التاريخ: 2017-11-10

العَدْلُ صِمَامُ أَمَانِ  الأُسْرَةِ،  وَالمُجْتَمَعِ، وَالعَالَمِ

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • الكثير من المسلمين لا يتمسكون لنيل حقوقهم المزعومة.
  • القضاة أيضا يحكمون أحيانا حكما باطلا بغية مصالح شخصية.
  • إن الحكام لا يراعون معايير العدل على الصعيد الوطني.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ .

هناك الكثير من المسلمين ممن لا يتمسكون بالصدق لنيل حقوقهم المزعومة ويغصبون حقوق الآخرين، أو يكذبون لغصبها بخداع المحاكم أيضا. ومن الملاحظ أن القضاة أيضا يحكمون أحيانًا حكما باطلا بغية مصالح شخصية. فكأن الفساد مستشر في كل مكان.

مستويان للعدل قد تغفلون عنهما

لقد وصى الله المسلمين بإقامة معايير العدل بما لا نجده في كتاب أي دين آخر. لكن من شقاوة المسلمين المعاصرين أنفسِهم، بمختلف شرائحهم، قادةً وحكاما كانوا أو علماء الدين، أن أكثرهم أناس لا يفون بمقتضى العدل والإنصاف. وكذلك لا نلاحظ في بيوت أكثر المسلمين ولا في شؤونهم العامة إقامة معايير العدل والإنصاف تلك التي فرضها الله ويُتوقع تحقيقُها من قِبَل المؤمن. ففي الخصومات العائلية في البيت ترفع في المحاكم من قبل الرجال والنساء أيضا قضايا مبنية على أحداث باطلة. ويُدلى خلالها بشهادات الزور، لسلب حقوق الآخرين بالكذب والزور، وغصبها بسبل غير مشروعة. باختصار هناك الكثير من المسلمين ممن لا يتمسكون بالصدق لنيل حقوقهم المزعومة ويغصبون حقوق الآخرين، أو يكذبون لغصبها بخداع المحاكم أيضا. ومن الملاحظ أن القضاة أيضا يحكمون أحيانًا حكما باطلا بغية مصالح شخصية. فكأن الفساد مستشر في كل مكان.

وهذا الإجحاف وغياب العدل لا يبرح يولد السيئات في المجتمع، ثم إن الحكام لا يراعون معايير العدل على الصعيد الوطني. فهم لا يعدلون بين رعيتهم، وحتى على الصعيد العالمي لا تُحقَّق معايير العدل في العلاقات المتبادلة بين البلاد أيضا. أما المشايخ فقد اتخذوا الدين وسيلة لنيل مصالحهم الشخصية. الجدير بالانتباه أن المسلمين يدَّعون أنهم خير أمة، وأن الإسلام وحده يقدم الحل الأمثل لأزمات العالم. ولا شك أن المسلمين هم خير أمة، إذا استجابوا لأوامر الله وعملوا بتعاليم القرآن الكريم، ومن المؤكد أن الإسلام وحده قادر على حلِّ جميع أزمات العالم، بشرط أن يقام الحق والإنصاف بحسب تعليمه.

وهذا الإجحاف وغياب العدل لا يبرح يولد السيئات في المجتمع، ثم إن الحكام لا يراعون معايير العدل على الصعيد الوطني. فهم لا يعدلون بين رعيتهم، وحتى على الصعيد العالمي لا تُحقَّق معايير العدل في العلاقات المتبادلة بين البلاد أيضا. أما المشايخ فقد اتخذوا الدين وسيلة لنيل مصالحهم الشخصية.

الآيات التي تَلَوتُها قبل قليل هي من سور عدة، فهي من النساء والمائدة والأعراف. فالآية الأولى وهي من سورة النساء يقول الله تعالى فيها:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا .

فهذا هو الأمر بإقامة العدل في  مختلف قضايا وشئون الأسرة والمجتمع. أي عليكم بالتمسك بأهداب العدل والإنصاف في كل حال مهما كانت الظروف. فقد أُمر المؤمنون بأن تكون شهادتهم لله وبحسب أوامره ، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الإيمان بالله كاملا، وكان قويا ورفيع المستوى. يجب التمسك بالعدل بقوة مهما واجه المرء وعانى. وهذه القوة لا تنشأ أو لا تتجلى أوضح تجلٍّ إلا إذا كان الإنسان مستعدًّا للشهادة على نفسه وزوجته وأولاده وحتى على والدَيه وعلى الأقارب إذا اقتضى الأمر. فقال   أن اتباع الهوى يصرف عن العدل، فإذا اتبعتم أهواءكم فستبتعدون عن العدل والإنصاف، إن مشاكل كثيرة في المجتمع في العصر الراهن منشؤها أن العدل والإنصاف ليسا بالقدر اللازم والذي وصانا الله به. إن التحايل والمراوغة في الكلام بات سلوكا شائعا، ومن المؤسف أن البعض منّا أيضًا يقومون بتصرف من هذا القبيل مدلين بالشهادة على عكس الحقائق أحيانا متأثرين بأهل الدنيا والمجتمع رغم بيعتهم للمسيح الموعود . بينما يقول الله : لا تراوغوا في الكلام، وينبغي أن لا ينشأ الانطباع عنكم أنكم تعرضون عن الحقائق محاولين اجتناب شهادة الحق، حتى لو تعرضتم شخصيا أو والداكم  لخسارة. فنحن نلاحظ في المعاملات اليومية والقضايا بين الزوجين، كما تُرفع في دار القضاء قضايا كثيرة تُهمل فيها الحقائق. ويلاحَظ إخفاء الحقائق في المعاملات من بيع وشراء، ويقوم بمثل هذا التصرف بعض أصحاب علم الدين والنشيطون في خدمته في ظاهر الأمر. وهذه التصرفات تصيب الإنسان بقلق واضطراب، إذ كيف لمثل هذه الأفعال أن تبدر ممن يعدّون من العلماء الكبار وأهل العلم ولدى الناس عنهم انطباع جيد. بينما يوصي الله نفسه بعدم مواراة الحق في أي حال، حتى لو كان ضد أنفسكم أو الوالدين أو الأقارب. فهؤلاء الناس يُخفون الحق أو يراوغون في الحديث أو يعرضون عن الإدلاء بشهادة الحق مراعاة لعلاقات الصداقة فقط، وهم يكونون قد استعدوا لتأييد موقفهم وجمعوا الأدلة للدفاع عنهم في حالة الاعتراض. لكن تذكَّروا على الدوام أن الله يقول أنه عليم بما تعملون. ويستحيل خداعه، ويقول أنكم قد تكسبون منافع هذه الدنيا، لكنه سيؤاخذكم في العالم الآخر حتى لو نجوتم من البطش هنا في هذه الدنيا.

المسيح الموعود شاهدًا بالقسط على آبائه

إن الله العليم بكل أعمالنا وتصرفاتنا، سيضع أمامكم سجل أعمالكم كلها، الذي حُفظ فيه كل شيء. أما الإمام الذي آمنّا به فقد أقام مستجيبا لأوامر القرآن أمثلة حيَّرت حتى الأغيار. يروى من سيرته (عليه الصلاة والسلام) أنه مثُل قبل مدة من إعلان دعواه، أي أيامَ الشباب، أمامَ المحكمة كشاهد في قضية كان والدُه قد رفعها ضد المزارعين، وتكلَّم وأدلى بشهادته بما يقتضيه العدل، الأمر الذي كان في مصلحة المزارعين، وخسر والده القضية. وكان المحامي قد قال له من قبل إنه إذا لم يشهد كما يقول له هو فسوف يخسر القضية، لكنه قال: إنما سأقول الحق فقط. ثم حكم القاضي إثر شهادته لصالح المزارعين، لكنه كان فرحا مسرورا حتى ظن الذين رأوا حضرته عائدا من المحكمة فرحا بشوشا، بعد صدور الحكم ضد والده، كأن الحكم صدر لصالحه.

فهذا هو نموذج الخادم الصادق للرسول الذي آمنا به، وثمة حاجة إلى محاسبة أنفسنا في أمر شهاداتنا واضعين هذا النموذج نُصبَ أعيننا.  فلا تكونوا وصمة عار في جبين جماعتكم. إن كثيرا من قاطني هذه البلاد الغربية يُخفون دخلهم عن الحكومات، متهربين من أداء الضرائب أو ساعين لنيل مساعدات من الحكومات، ولكن الآن إذ تدهورت أحوال العالم المادية باتت حكومات البلاد المتطورة أيضا تفحص هذه الأمور بدقة، وحيثما يساورهم شكٌّ يحققون بسرعة، لذا على الأحمديين أن يتحملوا الخسارة الدنيوية ويلتزموا بالصدق دوما لحماية أنفسهم والجماعةِ من سوء السمعة، وفضلا عن ذلك لنيل رضوان الله تعالى. إن كانت نيتكم حسنة وتمسكتم بأهداب العدل بقوة شهداء لله وجعلتم شهاداتكم مبنية على القول السديد، فالله الذي هو الرب والرزاق سيهيئ لكم الأسباب بنفسه ويبارك في رزقكم من عنده، فعلينا أن نحاسب أنفسنا دوما، وإن لم نسعَ لإقامة معايير االعدل بشهادة الحق فلا يمكن أن يستقر أمن البيوت وسكينتها، ولا أمن المجتمع والمنطقة التي نسكن فيها، والتخلي عن العدل سيؤدي إلى الفرقة بين أفراد الجماعة أيضا والتنافر فيما بينهم.

من الغريب أن بعض الناس يبْلغون في قول الزور والظلم مبلغا عظيما، حتى إن بعض الآباء قد اشتكوا إليَّ أنهم كلما خُطبت ابنتهم المطلقة يتصل أهل زوجها السابق بأهل خطيبها ليشوهوا سمعة ابنتهم كذبا وزورا. وكذلك يأتيني بعض الأصهار الذين يسيء لهم أحماؤهم ويشهدون زورا ضد أصهارهم ويسعون لفسخ زواجهم ولإحداث خلل في ذلك. إنه شيء خطير للغاية ومدمّرٌ لأمن المجتمع وقاطعٌ لعهد البيعة وينم عن الابتعاد عن أحكام الله تعالى. إن الله تعالى أحسنَ إلينا إذ وفّقنا للإيمان بإمام الزمان وجعلنا إخوة لبعضنا ولكننا نسعى للانتقام من بعضنا البعض من أجل بعض مصالحنا أو لإشباع أنانيتنا أو بسبب ما نكنّه من البغض والعناد في قلوبنا، ونبْلغ في الانتقام درجة حتى نُـخرجَ خوف الله تعالى من قلوبنا. وإذا ظُلم أحدٌ بحسب زعمه فبعد البتّ والانفصال يجب أن تبتعدوا عن الظالم ولا تتعقّبوه واتركوا الأمر لله تعالى الذي هو خبير بكل أمر، فمن سعادة المؤمن أن يتوكل على الله تعالى.

لم يرد هذا الأمر في أىّ كتاب ديني آخر. ولا يجوز التمييز بين الناس من حيث إقامة العدل، بل كل شخص سواء أكان مسلما أو غيره يستحق أن يُعامَل بالعدل. بل يجب التصرف بالعدل حتى عند التعامل مع الأعداء، بل يجب الانتباه إلى ذلك بوجه خاص. فما أجمل هذا التعليم! ولكن من المؤسف حقا أن تصرفات بعض المسلمين على الرغم من وجود هذا التعليم قد شوّهت سمعة الإسلام في أعين غير المسلمين.

كيف تطبق خير أمةٍ العدل بأعلى مستوياته؟!

ثم وصانا الله تعالى بعد إقامة العدل والإنصاف والصدق في مجتمعنا بأن من مسؤوليتنا – إضافة إلى أمورنا الشخصية والإجتماعية والقومية- إقامة العدل على الصعيد العالمي، وذلك بإراءة نماذج علي للعدل مع الأقوام الأخرى، فإن لم تقيموا ميزان العدل والإنصاف مع الأعداء فسوف تُحسبون ممن لا يسلكون سبيل التقوى. كما ورد في الآية رقم 9 من سورة المائدة التي قد تلوتها، يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .

أحيانا يعتدي أصحاب الديانات الأخرى على المسلمين بسبب الاختلاف الديني. ففي هذا الوضع لا يجوز للمؤمن أن يرد الاعتداء بمثله نابذًا مقتضيات العدل والإنصاف.

ذات مرة  قال خليفةُ المسيحِ الأولُ في درس القرآن أن الآريين في هذه الأيام يسعون دائما وراء طرد المسلمين من وظائفهم، فإذا فعلوا ذلك فليس لمسلم أن ينتقم منهم، لأنه في هذه الحالة سيكون ممن لا يعملون بحسب هذا الحكم الإلهي. لا يجوز لمؤمن أبدا ألا يعدل، بل عليه أن يعدل ويتّقي الله ويترك أمره على الله تعالى الخبير بكل شيء، ومن واجب المؤمن الحقيقي أن يعتصم بأحكام الله تعالى ويثبُت عليها ولا يغفل عنها مثقال ذرة، ومن واجب المؤمن أن يُريَ نموذج المسلم الحقيقي، بحيث يكون كل عمل له وكل فعل له لوجه الله تعالى فقط، فتلك سمة المؤمن الحقيقي. وإنما المراد «الشُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ» هو الملتزمون بتعاليم الإسلام والعاملون بها بحيث يصبح كل عملكم نموذجا يحتذى به ومثالا يقتديه الناس من أهل الأمم والديانات الأخرى في المجتمع.

في المجتمع الغربي، ذاع الحديث على مستوى واسع عن تظالم المسلمين فيما بينهم، فيقال كيف لمن يفتقرون إلى إنصاف أهل دينهم أن يقيموا ميزان العدل والإنصاف مع أقوام أخرى؟! هذه مأساة فادحة، فالمسلمون أنفسهم يسيؤون إلى سمعة الإسلام بسبب تصرفاتهم. يغتصب الحكام حقوق رعاياهم، والرعايا يحاربون حكامهم، وتتعرض المساكن والعمران للدمار نتيجة المظالم، والأحزاب الإسلامية المزعومة يقتلون شعبهم ويقومون بتصرفات ظالمة في بلاد أخرى أيضا ويبرّرون ظلمهم بقولهم: إن أهل الغرب يقتلون أهلنا، فمن حقنا أن نثأر وننتقم، ومع أن المسلمين هم الذين يقتلون المسلمين إلا أنهم يستعينون بغير المسلمين. لقد ظهرت مؤخرا خطة جديدة لحزب المتطرفين، الذين يشنون هنا هجمات في مختلف المدن والبلاد، أنهم سيهاجمون الأطفال وسيقتلون الأولاد أمام آبائهم بدعواهم أن أهل الغرب بطائراتهم القاذفة للقنابل قصفوا بلادنا وقتلوا رجالنا وأولادنا ودمّروا عمراننا، مع أن هذا القصف كله كان بطلب من الحكام المسلمين. باختصار، هذا العداء يولّد مزيدا من العداء ولا تنقطع هذه السلسلة أبدا، لذا قال الله تعالى:

لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ،

بل لا بد أن تعدلوا في كل حال. وإنما يزداد الظلم لأن متطلبات العدل لا تُحقَّق، وغير المسلمين يعارضوننا لأن نماذج المسلمين العملية تناقض تعاليم الإسلام، مع أنه كان يكفي أن يبشّر المسلمون بالإسلام مُبدين نماذجهم العملية ومُخبرين العالم بتعاليم الإسلام الجميلة، ولكن الواقع عكس ذلك ولا يُرى في البلاد الإسلامية إلا الظلم.

فالإدلاء بالشهادة في حق الإسلام وفي حق الله تعالى لا يمكن إلا ببيان جمال التعليم الإسلامي. وما أجمل ما أمر به القرآن الكريم:

لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا !

لم يرد هذا الأمر في أيّ كتاب ديني آخر. ولا يجوز التمييز بين الناس من حيث إقامة العدل، بل كل شخص سواء أكان مسلما أو غيره يستحق أن يُعامَل بالعدل. بل يجب التصرف بالعدل حتى عند التعامل مع الأعداء، بل يجب الانتباه إلى ذلك بوجه خاص. فما أجمل هذا التعليم! ولكن من المؤسف حقا أن تصرفات بعض المسلمين على الرغم من وجود هذا التعليم قد شوّهت سمعة الإسلام في أعين غير المسلمين. وهذا ما يقوم به عامة المسلمين ومشايخهم وحكامهم أيضا. ولكن تصرفاتهم هذه يضع علينا وِزرًا ثقيلا، ألا وهو أن نثبت للعالم بعملنا كم هو تعليم الإسلام مبني على العدل والإنصاف! وهذا التعليم وحده يضمن الأمن والسلام في العالم. كيف اهتم رسول الله بدقة متناهية أن يعمل أصحابه بالعدل والإنصاف؟! أضرب لكم بعض الأمثلة على ذلك.

في المجتمع الغربي، ذاع الحديث على مستوي واسع عن تظالم المسلمين فيما بينهم، فيقال كيف لمن يفتقرون إلى إنصاف أهل دينهم أن يقيموا ميزان العدل والإنصاف مع أقوام أخري؟! هذه مأساة فادحة، فالمسلمون أنفسهم يسيؤون إلى سمعة الإسلام بسبب تصرفاتهم

أسوتنا الحسنة.. لا تظلموا ظالميكم

ذات مرة أرسل النبي بعضَ الصحابة إلى مكة للاستطلاع، وذلك حين كانت الخطر محدقا بالمسلمين وكان هناك قلق دائم من هجوم الأعداء وإلحاق الضرر بالمسلمين. عندما ذهب الصحابة في سرية استطلاعية وجدوا بعضا من قوم الأعداء في حدود الحرم، فدار ببال المسلمين أن الأعداء آذوهم كثيرا فيما سبق، وإذا تركوهم وشأنهم سيوصلون هذا الخبر إلى أهل مكة سياهجمونهم ويقتلونهم. فبناء على هذه الفكرة هاجم الصحابة المستطلعون الكفارَ وقتلوا اثنين منهم. عندما وصل الصحابة إلى المدينة لحِقَهم مندوبو أهل مكة وقالوا للنبي إن رجالكم قتلوا اثنين من رجالنا داخل حدود الحرم. لم يقل النبي لهم بعد سماع كلامهم إنكم أيضا ظلمتمونا كثيرا، وإذا حدث ذلك معكم فلماذا تصرخون؟ بل قام بما ينبغي فورا وقال ما مفاده: إن ما حدث لا يصح بأي حال وينافي العدل. (من الممكن أن الكفار بسبب وجودهم في حدود الحرم لم يحاولوا الدفاع عن أنفسهم على ما يرام). وقال أننا سندفع الدية بحسب عادة العرب. ثم دفع النبي الدية فعلا، وإلى جانب ذلك زجر الصحابة على قيامهم بما لا مُسَوِّغَ له.

كذلك يُروى أن الصحابة قتلوا خطأ امرأة في إحدى المعارك، وعندما علم النبي بذلك سخط على الصحابة بشدة. وتذكر إحدى الروايات أنه لم تلاحَظ على وجهه علامات السُخط مثلها من قبل. قال الصحابة أنها قُتلتْ خطأ، ولكن النبي تأذى كثيرا من هذا الخطأ والعدول عن العدل. ثم انظروا كيف حكم النبي بالعدل في قضية بين يهودي ومسلم. لقد جاء في رواية:

“كَانَ لِيَهُودِيٍّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِي عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهَا فَقَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى خَيْبَرَ فَأَرْجُو أَنْ تُغْنِمَنَا شَيْئًا فَأَرْجِعُ فَأَقْضِيهِ قَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ ثَلَاثًا لَمْ يُرَاجَعْ فَخَرَجَ بِهِ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ إِلَى السُّوقِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةٌ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِبُرْدٍ فَنَزَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَاتَّزَرَ بِهَا وَنَزَعَ الْبُرْدَةَ فَقَالَ اشْتَرِ مِنِّي هَذِهِ الْبُرْدَةَ فَبَاعَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعَةِ الدَّرَاهِمِ… وسدّد دَينه.”

فهذه هي أسوة العدل الحسنة التي ضرب بها النبي نماذج العدل المثلى، لم يقل لليهودي أن الدائن يطلب مهلة فأمهِلْه، بل قال للصحابي أن يسدد دَينه فورا. فاضطر الصحابي إلى بيع ثيابه. إذًا، هذا هو معيار العدل والإنصاف الذي لو احتفظنا به على كافة الأصعدة لكنا من المؤمنين الحقيقيين بالمسيح الموعود ، وسنتمكّن من تحقيق الهدف من بعثته . لقد بُعث المسيح الموعود لنشر تعليم النبي وإبداء محاسنه للناس ليجتمع الناس أكثر فأكثر تحت لوائه . ولكن هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا أرشدنا العالم بالحق وإلى جانب ذلك أقمنا العدل والإنصاف عاملين بتعليمه . فالآية التي تلوتُها في مستهل الخطبة من سورة الأعراف يقول الله تعالى فيها:

وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (الأَعراف: 182).

الذين كانوا يهدون بالحق دائما هم الذين يُدْلون بشهادة الحق ويقيمون العدل. فما لم يكن الإنسان قائما على الهداية بنفسه، أنّى له أن يهدي الآخرين؟! وما لم يكن ثابتا بنفسه على العدل كيف يعدل مع الآخرين؟ فإذا أردنا أن نفي بعهد بيعتنا للمسيح الموعود ، وننجز مهمته ونبلّغ دعوة الإسلام إلى العالم، ونؤدي حق التبليغ، فلا بد لنا من التحلي بالأخلاق الفاضلة بحسب المبدأ الذي بينه تعليم الإسلام، وما قاله رسول الله ثم أمرنا المسيح الموعود بالعمل بحسبه. فما لم تكن شهاداتنا بالحق، وما لم تكن علاقاتنا في البيوت والمجتمع مبنية على أوامر النبي ، وما لم تكن قلوبنا خالية من البُغض والشحناء تجاه أعدائنا، فلن يكون تبليغنا الدعوة مدعاة للهداية الحقيقية. وسيقول الناس نظرا إلى أعمالنا ومعايير عدلنا أن عليكم أن تَهْدُوا أنفسكم أولا، وقوموا بالعدل في مجتمعكم أولا ثم يمكنكم أن ترشدونا إليه. فهذه مسؤولية كبيرة تقع على كل أحمدي، أي أن عليه أن يفتح أبواب تبليغ الدعوة بعمله. وأبواب التبليغ التي سوف تفتح بواسطة أعمالنا وأفعالنا، والذين سيتعرفون على الإسلام بالنظر إلى أعمالنا لن يسعهم إلا الاعتراف بمحاسن الإسلام ومزاياه.

وفقنا الله تعالى للعمل بأوامر الله تعالى وتغيير الحياة بحسبها ولتحقيق عهد بيعة المسيح الموعود عليه السلام كما هو حقها، ووفقنا الله تعالى لنكون نموذج الهداية والعدل للآخرين. آمين.