقرية الفذة في حروب الردة، والفتوحات الإسلامية. كان هذا التوزيع للجيوش وفق خطة استراتيجية هامة مفادها، أن المرتدين لازالوا متفرقين كلٌّ في بلده ولم يحصل منهم تحزب ضد المسلمين بالنسبة للقبائل الكبيرة المتباعدة في المكان أولاً، لأن الوقت لم يكن كافيًا للقيام بعمل كهذا حيث لم يمض على ارتدادهم إلا ما يقرب من ثلاثة أشهر. وثانيًا لأنهم لم يدركوا خطر المسلمين عليهم وأنهم باستطاعتهم أن يكتسحوهم جميعًا في شهور معدودة، ولذلك أراد الصديق أن يعاجلهم بضربات مفاجئة تقضي على شوكتهم وقوتهم قبل أن يجتمعوا في نصرة باطلهم. فعالجهم قبل استفحال فتنتهم ولم يترك لهم فرصة يطلّون منها برؤوسهم، ويمدون ألسنتهم يلذعون بها الجسم الإسلامي.

ويقول المؤلف في بيان أمور مختلفة قام بها أبو بكر مثل تعيين القادة وغيرها:

ويمكننا من خلال الدراسة أن نستخلص الخطة العامة بعد أن عقد الصديق الألوية لقادة الجيوش والتي تتلخص في النقاط الآتية:

أ. ضمنت الخطة إحكام التعاون بين هذه الجيوش جميعها بحيث لا تعمل كأنها منفصلة تحت قيادة مستقلة، وإنما هي رغم تباعد المكان جهاز واحد، وقد تلتقي -أو يلتقي بعضها ببعض- لتفترق، ثم تفترق لتلتقي، كان ذلك والخليفة بالمدينة يدير حركة القتال ومعاركه.

ب. احتفظ الصديق بقوة تحمي المدينة -عاصمة الخلافة- واحتفظ بعدد من كبار الصحابة ليستشيرهم، وليشاركوه في توجيه سياسة الدولة.

ج. أدرك الصديق أن هناك جيوشًا من المسلمين داخل المناطق التي شملتها حركة العصيان والردة، وقد حرص على هؤلاء المسلمين من أن يتعرضوا لنقمة المشركين، ولذلك فإنه أمر قادته باستنفار من يمرون بهم من أهل القوة من المسلمين من جهة، وبضرورة تخلف بعضهم لمنع بلادهم وحمايتها من جهة أخرى.

د- طبق الخليفة مبدأ “الحرب خدعة” مع المرتدين، حتى أظهر أن الجيوش تنوي شيئًا وهي في حقيقة الأمر كانت تستهدف شيئًا آخر، زيادةً في الحيطة والحذر من اكتشاف خطته. وبذلك تتبين براعته السياسية في القيادة، وخبرتُه العلمية ورسوخُ علمه ونصرةُ الله تعالى والفتحُ.

وبهذه المناسبة كتب سيدنا أبو بكر أمرَينِ، أمرا موجَّها إلى قبائل العرب وأمرًا لإرشاد قادة الجيش. ويقول أحد المؤلفين بهذا الشأن:

بعد التنظيم الدقيق، وحسن الإعداد للجيوش الإسلامية التي عقد لها الصديق الألوية، نجد الدعوة البيانية القولية تطل لتقوم بدورها، وتدلي بدلوها، فقد حرر الصديق كتابًا عامًا ذا مضمون محدد سعى إلى نشره على أوسع نطاق ممكن في أوساط من ثبتوا على الإسلام ومن ارتدوا عنه جميعًا قبل تسيير قواته لمحاربة الردة. وبعث رجالاً إلى محل القبائل وأمرهم بقراءة كتابه في كل مجمع وناشد من يصله مضمون الكتاب بتبليغه لمن لم يصل إليه وحدد الجمهور المخاطب به بأنه: العامة والخاصة، من أقام على إسلامه أو رجع عنه. (6)

لقد أورد الطبري رسالة أبي بكر الموجهة إلى قبائل العرب بتفاصيل أكثر من غيره، وقد ذكر سيدنا المسيح الموعود أيضا هذه الرسالة في كتابه «سر الخلافة» فقال:

ولنكتب هنا كتابا كتبه الصدّيق إلى قبائل العرب المرتدة ليزيد المطّلعون عليه إيمانا وبصيرة بصلابة الصدّيق في ترويج شعائر الله والذبِّ عن جميع ما سَنَّه رسول الله . ثم نقل تلك الرسالة وهي كما يلي:

«بسم الله الرحمن الرحيم

مِن أبي بكر خليفة رسول الله إلى من بلغه كتابي هذا من عامّة وخاصّة، أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم اللهَ الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقرّ بما جاء به، ونُكفّر مَن أبى ونجاهده.أمّا بعد، فإن الله تعالى أرسل محمدا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيًّا ويحِقَّ القول على الكافرين. فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا وكرها.ثم توفي رسول الله وقد نفذ لأمر الله ونصح لأُمّته وقضى الذي كان عليه. وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ وقال للمؤمنين: وَمَا مُحَمّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ فمَن كان إنما يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله له بالمرصاد. حيٌّ قيّومٌ، لا يموت، ولا تأخذه سِنَة ولا نوم، حافظٌ لأمره، منتقم مِن عدوّه يجزيه.وإني أوصيكم بتقوى الله وحظّكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيّكم وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضالٌّ، وكل من لم يُعافِه لَـمُبتلًى، وكل من لم يُعِنْه مخذول. فمن هداه الله كان مهتديا، ومن أضلّه كان ضالا، قال الله تعالى: مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدَا ولم يُقبَل منه في الدنيا عمل حتى يقرّ به، ولم يُقبَل منه في الآخرة صرف ولا عدل.

وقد بلغني رجوعُ مَن رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمِل به اغترارًا بالله وجهالةً بأمره وإجابةً للشيطان. قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظالِمِينَ بَدَلاً[، وقال: إِن الشيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتّخِذَوهُ عَدُوًّا إِنّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ وإني بعثتُ إليكم فلانا من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرتُه أن لا يُقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفَّ وعمل صالحًا قَبِلَ منه وأعانه عليه، ومن أبَى أمرتُ أن يُقاتله على ذلك، ثم لا يُبقي على أحد منهم قدِر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل مِن أحد إلا الإسلام. فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يُعجِز اللهَ. وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم. والداعية الأذان، وإذا أذّن المسلمون فأذّنوا، كُفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجِلوهم، وإذا أذّنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجِلوهم وإن أقرّوا قُبِلَ منهم.

باختصار، لماذا شُنت عليهم الحرب ولماذا عوملوا كلهم هذه المعاملة، لأنهم كانوا محاربين وكانوا يفرضون الحرب على المسلمين، ولم يكونوا يقاتلونهم فحسب بل كانوا يعتدون عليهم وكانوا يظلمون المسلمين العزَّل المقيمين في مناطقهم.

رسائل الصديق  إلى قادة الجيوش

الرسالة الثانية التي أرسلها سيدنا أبو بكر إلى قادة الجيش كلهم الذين كان عددهم أحد عشر قائدا، وقد مر ذكرهم، هي:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا عهد من أبى بكر خليفة رسول الله لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الاسلام (وكتب على الرسالة اسم القائد) وعهِد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله سره وعلانيته وأمَرَه بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الاسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الاسلام فان أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له. ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا ينظرهم (أي لا يمهلهم حتى يستعدوا للحرب فيهاجموا المسلمين) ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، (أي إذا ظنّ المسلمون أن هؤلاء لن يرتدعوا عن القتال فلا تمنعوا المسلمين من قتالهم، كان هذا الأمر موجهًا إلى زعماء هذه المنطقة الذين كانوا أدرى بأوضاعها) فمن أجاب إلى أمر الله وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان، وحيث بلغ مراغمة، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه الا الاسلام، فمن أجابه وأقر قَبِل منه وعَلّمه، (أي من ارتدّوا بعد إسلامهم ثم أخذوا يحاربون المسلمين خلاف تعاليم الإسلام، فعليكم أن تعلّموهم ما هو الإسلام وما هي حقيقته، وأخبروهم أنه لا يجوز لهم محاربة الحكومة الإسلامية بعد إسلامهم) ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه، وإن يمنع أصحابه العجلة والفساد وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم، لا يكونوا عيونا (أي يجب أن يتحرى الأمر جيدًا حتى لا يدخل في صفوف المسلمين من يكونوا عيونًا للأعداء) ولئلا يوتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل يتفقدهم؛ ولا يعجّل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول.»

القول في قتل بعض المتمردين حرقا

لقد ذُكرتْ هنا بعض الأمور التي تحتاج إلى التوضيح إلا أنه لم يرد هنا توضيحها مما قد يؤدي إلى نشوء فكرة خاطئة عن الإسلام. لقد شرحت في خطبة ماضية أن هؤلاء المرتدين كانوا محاربين كلهم، فلم يحاربوا فحسب بل ظلموا المسلمين القاطنين في مناطقهم، فقتلوهم وحرّقوا عليهم بيوتهم، فقال عنهم أبو بكر بأنه سينتقم منهم حتمًا وسيعاقبهم بالطريقة نفسها -كما يتضح من هذه الرسالة التي نقلها المسيح الموعود أيضا- لأنه موافق لقوله تعالى الوارد في القرآن الكريم:

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. (7)

ولقد ذكر هذا الأمر نفسه أحد المؤلفين في كتابه وهو الدكتور علي محمد الصلابي فيقول عن تحريق المرتدين البغاة أنه لا يجوز معاقبة أحد بتحريقه بالنار لقول النبي : إن النار لا يعذب بها إلا الله؛ ولكن أُمر بتحريق هؤلاء الأوغاد لأنهم أهلكوا أهل الإيمان بهذا الطريق، فكان تحريقهم قصاصًا. ولقد ورد في هذا الكتاب نفسه بخصوص رسالة أبي بكر المذكورة:

«إن من يأبى الرجوع إلى صف المسلمين، ويثبت على ردته، إنما هو محارب لابد من شن الغارة عليه: تقتله أو تحرقه.»(8)

لقد قال الله تعالى في القرآن الكريم أيضا

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.،

وإن هؤلاء البغاة -كما ذكرت في خطبة ماضية والآن أيضا- ارتكبوا جريمة تحريق المسلمين وقتلهم(9) بأشنع الطرق، فقد حرّقوهم بالنار وحرّقوا بيوتهم وأهلهم وأولادهم ومثّلوا بهم، فقد أمر أبو بكر الصديق بقتل من اشترك في هذه الجريمة بالطريقة نفسها، وبمعاملتهم كما عاملوا به المسلمين.

على أية حال، سيستمر هذا الذكر في المستقبل أيضا إن شاء الله، إلا أنه قد تكون هناك خطب حول مواضيع أخرى خلال رمضان لذلك قد يتأخر قليلا تناوله، ولكن سأتناول تفاصيل الأمور الأخرى في الخطبة التالية المتعلقة بهذا الموضوع.

الهوامش:

1 –  حضرة مرزا غلام أحمد القادياني u «سر الخلافة»

2 – نفس المرجع السابق

3 – نفس المرجع السابق

4 – نفس المرجع السابق

5 –  ابن كثير، البداية والنهاية

6 – علي الصلابي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق

7 – (الشورى: 41)

8 – علي الصلابي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق

9 – (البقرة:195)

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via