المصلح الموعود ومساعٍ مشكورة للإصلاح الديني والسياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي

المصلح الموعود ومساعٍ مشكورة للإصلاح الديني والسياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • كيف استطاع المصلح الموعود “بفراسته السياسية” التنبؤ بأحداث سياسية عالمية كبرى قبل وقوعها؟
  • ما هي نصائحه التي أذهلت لوردات البرلمان البريطاني؟
  • ما هو “المبدأ الذهبي” الذي وضعه لجمع كلمة الفرق الإسلامية المتناحرة سياسياً رغم فتاوى التكفير المتبادلة؟

____

* العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية من إضافة أسرة «التقوى»

بعد التشهد وتلاوة سورة الفاتحة استهل حضرته الخطبة :

كان أمس هو اليوم العشرون من شباط/فبراير. يُعرف هذا اليوم في الجماعة بيوم النبوءة عن المصلح الموعود. في هذا اليوم أو قريبًا منه تُعقد في فروع الجماعة اجتماعات تتعلق بنبوءة المصلح الموعود. هذه نبوءة طويلة أنبأ بها المسيح الموعود وهي تتحدث عن ولادة ابن ذي سمات خاصة. نُشرت هذه النبوءة في العشرين من فبراير 1886م بصورة إعلان. وجاء في جانب من النبوءة الإلهامية عن صفات الابن ما تعريبه: «سيكون ذهينًا وفهيمًا بشكل خارق… سوف يملأ بالعلوم الظاهرة والباطنة» فبحسب ذلك رزق الله تعالى سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ابنًا مُتحلّيًا بهذه الصفات، اسمه مرزا بشير الدين محمود أحمد، الذي يُدعى أيضًا بالمصلح الموعود. حتى الأطفال الذين لهم حظ من الاطلاع على تاريخ الجماعة، كما يعرفه الكبار بالطبع، هم على دراية تامة بهذه النبوءة، حيث تُعقد اجتماعات للأطفال والخدّام إحياءً لهذه الذكرى في كل مكان. وكما تقول كلمات النبوءة: «سوف يملأ بالعلوم الظاهرة والباطنة»، فتصديقا لذلك نوّر الله تعالى ذكاءه وملأه بالعلوم. أما من الناحية الدنيوية، فلعله لم يحظ سوى بالمرحلة الابتدائية فقط بل لعله لم يتجاوزها. نعم، ذهب إلى المدرسة، لكنه كتب بنفسه وأخبر بأنه لم ينجح في الامتحانات أبدًا. كان ضعيفًا جدًا في تحصيل المقررات الدراسية، لكن الله تعالى أعانه على القيام بأعمال علمية ودينية وإدارية يعجز عن القيام بها كبار المتعلمين، حتى ليبدون كتلاميذ المدارس إزاءه، بل كأطفال صغار. إن فترة خلافته الممتدة على مدى 52 عامًا تكفي دليلا على ذلك.

خطابات ومقالات حضرته ومواضيعها

ألقى حضرته خطابات كثيرة حول مواضيع عالمية مختلفة، وكتب مقالات في العلوم الدينية والقرآنية لا حدود لها، كما ألقى خطابات وكتب مقالات حول مواضيع دنيوية مثل السياسة الوطنية والدولية، وكان ما كتبه حضرته من مقالات وما ألقاه من خطابات ذا مستوى رفيع من الناحية التاريخية أيضا. لقد حلل القضايا الاقتصادية والأنظمة العالمية المختلفة مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية، ونُشر أحد خطاباته لاحقًا كتابًا مطبوعًا بذلك الشأن، وهو موجود ومعروف ضمن أدبيات الجماعة. وفي الأمور العسكرية والشؤون الحربية والمواضيع العلمية والعقلية، بيّن أمورًا علمية ومعرفية يقف العقل البشري مشدوهًا إزاءها. وقد ألقى العديد من الخطابات أمام الأغيار، فما كان منهم إلا أن يمدحوا عمق معارفها. وهذه المقالات والخطابات تُبيِّض آلاف الصفحات، فمن غير الممكن وصف تفاصيلها في وقت قصير، بل مجرد تقديم مقدمة عنها غير ممكن. لذا سأقدم هنا كمثال بعض النماذج التعريفية لها.

من خطابات حضرته «نظام الاقتصاد في الإسلام»، و»النظام الجديد»، و»بداية الخلافات في الإسلام». وهذه العناوين تُذكر غالبًا في أوساط الجماعة. كما سأقدم تعريفًا ببعض المقالات الأخرى التي لم يتسن لمعظم الناس بوجه عام السماع بها.

قدم حضرته نصيحة تحت عنوان «مستقبل تركيا وواجب المسلمين»، معلقا فيها على الأحداث الجارية بخصوص هذا الموضوع، وذلك في عام 1919م، أي في بواكير خلافته. كانت نصيحته تتلخص في ضرورة الاستفادة الكاملة من كل فرصة لوحدة الأمة. وفي الوقت الذي كانت فيه الأخطار تحدق بحكومة تركيا، قدم حضرته نصائح وتعاليم حكيمة، وكتب هذا الكتاب في 18 أيلول 1919م. من أجل جمع كلمة المسلمين الذين فرقتهم الآراء والأهواء، وكان من المقرر عقدُ اجتماع لدعم الحكومة التركية، لمقاومة توجُّه عزل حكومة تُسمى إسلامية أو إعطاءها صبغة الولايات، بوصف ذلك فعلا تكرهه كل فرقة مسلمة، فبدأ حضرته عرض المبدأ التوجيهي  بقوله: «في رأيي، يجب أن يكون أساس هذا الاجتماع هو…، ثم تابع قائلا: «توجيهي فيما يتعلق بالسلطنة التركية ومركز الإسلام، أي الحجاز هو كما يلي…إن غيرة العرب القومية ثائرة، وتنبض عروق حريتهم. بعد 1300 عام، أصبحوا مرة أخرى حكامًا في ديارهم، وأثبتوا حقهم وجدارتهم بحسن إدارتهم وعدلهم. لا يمكن لأي اقتراح جديد أن ينجح في هذا الشأن، ولا يمكن لأي إنسان عاقل قبوله».

قدم حضرته أيضًا نصيحة لمصلحة تركيا فقال: «لا يمكن إنجاز أي شيء بالاجتماعات والمحاضرات فقط، ولا بجمع الأموال ونشر الإعلانات والمنشورات، بل يجب القيام بجهد منسَّق يُنفذ في جميع دول العالم». ثم قال مستأنفا كلامه: «هذا عصر علمي، والناس يطلبون دليلًا على كل شيء. لذلك، فلإنجاز هذا العمل الصعب، يجب أن يكون هناك تخطيط منسَّق. العمل بلا فائدة ليس من دأب الحكماء». هنا انتهى المقتبس من كلام حضرته ، وأقول إنه يجب على المسلمين اليوم أيضًا التفكير في هذا الأمر، كان هذا متعلقًا بالحكومة التركية في ذلك الوقت. واليوم يحتاج العالم الإسلامي والعربي أكثر من قبل إلى الانتباه إلى أن العمل لن يتم بالهتافات وعقد الاجتماعات فقط، بل يجب اتخاذ خطوات عملية.

نصائح لجمع كلمة الأمة

وفي سياق نصيحة حضرته للدولة التركية، شرح سبب البُغض الكائن ضد الأتراك والإسلام، فقال : «لقد غُرِسَ في قلوب المعادين للإسلام، منذ زمن أسلافهم، سوء ظن شديد تجاه الإسلام لدرجة أنهم لا يحسبونه دينًا عاديًا، بل يعُدّونه تعليمًا يُخرج الإنسان من دائرة الإنسانية ويجعله حيوانا، بل حيوانا متوحشا! إنهم لا يهربون من الأديان الأخرى، لكن يكرهون الإسلام بل يخافونه. أي أن المعادين للإسلام يرون أن تقدمه ليس فقط مجرد عقبة في طريق الحضارة والأدب، بل يعتقدون أنه يقضي على الإنسانية نفسها». أقول إنه في الأيام الراهنة يجري التأكيد على ذلك أكثر من ذي قبل، ففي كل مكان يشُنّ اليمينيون والآخرون أيضا حملات كبيرة ضد الإسلام وضد المسلمين، فلإصلاح هذا الوضع، قدم المصلح الموعود توجيهه القائل: «على المسلمين أن يتوبوا عن أخطائهم ويرجعوا إلى الله تعالى، ويفهموا الإسلام بأنفسهم، ويَطّلعوا على حقيقته، ويُطلعوا الآخرين عليها، حتى يزول هذا البلاء والإدبار الذي يحل بالمسلمين الآن. لأنهم لم يقوموا بتبليغ الدعوة من أجل الدين، ولم يقدموا للعالم هذا التعليم الفريد بحسب أوامر الله».. أقول إن هذا ما حدث عمليًا، حيث لم يقدموا الإسلام، لذا يجب عليهم بذل بعض الجهد الآن من أجل بقائهم على الأقل. فإذا أرادوا البقاء أحياء، لأن حياتهم وتبليغ الإسلام أصبحا مرتبطين معًا بشكل وثيق.

فيجب على المسلمين اتباع هذا المبدأ اليوم أيضًا، وإلا فإن العالم المعادي للإسلام سيستمر في تضييق الحصار حول الدول الإسلامية، كما هو الحال الآن. ثم ظهرت فرصة أخرى لمؤتمر جميع الأحزاب. فقدم حضرته توجيهات في كتيب بعنوان «نظرة على خطة مؤتمر جميع الأحزاب»، وهذا الكتيب كتبه سيدنا المصلح الموعود في الثالث عشر من يوليو 1925م لعرضِه في اجتماع مؤتمر جميع الأحزاب المسلمة في الهند. كانت رغبة منسقّي المؤتمر أن يشارك فيه إمام الجماعة الأحمدية بشخصه الكريم ويعبر عن آرائه.

فكتب حضرة المصلح الموعود: «إني لا أستطيع حضور هذا المؤتمر لعذر، إلا أني أقدم أفكاري بواسطة الإخوة الذين سيمثلونني». لقد بين حضرته في هذا الكتيب أولاً تعريف الإسلام دينيا وسياسيا، وقال إن ثمة تعريفًا دينيًّا للإسلام، وبحسبه كل امرئ مخير في تعريف الإسلام كما يحلو له. وهناك تعريف سياسي للإسلام. أما مَن هم المسلمون سياسيا؟ فلا يمكن أن يجيب على هذا السؤال إلا الأغيار، أعني الهندوس والمسيحيين والسيخ الذين يتعاملون مع المسلمين في حقل السياسة. ذلك أنه إذا كان أهل فرقة إسلامية أو جماعة إسلامية يؤمنون بأنهم مسلمون ويسمّون أنفسهم مسلمين، فإن أهل فرقة أخرى يمكن أن يعدّوهم غير مسلمين، ولكن الهندوس والسيخ والمسيحيين سوف يعاملون أهل الفرقتين معاملة واحدة في الأمور السياسية، ويتخذون ضد فرقة إسلامية نفس الإجراءات التي يتخذونها ضد الفرقة الأخرى، باعتبارهما من المسلمين، لأن المصالح السياسية للمسلمين جميعا مصالح موحدة، وإذا لم يدرك المسلمون هذا الأمر فإن الأغيار سيقضون عليهم واحدًا تلو الآخر، ولا يعود المسلمون إلى صوابهم إلا بعد فوات الأوان. فقدم حضرة المصلح الموعود أمام الفرق الإسلامية كلها مبدأ ذهبيا بأن يكونوا متحدين تماما في المجال السياسي، لأن أمة إذا ما صيَّرتها السياسة فِرقا فسوف تتداعى عليها الأمم الأخرى.

ثم قدم حضرة المصلح الموعود بعض المقترحات لنهضة الإسلام وتبليغ دعوته وتمكينه سياسيا وقال: «لا بد لتقوية الإسلام مِن تنظيم دعوته من أجل نشره في الهند كلها، ولا مناص من توحيد صفوف الجماعات والتنظيمات التبليغة كيفما أمكن، لأن حياة الإسلام منوطة بتلبيغ دعوته، وهذا يتطلب وضع نظام مكتمل. واستجابة لنداء حضرته أقول إن هذا الأمر قد اتسع نطاقه في العالم كله الآن. ويتابع حضرته فيقول: كما يجب للنهوض بالمسلمين إنشاء أقسام ودوائر في مجالي الصناعة والتعليم بحيث يكون لكل قسم خطة عمل مدروسة ويجب فحص مدى تنفيذها في آخر السنة. (أقول: أما اليوم فقد صار هذا من واجب الدول الكبيرة وليس من واجب الإسلام). كما يجب على الفور تشكيل لجنة لدراسة تحرير المسلمين من تأثير الأقوام الأخرى، ومعرفة مجالات الحياة التي يعاني فيها المسلمون من نقص عدد الخبراء، ثم على هذه اللجنة إكمال هذا النقصان».

كما ركز حضرة المصلح الموعود على ضرورة إنشاء بنك إسلامي، وقال لو أنشئ مصرف يتعامل بدون ربا، وهذا الأمر ممكن، فإن جماعتنا أيضا مستعدة للمساهمة فيه.

كما اقترح حضرته إنشاء بيت المال وغرفة التجارة.

كما حث على ضرورة أن يرفع المسلمون خصوماتهم وقضاياهم غير الجنائية إلى لجان مكونة من الحكَمين من بينهم، بدلاً مِن رفعها إلى محاكم دولة يحكمها غير المسلمين.

كما حث حضرته من أجل إرساء الأمن والسلام في المجتمع على ضرورة عدم التدخل في قضايا الآخرين الدينية، وعلى التسامح، وترك الآخرين ليعملوا بحسب عقيدتهم كما نعمل نحن بحسب عقيدتنا.

وقال حضرته بشأن التجارة والصناعة والحرف: «لقد تساهل المسلمون في حقل التجارة حتى صاروا عبيدا للهندوس في هذا المضمار. فهناك حاجة ماسة إلى أن يهتم المسلمون بالتجارة والصناعة والحرف بوجه خاص».

أقول تعقيبا على مقولة حضرته : أما في زمننا هذا فإننا نرى بأم أعيننا كيف أصبحنا نحن المسلمين في حقل التجارة عبيدا لأثرياء العالم من شتى الديانات سواء منهم اليهود والنصارى أو غيرهم. كانت الأوضاع التجارية في ذلك الوقت مثل التي نراها اليوم حيث صرنا عبيدا للدول والتجار في العالم في مجال التجارة.

وفي الأخير حث حضرة المصلح الموعود المسلمين على نبذ خلافاتهم وعلى الاتحاد وتوحيد الصفوف فقال: «أختم مقالي هذا بتوجيه أنظار المسلمين مرة أخرى إلى أن جهودهم وتدابيرهم كلها ستذهب سدى ما لم يدركوا أننا، بالرغم من تبادل فتاوي التكفير فيما بيننا، مسلمون في نظر الأغيار، وضررُ بعضنا ضررُ كلِّنا أجمعين . لذا فيما يتعلق بالأمور السياسية علينا التغاضي عن هذه الفتاوى الدينية المتبادلة فيما بيننا، إذ لا علاقة لها بغير المسلمين. إن الإسلام لا يقول أبدا بأنه حرام عليكم العمل في الأمور السياسية مع الذين لا يعدّونكم من المسلمين. إذا كان النبي يمكنه أن يعقد المعاهدة مع اليهود ضد المشركين فما المانع من أن تعمل الفرق الإسلامية معًا من أجل النهوض بالإسلام بل لحمايته سياسيا؟! وإذا لم نتحد الآن فيكون هذا دليلا قطعيا على أن اختلافنا ليس من أجل الإسلام بل من أجل مصالحنا الشخصية ومآربنا النفسية. وقانا الله تعالى من هذه الشقاوة». (أقول: هذا هو الوضع في باكستان وفي بعض البلاد الإسلامية الأخرى عموما، حيث يكفرون الأحمديين بوجه خاص، مع أن كل فرقة منهم تكفّر الأخرى).

وهذا ما يعطي العالمَ غير الإسلامي انطباعا خاطئا عن الإسلام ويضر بالمسلمين. فاليوم هناك حاجة ماسة بالمسلمين، دولاً ومواطنين، لأن يدركوا هذا الأمر.

لا بد لتقوية الإسلام مِن تنظيم دعوته من أجل نشره في الهند كلها، ولا مناص من توحيد صفوف الجماعات والتنظيمات التبليغة كيفما أمكن، لأن حياة الإسلام منوطة بتلبيغ دعوته، وهذا يتطلب وضع نظام مكتمل. واستجابة لنداء حضرته أقول إن هذا الأمر قد اتسع نطاقه في العالم كله الآن

المصلح الموعود ودوره المحوري في مؤتمر المائدة المستديرة

فيما يتعلق بأوضاع الهند في ذلك الوقت، عندما كانت باكستان والهند دولة واحدة، عُقد مؤتمر المائدة المستديرة، وأثيرت قضية تمثيل المسلمين فيه. كانت الحكومة البريطانية قد عيَّنت لجنة لمراجعة عملية استقلال الهند، وكان عليها إجراء هذه المراجعة كل عشر سنوات لتحديد مدى إمكانية منح أهل الهند السلطة لإدارة حكومة منفصلة. وكان الرئيس الأول لهذه اللجنة محاميا إنجليزياً يُدعى السير جون سايمون. على أية حال، استمرت المناقشات حول هذه اللجنة وقراراتها في أوقات مختلفة، وظل سيدنا المصلح الموعود يقدم للمسلمين نصائح مفصلة في مناسبات مختلفة ويرشدهم. وفي هذا السياق عُقد مؤتمر المائدة المستديرة الذي نجد تفاصيله مدونة في تاريخ جماعتنا من خلال روايات سيدنا المصلح الموعود .

لم يكن تقرير هذه اللجنة التي شكّلتها الحكومة البريطانية على مستوى توقعات أهل الهند، فلم يقبلوه، وفي ظل هذه الظروف أعلنت الحكومة عقد مؤتمر المائدة المستديرة، وكان الهدف منه جمع ممثلي بريطانيا والهند في مكان واحد ليفكروا معًا في التطور السياسي للهند.

فلم يلبث حضرته أن كتب مقالاً لتوجيه المسلمين بهذه المناسبة، ونصحَهم بنبذ الخلافات والانقسامات الداخلية والعمل باتحاد واتفاق من أجل المصلحة القومية، إذ بهذه الطريقة فقط سيحالفهم النجاح في الحصول على حقوقهم أثناء مواجهة الأمة المعارضة، وأنه ينبغي عليهم السعي لإرسال ممثلين أكفاء إلى المؤتمر لأداء حق تمثيل الأمة فيه. كما قدم حضرته نصيحة للحكومة بأن تختار الممثلين بالتشاور مع الأحزاب السياسية حتى يقبل الناس قرارات المؤتمر برضا.

في سياق حماية حقوق المسلمين، قال حضرته: «أعتقد أن الوقت قد حان الآن للعمل من أجل مؤتمر لجميع الأحزاب الإسلامية، إذ لم يعد كافيًا مجرد نشر مطالب المسلمين. إنْ ذهب للاشتراك في مؤتمر المائدة المستديرة أشخاصٌ تجاهلوا هذه المطالب، فلن تصبح قرارات مؤتمر جميع الأحزاب ذات قيمة. لذا، فإن الوقت الحالي هو الأنسب لتنبيه الحكومة إلى العواقب الوخيمة للاختيارات الخاطئة، وفي نفس الوقت لتوعية الجمهور بالمخاطر المترتبة عليها، ولا ينبغي التوقف حتى يتم اتخاذ قرار تمثيل المسلمين من خلال ممثليهم المنتخبين من قبلهم ومن خلال جمعياتهم السياسية الرئيسية». وقد أُخِذَتْ هذه النصائح على محمل الجدّ من قبل العديد من الأوساط في ذلك الوقت، لأنها كانت تتناسب مع الظروف السائدة آنذاك.

ثم كتب حضرته مقالًا حول حل الوضع السياسي الذي كان سائدًا في الهند في تلك الآونة. وفي هذا المقال، قدم حلولًا للظروف الراهنة في ذلك الحين. بعد مدة وجيزة من نشر تقرير لجنة سايمون السالف الذكر، قررت الحكومة البريطانية عقد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن، لمناقشة مختلف جوانب التطور السياسي في الهند ووضع خطة عمل للمستقبل. وبما أن لجنة سايمون لم تأخذ في الاعتبار بشكل كامل حقوق المسلمين، لذلك كان حضرته قلقًا نحوها، وكان حريصًا على ألا يتم تجاهل حقوق المسلمين في المستقبل. وعليه فقد رأى حضرته مناسبًا في ذلك الوقت التعليق على تقرير لجنة سايمون وإبراز نقائصه، وتقديم حل لمشاكل الهند بحيث تتمكن جميع الأحزاب والأقوام في المستقبل أن تعيش فيها بسلام ووئام. فقال حضرته:

«أرى أن ارتباطي بالسياسة الوطنية -لكوني رجلًا دينيًا- ليس بنفس القدر الذي يتمتع به أولئك الذين ينشغلون ليل نهار بتلك الأمور. ومع ذلك، أرى أن مسؤوليتي في تعزيز السلام والوئام أكبر، وأظن أن انعزالي عن عالم الصراعات ربما يجعلني أصل إلى جوهر العديد من القضايا بسهولة أكبر مقارنة بأولئك الذين هم منغمسون في هذا الصراع أو أصبحوا طرفًا فيه. ففي هذا الوقت الذي تتركز فيه اهتمامات الناس على حل قضية الهند بسبب إعلان مؤتمر المائدة المستديرة (وكانت هذه قضية كبرى في ذلك الوقت) أرى أنه من المناسب أن أعرض أفكاري أمام غير المتحيزين من كلا البلدين».

لقد قدم حضرته في تعليقه هذا بحثًا شاملاً حول حقوق المسلمين ومطالبهم، وأبرز منطقيتها، وإلى جانب ذلك، قدّم حلًا معقولًا ومقنعًا للمشكلات السياسية في الهند. تم إرسال تعليقه الشامل والمفصل على الفور للنشر باللغة الإنجليزية حتى يتمكن المشاركون في مؤتمر المائدة المستديرة من الاستفادة منه. وقد استفاد منه ممثلو المسلمين بشكل خاص، حيث تمكنوا لأول مرة من تقديم مطالبهم بشكل موحد وناجح في المؤتمر. وكانت هناك فائدة كبيرة لكتاب حضرته في ذلك الوقت، حيث ترك ذلك تأثيرًا عميقًا على أصحاب الرأي في إنجلترا، مما جعلهم يعترفون بالوضع الخاص للمسلمين في الهند وباتوا يقرون بمنطقية مطالبهم ومشروعيتها.

لقد لاقى كتاب حضرته قبولا عامًا في كل من الهند وإنجلترا، وقُرئ باهتمام وتقدير كبيرين. وقد أشاد به العديد من السياسيين المحنكين والصحفيين بكلمات رائعة. وهناك العديد من هذه التعليقات مسجلة في تاريخ الجماعة الأحمدية. وكما قلت إن هذا التعليق لحضرته لقي شعبية كبيرة في كلا البلدين وتمت قراءته باهتمام بالغ. وسأقدم لكم بعض الأمثلة على ذلك:

“لورد ميستون”، الحاكم السابق لولاية أترا برديش، يقول: أنا ممتن لكم لإرسالكم لي كتابًا رائعًا لزعيم الجماعة الأحمدية. (هو يكتب ذلك إلى المرسل) لقد قرأت سابقًا بعض أعماله الأخرى باهتمام، وآمل أن قراءة هذا الكتاب أيضا ستكون مصدرًا للسعادة والفائدة لي.

يقول الملازم الأول كينواردي، عضو البرلمان: أنا ممتن جدًا لإرسالكم كتاب «حل المشاكل السياسية في الهند» لي. لقد قرأته باهتمام كبير.

السير “مالكولم هيلي”، حاكم مقاطعة أتر برديش وحاكم البنجاب السابق، يكتب إلى إمام مسجد لندن: أنا ممتن جدًا لك لإرسالك هذا الكتاب إليَّ نيابة عن زعيم الجماعة الأحمدية. أنا على دراية جيدة بأحوال الجماعة الأحمدية وأقدر الدور الذي تلعبه في حل القضايا المهمة في الهند. أنا واثق من أن هذا الكتاب سيكون مفيدًا لي، وسأقرأه باهتمام بالغ.

ثم يقول السير “هون أوملر”: أشكركم من أعماق قلبي لإرسالكم هذا الكتيب الصغير الذي يحتوي على اقتراحات زعيم الجماعة الأحمدية لحل قضية الهند. وإنه النقد التفصيلي الوحيد الذي اطلعت عليه، على توصيات لجنة سايمون. لن أعلق على التفاصيل الواردة في هذا الكتيب لأنه من الطبيعي اختلاف الرأي حول هذه الأمور، ولكنني أحيي زعيم الجماعة الأحمدية على الإخلاص والمنطق والوضوح الذي عبر به عن آراء جماعته. ولقد تأثرت أيما تأثير بسمو فكر حضرة مرزا بشير الدين.

ثم يقول السيد بيترسون، C.S.I., C.I.E: شكرًا جزيلاً لإرسال كتاب «حل المشاكل السياسية في الهند». لم تتسنَّ لي الفرصة بعد لإنهاء قراءته، ولكنني آمل أن أنهيه في غضون أيام قليلة. ومع ذلك، يبدو واضحًا مما قرأته حتى الآن، أن هذا العمل يمثل جهدًا مثيرًا للاهتمام وقيمًا لفهم التعقيدات الحالية. وقد تم تقديم وجهة نظر المسلمين فيه بوضوح تام. آمل أنني سألتقي بالمرسل لهذا الكتاب قريبًا.

يقول الدكتور ضياء الدين من عليغره: لقد قرأت كتابكم باهتمام كبير، وأطلب منكم أن تعملوا على نشره على نطاق واسع في أوروبا. ينبغي إرسال نسخة منه إلى كل عضو في البرلمان، ونسخة إلى كل محرر صحيفة في إنجلترا. هناك حاجة لنشر هذا الكتاب في إنجلترا أكثر من الهند. لقد قدمتم خدمة عظيمة للإسلام. (هذا ما يتحدث به شخص غير أحمدي أن حضرته قدم خدمة عظيمة للإسلام، أما غير الأحمديين اليوم فيقولون بأن الأحمديين ليسوا مسلمين).

السيد سيتهـ حاجي عبد الله هارون، M.L.A كراتشي، يقول: أرى أن كتاب «حل المشاكل السياسية في الهند» أحد أفضل الأعمال من بين جميع الكتب التي كُتبت في الهند حول السياسة.

كتب العلامة الدكتور السير محمد إقبال: لقد قرأتُ بعض مواضع التعليق فهي رائعة وشاملة.

كتبتْ صحيفة انقلاب الصادرة من لاهور أن السيد ميرزا قدم من خلال هذا التعليق خدمة عظيمة للمسلمين. هذا العمل الذي أنجزه السيد ميرزا كان يليق بالجماعات الإسلامية الكبرى.

وكتبت جريدة السياسة من لاهور أنه بغضّ النظر عن الخلافات الدينية، فإن العمل الذي قام به السيد ميرزا بشير الدين محمود أحمد في مجال التأليف والتصنيف يستحق كل الثناء من حيث الحجم والمنفعة. وأسلوبه في قيادة جماعته جنباً إلى جنب مع عامة المسلمين في السياسة، والمبدأ الذي بدأه ونفذه بنجاح في جماعته هو الآخر يسوق كل مسلم منصف وإنسان يقدر الحق إلى الإشادة بعظمته. الدهر يشهد بفراسته في السياسة، وقد أحرز إنجازا يستحق الثناء عليه لجمْعه المسلمين ضد تقرير نهرو، وتقديمه وجهة نظر المسلمين أمام لجنة سايمون، ومناقشته المدعمة بالأدلة للقضايا المعاصرة في ضوء المنظور الإسلامي، ونشْرِه الكتبَ المليئة بالحجج حول حقوق المسلمين.

وبقراءة الكتاب قيد المناقشة وهو نقْده لتقرير سايمون وقد كتبه باللغة الإنجليزية، يقدِّر القارئ مدى اتساع معرفته. إن أسلوبه في التعبير سلس ومقنع، ولغته راقية جداً. هذه كانت بعض التعليقات.

ثم كتب حضرته أيضاً عن العلاج الذي يقدمه الإسلام للقلق العالمي الحالي. فقد ألقى محاضرات حول السلام العالمي. أذكره لكم بإيجاز، فقد ألقى سيدنا المصلح الموعود الخطاب الزاخر بالمعارف في 9 أكتوبر 1946 في الساعة 5:30 مساءً في الساحة الواسعة لشارع آرت بارك، بدلهي. وحضر مئات من غير الأحمديين وغير المسلمين الكرام للاستماع إلى هذا الخطاب. فاستمعوا إلى حضرته بمنتهى الاهتمام والهدوء. ونُشر هذا الخطاب لأول مرة في جريدة الفضل بتاريخ 15 أبريل 1961.

نَشرت جريدة تيج من دلهي في عددها الصادر في 14 أكتوبر 1946 الملاحظة التالية:

قال إمام الأحمديين حضرة ميرزا بشير الدين محمود أحمد في خطابه إن مسألة السلام قديمة قدم الإنسان نفسه لأن لها علاقة عميقة مع الطبيعة البشرية. إذا كان تحقيقها مطلوباً، فيجب القضاء على مشاعر العداوة والكراهية. المسألة ليست سياسية بل هي أخلاقية، وإذا كنا مطلعين على أوضاع خلْق الله وتخلينا عن حب المال والطمع وغيره، فيمكن أن تنشأ فينا مشاعر الأخوة والمحبة بدلاً من الكراهية والجشع، إذا تعلمنا احترام مشاعر بعضنا البعض وطوَّرنا في نفوسنا القدرة على التحمل فيمكن القضاء على الخلافات في العالم الديني. كما أن التسامح ضروري في الأمور الدينية، فهو بالقدر نفسه ضروري في الشؤون الدنيوية أيضاً. فكانت هناك مشاكل كثيرة في ذلك العصر بين المسلمين والهندوس المسيحيين. قال حضرته: يجب علينا تنمية روح الأخوة العالمية من خلال القضاء على النزاعات القومية والعرقية. هذا كان تعريفاً موجزاً لمقاله.

كتب حضرته مقالا آخر بعنوان «إن من واجبنا مساعدةُ الأمم المظلومة حتى لو آذَونا أو ألحقوا بنا الضرر»، ردَّ فيه على اعتراض جريدة إنجليزية صادرة من دلهي، القائل بأن الأحمديين يدعمون باكستان رغم أن المسلمين الآخرين لم يعاملوهم معاملة حسنة. فقد حرضت الصحيفة الأحمديين قائلة إنهم يدعمون باكستان رغم سوء معاملة المسلمين لهم. وكتبت: عندما تتشكل باكستان، سيعاملهم المسلمون نفس المعاملة التي وجهوها لهم في كابول، وعندها سيطلب الأحمديون ضمَّهم إلى الهند.

أختم مقالي هذا بتوجيه أنظار المسلمين مرة أخرى إلى أن جهودهم وتدابيرهم كلها ستذهب سدى ما لم يدركوا أننا، بالرغم من تبادل فتاوي التكفير فيما بيننا، مسلمون في نظر الأغيار، وضررُ بعضنا ضررُ كلِّنا أجمعين . لذا فيما يتعلق بالأمور السياسية علينا التغاضي عن هذه الفتاوى الدينية المتبادلة فيما بيننا، إذ لا علاقة لها بغير المسلمين. إن الإسلام لا يقول أبدا بأنه حرام عليكم العمل في الأمور السياسية مع الذين لا يعدّونكم من المسلمين. إذا كان النبي يمكنه أن يعقد المعاهدة مع اليهود ضد المشركين فما المانع من أن تعمل الفرق الإسلامية معًا من أجل النهوض بالإسلام بل لحمايته سياسيا؟!

هذا ما كتبته الجريدة، فعلق سيدنا حضرة المصلح الموعود على ذلك في خطاب ألقاه بعد صلاة المغرب في 16 مايو 1947 قائلاً: «من واجبنا مساعدة الأمة المظلومة حتى لو اضطهدونا وآذونا». وقال أيضا: «سوف نتمسك بالعدل حتى لو ظلمَنا العدوُّ وأجحف في حقنا». نُشر هذا الخطاب في قاديان في صورة كتاب. في العصر الحاضر أيضا يثير البعض التساؤل لماذا دعم سيدنا المصلح الموعود الانضمام إلى باكستان. ففي هذا الخطاب جواب لهم. كان المسلمون في ظروف ذلك العصر بحاجة إلى المساعدة، والجماعة دائماً في الصف الأول لمساعدة المسلمين. لم ينكر حضرة المصلح الموعود أن الجماعة ستتعرض للظلم. وقال مهما يكن من أمر، فإن المسلمين في هذا العصر بحاجة إلى المساعدة، ويجب على الأحمديين دعمُهم لأننا سندعم المسلمين.

كان حضرته قد ألقى ست محاضرات حول مستقبل باكستان بعد استقلالها، وكانت الخمسة الأولى منها ألقيتْ في قاعة «مينارد» بلاهور بينما السادسة ألقاها في قاعة جامعة لاهور. كانت الأولى منها الزاخرة بالمعرفة والبصيرة ألقاها حضرته في 7 ديسمبر 1947، وحضرها كبار المثقفين والمفكرين والعلماء في لاهور وأعربوا عن إعجابهم الكبير بها. لكن حضرته لم يستطع بيان أجزاء كثيرة من المحاضرة لضيق الوقت، فأكمل بذاكرته لاحقا ونشرها للفائدة العامة في جريدة الفضل في 9 ديسمبر 1947 التي كانت تصدر يومذاك من لاهور.

قدم حضرته في هذا الخطاب المبادئ الذهبية والمقترحات والنصائح حول كيفية تطوير باكستان من حيث الثروة النباتية والزراعية والحيوانية والمعنوية. أصبحت هذه المحاضرة مشهورة جداً. عبر حضرته عن أفكاره حول الدستور الإسلامي أو القانون الأساسي الإسلامي.

والمحاضرة الأخيرة من سلسلة المحاضرات التي ألقاها حول مستقبل باكستان بعد الهجرة من قاديان إلى لاهور، ألقاها في قاعة جامعة لاهور حول موضوع الدستور الإسلامي أو القانون الأساسي الإسلامي. نُشرت هذه المحاضرة للفائدة العامة في 18 فبراير 1948 في صورة كتيب وهي موجودة في المجلد 19 من أنوار العلوم.

في هذا الخطاب، وضَّح حضرته الدستور الإسلامي وسلط الضوء على نوع الدستور الذي يجب تطبيقه في باكستان. فقال: «إذا أقر المسلمون، الذين سيشكلون الأغلبية الساحقة، في دستور باكستان قانوناً ينص على أن القوانين في أراضي باكستان ستُسن للمسلمين وفقاً للقرآن والسنة ولن يُسمح بسن قوانين مخالفة لهما، فرغم أن أساس الحكومة لن يكون إسلامياً بالكامل لأن ذلك غير ممكن، إلا أن طريقة عمل الحكومة ستصبح إسلامية وسيكون قانونها المتعلق بالمسلمين إسلامياً أيضاً، وهذا ما يقتضيه الإسلام. إن الإسلام لا يقول أبداً أن يُطلب من الهندوس والمسيحيين واليهود أيضا العملُ بالإسلام، بل هو على عكس ذلك تماماً، يمنح الحرية لكل دين ولكل شخص.”

اليوم يقول هؤلاء الناس أن في البلد الإسلامي دستور وقانون إسلامي، ولكن في الواقع كان حضرة المصلح الموعود هو من بدأ وأشار بذلك أولًا. والآن يُمارَس الظلم باسم الإسلام، في حين أن حضرته كان قد وجه إلى تطبيق التعاليم الإسلامية وصياغة الدستور وفقًا لها كما ذكرتُ. إذا كان الأحمديون معارضين للإسلام كما يدعي المشايخ اليوم، فهل كانت هناك حاجة لهذه النصيحة والتوجيه؟ على أية حال، في الوقت الحاضر يحاول المشايخ المزعومون أن يتسلطوا على البلد. نسأل الله تعالى أن يُظهر رجلًا رشيدًا يُنقذ البلد من خططهم السيئة ويقود البلد نحو طريق التقدم.

ثم هناك مقال يفيد بأن باكستان لبنة في الصرح الإسلامي الذي نسعى لإقامته في العالم. كانت هذه محاضرة ألقاها حضرته في قاعة المدينة في «كوِيْتَا». ألقى حضرة المصلح الموعود ست محاضرات في لاهور حول مستقبل باكستان بعد تأسيسها مباشرة كما ذكرتُ. وبعد ذلك بفترة، زار حضرته العديد من المدن الرئيسية الأخرى في باكستان الغربية وعرّف آلاف السكان الباكستانيين بأفكاره النيّرة والبناءة حول استقرار باكستان.

في حزيران/يونيو 1948، زار حضرته «كوِيْتَا» وألقى محاضرات عامة مفيدة ومُلهِمة للغاية، حيث وجّه أهل باكستان في مواجهة التحديات الوطنية المهمة، وذكّرهم بمسؤولياتهم القولية والعملية بالتفصيل. وبكلماته المليئة بالحماس والمحبة، بثّ روحًا قوية من الإيمان والعزيمة في قلوب الملايين المحزونة والمكتئبة. ألقى حضرة المصلح الموعود هذا الخطاب في 4 تموز/يوليو 1948 في قاعة المدينة بـ»كويتا» حول موضوع «باكستان ومستقبلها». وقد نُشر في جريدة «الفضل» في آذار/مارس 1952 وكان له تأثير كبير على الناس.

في سياق تقدم باكستان واستقرارها، نظمت الجماعة الأحمدية في «سرغودها» اجتماعًا عامًّا في حديقة «كمباني» في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1949. في ذلك الوقت كان بإمكان الجماعة عقد الاجتماعات، أما الآن فلا يمكنها حتى عقد الاجتماعات التربوية. كان هذا الاجتماع متميزًا لأنه للمرة الأولى قدم حضرة المصلح الموعود نصائحه وتوجيهاته القيّمة لآلاف الأحمديين وغير الأحمديين الذين حضروا من «سرغودها» وضواحيها. حثّهم على اتّباع التعاليم الإسلامية وتقوية باكستان بأسلوب جذّاب. استمع الحضور لخطابه من البداية إلى النهاية باهتمام وتركيز شديدين. وجه حضرته انتباه الناس إلى أهمية حماية باكستان والحفاظ على سلامتها قائلا: «نحن أنفسنا قلنا «يا ربنا، ارزقْنا هذا الوطن». والآن استقراره وتطويره بالشكل الصحيح في أيدينا. فإذا لم نفهم واجباتنا، فسنواجه الخجل في هذه الدنيا والآخرة. سيقول الله تعالى لنا: «لقد وهبتُ لكم هذا الوطن بناءً على طلبكم، لكنكم أضعتموه». واليوم، هذا ما يفعله المشايخ، يضيعونه.

حثّ حضرته ، لزيادة دخل باكستان، جميعَ طبقات المجتمع على دفع ضرائبهم بأمانة، وشجّع أكبر عدد ممكن من الشباب على الانضمام إلى الجيش لحماية باكستان.

في تلك الأيام، كان هناك نقاش في الصحف بأن حكومة باكستان لا تفعل شيئًا لإقامة حكم إسلامي، مع أننا طلبنا باكستان من أجل الإسلام. وفي هذا الصدد، قدم حضرته توجيهات مستنيرة، وفي النهاية قال: «إن مجرد رفع الشعارات ليس علامة على نجاح أي أمة. إذا بدأ الجميع الآن في الهتاف بالتكبير، وإذا بدأ الجميع في القول «لتحيا باكستان، ولتهلك الهند»، فلن يموت حتى فأر واحد في الهند. لن يموت شيء بمجرد الهتافات. لكن إذا بدأ الجميع في تطبيق الأمور التي ذكرتُها للتو في خطابي – إذا بدأ التجار في دفع الضرائب، وتوقف الناس عن السفر بالقطار بدون تذاكر، وركز الشباب على الدراسة بدلًا من إضاعة وقتهم في أمور تافهة، وانضم الشباب الأقوياء إلى القوات المسلحة، وتخلى المسؤولون عن عادة الرشوة، وأنجزوا كل عمل بأمانة واجتهاد – فستزداد باكستان قوة في الحياة العملية». لكن اليوم، يحدث العكس أكثر من ذي قبل. ثم قال: «ثم لو لم تهتفوا «تحيا باكستان» حتى مرة واحدة، ستكون النتيجة أن باكستان ستحيى. سواء هتفتم أم لا، ستجدون الدليل العملي على أن باكستان حية».

هناك العديد من المقالات المتعلقة بالأمور العسكرية. لقد أخذتُ مثالًا واحدا في سياق روسيا والحرب الحالية. هناك تعليق على دخول روسيا إلى بولندا خلال الحرب العالمية الثانية. عندما دخلت روسيا إلى بولندا خلال الحرب العالمية الثانية، كتب حضرة المصلح الموعود هذا المقال الذي نُشر في جريدة «الفضل» في 21 أيلول/سبتمبر 1939. في هذا المقال، علق حضرته على أسباب وأهداف دخول روسيا إلى بولندا، قائلًا: «إن روسيا تريد تقسيم بولندا. نواياها لا تبدو حسنةً. لقد تحالفت مع ألمانيا وتصر على إرسال قواتها إلى بولندا لتسهيل استيلاء ألمانيا على بولندا وإنهاء الحكومة البولندية دون إراقة دماء. وإذا لم ينجح هذا، فمن خلال هذه المعاهدة ستهاجم ألمانيا بولندا. إذا لم تتدخل الدول الأخرى فحسنًا، وإلا ستسحق ألمانيا بولندا ويقسم كلا البلَدين (روسيا وألمانيا) بولندا بينهما». كما سلط حضرته الضوء في هذا المقال على الأوضاع بعد هذه الحرب وقدم نصائح مفيدة للحلفاء بناءً على بصيرته وفراسته، وكانت نصائح ممتازة، لذلك نجت بولندا حينها.

كانت لديه نظرة عميقة على الأوضاع الدولية أيضًا كما ذكرتُ، وله مقالات أخرى في هذا السياق. الأدب الديني والتفاسير موجودة بأعداد استثنائية. خطب الجمعة والخطابات في الاجتماعات والمناسبات الجماعية هي كنز من العلم والمعرفة.

كان التفسير الكبير في البداية في عشرة مجلدات قديمة، والآن تمت إضافة المزيد إليه من ملحوظاته، فقد طُبع في خمسة عشر مجلدًا جديدًا، شُرحت فيها المواضيع بتفصيل أكبر. ثم عُثر في ملحوظاته تفسير سور أخرى، والتي يجري مراجعتها. ربما عندما يتم نشرها ستصبح ثلاثين مجلدًا لأنها تحتوي على ثلاثين ألف صفحة. فالوعد الذي قطعه الله تعالى في النبوءة مع حضرة المسيح الموعود قد تحقق في حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد من كل جانب. لقد قدمتُ لكم الآن بضعة أمثلة. علينا أن نحاول أيضًا قراءة كتبه المليئة بالعلم والمعرفة، وهناك الكثير من الأمور التي تنطبق أيضًا على الظروف الحالية ويمكننا الاستفادة منها. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك.

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via