رمَضان والفرصة المواتية لاستعادة التقوى المفقودة
التاريخ: 20170602

رمَضان والفرصة المواتية لاستعادة التقوى المفقودة

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
__
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 184)

نحمد الله على أننا وجدنا فرصة لنشهد شهر رمضان آخر في حياتنا. لقد قال النبي ذات يوم: لو علمتم ما في رمضان من الفضائل لتمنيتم أن يظل رمضان السنة كلها. عندها سأل أحدهم حضرته عن فضائل رمضان، فأجاب : إن الجنة لتتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول. وفي رواية:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

إذًا، لا يقتصر فضل رمضان على أيام هذا الشهر فقط ولا على الامتناع عن الأكل والشرب، فلا يتم الاستعداد عند الله ولا تتزين الجنة لهذا الغرض فقط. لذا فقد قال النبي بكل وضوح في حديث آخر أنه من صام رمضان وهو مؤمن حق الإيمان وقضاه محاسبا نفسه ليل نهار فهو الذي ينال هذه الدرجة *. فإذا قضى المرء رمضان بهذه الحال، عندها فقط تُغفر له ذنوبه السابقة ويزداد إيمانا وينتبه إلى نقاط ضعفه ويحاسب نفسه على أعماله وينتبه إلى حقوق الله وحقوق العباد ويحاول أن يجعل أعماله خاضعة لمشيئة الله تعالى، فلو فعل ذلك لغُفر ما تقدم من ذنوبه. هذا هو الهدف الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم للصيام في الآية التي تلوتها. وقيل فيها بأنه كُتب عليكم الصيام في شهر رمضان كل سنة لعلكم تتقون.

التقوى والغاية المرجوَّة من الصيام
المراد من التقوى هو أن يكون كل عمل من أعمالكم لنيل رضا الله تعالى، ففي هذه الحالة فقط تستطيعون أن تستفيدوا من الصيام وتجتنبوا هجمات الشيطان. فإذا صمتم لوجه الله خالصة متمسكين بأهداب التقوى فستحظون بحماية الله تعالى. ولو حظي المرء بحماية الله تعالى لتحصَّن من هجمات الشيطان، وإلا فهناك تحدٍّ معلَن من الشيطان أنه كلما حُرم الإنسان من حماية الله بطش به الشيطان فورا. إذًا، إن التقدم في الإيمان ومحاسبة النفس هما يجعلان الإنسان يحظى بحماية الله، وهذا لا يمكن حدوثه إلا إذا كان المرء يسلك درب التقوى.
كيف يجب أن يكون حال ومستوى إيمان الإنسان وتقواه؟! هذا لا يمكن أن يخبر عنه إلا مَن كلّفه الله تعالى بهذه المهمة، لا يمكن العثور على جواب شاف بهذا الخصوص في العصر الراهن إلا بواسطة الخادم الصادق للنبي وإمام الزمان، لأن الله تعالى بعثه بوجه خاص لهذا الغرض. وكان مقدَّرا له وحده أن يعيد الإيمان إلى الأرض ويعلّم الناس أساليب خلق التقوى وترسيخها في القلوب. فنرى أن كتبه ومحادثاته في المجالس وتعاليمه ترشدنا إلى تحقيق هذا الهدف من زوايا مختلفة. قال رسول الله :

«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.»

وهذا ليس بأمر هيّن. لقد أخبرنا المسيح الموعود أنه لا يمكن للمرء أن يحظى بالإيمان الحقيقي ما لم يعرف اللهَ حق المعرفة. فقال :

«المهمة الكبيرة التي يجب أن ننجزها هي معرفة الله تعالى، وإذا كانت معرفتنا بالله تعالى ناقصة ومشتبهة وضبابية فلا يمكن أن يكون إيماننا ناصعا وساطعا. وكيف يتأتى لنا معرفة الله تعالى؟ ستحقق مبتغانا هذا بتجلي صفة الله تعالى «الرحيم»، وهذا يحدث نتيجة إقامة العلاقة مع الله تعالى، وفي هذه الحال تتجلَّى علينا صفات رحيمية الله تعالى وفضله وقدرته. ولا يمكن للمرء أن ينعم بتلك التجليات إلا إذا كان يعبد الله تعالى وكان على صلة متينة به

يقول المسيح الموعود :

«عندما تتجلَّى على الإنسان صفات رحيمية الله تعالى وفضله وقدرته، تنقذه هذه الصفات من الأهواء النفسانية. والمعلوم أن الأهواء النفسانية تطل برأسها نتيجة ضعف الإيمان واليقين. (فإن لم يكن الإيمان ضعيفا بل كان المرء يؤمن بالله إيمانا كاملا فلا تنشأ الأهواء النفسانية).»

يقول :

«بقدر ما يحب الإنسان راحة هذه الدنيا وأملاكها وثرواتها لا يحب نِعَم الحياة الأخروية بالقدر نفسه. إن قول الإنسان بلسانه فقط أنه يحب نعماء الآخرة، لا يعد شيئا، لأنه إذا كان يحب نعماء الحياة الآخرة في الحقيقة لسعى للحصول عليها بالقدر نفسه الذي يسعى للحصول على الأشياء الدنيوية بل أكثر من ذلك».

إذًا، يتبين من ذلك أن الإيمان الحقيقي بقدرة الله ورحيميته ووعوده مفقود وهناك حاجة ماسة إلى الانتباه إلى هذا الأمر. ولا يمكن استيعاب هذا الموضوع جيدا إلا بعد الشرح والتوضيح أن الإيمان ليس بشيء بسيط، بل هو أمر عظيم وهدف عظيم نصبو إلى تحقيقه. فلا يكون الاستعداد للصيام إلى ثلاثين يوما أو لحلول شهر رمضان فقط، إذ لا أهمية لهذين الأمرين في حد ذاتهما، بل إن أهميتهما تتجلى وتتحقق إذا شملت مساعينا كلها أعمالا نكسبها على مدى العام كله نتيجة تلقينا التربية والتدريب في هذا الشهر.

المراد من التقوى هو أن يكون كل عمل من أعمالكم لنيل رضا الله تعالى، ففي هذه الحالة فقط تستطيعون أن تستفيدوا من الصيام وتجتنبوا هجمات الشيطان. فإذا صمتم لوجه الله خالصة متمسكين بأهداب التقوى فستحظون بحماية الله تعالى.

صيامنا على المحك.. الإيمان الحقيقي يبدأ بمحاسبة النفس
لقد وضَع النبي أمامنا دستور العمل للحياة كلها في جملتين. ولكن يجب أن يكون معلوما أنه لا يكفي أن نقول بأفواهنا فقط أننا صمنا إيمانًا واحتسابًا، وبالتالي لابد الآن أن تُغفَر لنا جميع ذنوبنا لأن النبي قال ذلك. كلا، ليس الأمر كذلك، بل عندما قال النبي : من صام إيمانًا واحتسابًا، فهذا يعني أنه ينبغي علينا اختبار إيماننا على هذا المحك الذي هو محك للارتقاء في العلاقة مع الله تعالى، وهو محك للعمل بأوامره تعالى. فينبغي أن نرى ما إذا كنا نعمل بأوامره أم لا؟
يقول سيدنا المسيح الموعود عن حالة الإيمان وإصلاحها:

«الحق أن الإيمان بالله نوعان. الأول هو الذي يقتصر على الإقرار باللسان فقط ولا يؤثر في الأعمال والأفعال شيئا. والنوع الثاني من الإيمان بالله هو الذي ترافقه الشهادات العملية. فما لم تكن لدى المرء تلك الشهادات العملية لا يمكنني القول أنه يؤمن بالله تعالى. والذي لا أستطيع فهمه هو أن يؤمن المرء بالله ثم يرتكب الذنوب أيضا. الجزء الأكبر من أهل الدنيا مؤمنون من النوع الأول. أعلم جيدا أنهم يقولون بالإيمان بالله، ولكني أراهم مع قولهم هذا متلطخين بنجاسات الدنيا وشوائب الذنوب. فلماذا لا تتولد فيهم مزيَّة الإيمان بالله مع إيمانهم به عز وجل حاضرا وموجودا في كل مكان؟ ترون أن الإنسان إذا وجد أحط الناس درجة أيضا في المجتمع حاضرا أمامه فلا يسرق مالَه، فلماذا يتجاسر على معصية الله ومخالفة أحكامه مع إقراره بوجوده؟ (وادعائه الإيمان به)»

قال حضرته:

«أعترف أن معظم الناس في العالم يقولون بلسانهم أنهم يؤمنون بالله تعالى، ومنهم من يسميه «برميشور»، ومنهم من يناديه God، ويسميه غيرهم باسم آخر. ولكن عندما يُمتحَن إيمانهم وادعاؤهم هذا عمليا نضطر إلى القول بأنه ادعاء فارغ فحسب لا ترافقه شهادة عملية.»

«من طبيعة الإنسان أنه إذا أيقن بوجود شيء سعى لاجتناب مضرته وحاول الاستفادة من منافعه. فمثلا لا يُقْدِمُ المرء على تناول سم الفأر لأنه يعلم أن مثقال ذرة منه أيضا يكفي لهلاكه، فلماذا لا تتولد بعد إيمانه بالله تعالى نتائج الإيمان الحقيقية؟! إذا كان الإنسان يؤمن بالله إيمانَه بتأثير سم الفأر لخيّم الموتُ على عواطفه وأهوائه. وإلا فلا بد من القول بأن إيمانه ليس إلا محض ادعاء، ولم يرتقِ إلى اليقين، بل صاحبُه يخدع نفسه عند ادعائه الإيمان بالله. (فينبغي أن يرتقي الإيمان إلى درجة اليقين الكامل، ويصطبغ بصبغته، إذ بدون ذلك اليقين لن يكون معنى ادعاء الإيمان إلا خداع النفس، أي منخدع من يقول بدون تحقق هذا الأمر أنه يؤمن بالله)»

يقول حضرته :

«فالواجب الأول على الإنسان هو أن يصلح إيمانه بالله، أي يُثبت بأعماله ألا يصدر منه ما يخالف عظمة الله وأوامره».

فهذا هو طريق المؤمن لمحاسبة نفسه. إن شهر رمضان يتيح لنا جوًّا خاصًّا حيث ينتبه الإنسان إلى العبادات والحسنات تلقائيًا نظرًا إلى اهتمام الآخرين بها، ففي مثل هذا الجو ينبغي علينا التوجه إلى العبادات والتركيز على كسب الحسنات والاهتمام بالأعمال الصالحة والاستغفار على ما تقدّم من ذنوبنا من خلال الخضوع أمام الله تعالى. ثم ينبغي أن نجعل رمضان كذلك جزءًا دائمًا من حياتنا المستقبلية، وينبغي أن نسعى جاهدين أن لا نقترب من تلك الذنوب التي غُفرت لنا، ونحافظ على العبادات التي قمنا بها والتغييرات التي أحدثناها ونحافظ على ما فُتح لنا فيه من أبواب الجنة، وعلينا بذل السعي خاضعين لله بكل تواضع لنظل مستفيضين بفيوض الله تعالى، ونحقق مستويات مطلوبة للتقوى التي وضعها الله تعالى هدفًا للصوم.سأقدم من خلال أقوال المسيح الموعود بعض الأمور التي أفهمَنا إياها بطرق شتى من أجل الرقي في التقوى. لا تترقى الحالة الإيمانية للإنسان إلا عندما يترقى في التقوى. ومعنى قول النبي المذكور:

«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»

هو: إن قضيتم هذه الأيام محققين الرقي المطلوب في التقوى جاعلين حالتكم تابعة لرضى الله تعالى – وإن نجحتم في تحقيق ذلك- فستصبح التقوى جزءًا من حياتكم، وفي هذه الحالة لن يقتصر الأمر على تحسين الحالة العملية في رمضان بل سيصبح هذا الفيض جاريًا مستمرًّا. لقد وجّهنا إليه المسيح الموعود وقال: كان هدف القرآن وتعاليم الإسلام هو خلق التقوى، إلا أنه لا يُرى متحققًا اليوم لأن المسلمين يصومون ويصلون ولكن صلاتهم وصيامهم تجعلهم مذنبين لتجردهم من التقوى. وما نراه اليوم من إرهاب يمارَس باسم الإسلام ويتم به قتل الأبرياء، سببه انعدام التقوى. وتحدث يوميًا مثل هذه الأعمال على يد بعض المسلمين. وقبل يومين قُتل في أفغانستان قرابة مائة شخص بطريقة ظالمة للغاية. هل يمكن أن يفيد رمضان هؤلاء؟! أو هل يمكن أن يحظوا بفضائل رمضان وفيوضه؟! كلا، لأنهم يعملون خلافًا لأوامر الله، ويبتعدون عن أحكامه تعالى وبالتالي إنهم مبتعدون عن التقوى. ويتوافق تمامًا مع التعليم القرآني القول الآتي للمسيح الموعود :

«إن الصلوات بدون التقوى لا جدوى منها بل هي مفاتيح جهنم»

أي توجه مثل هذه الصلاة صاحبها إلى الجحيم. فكيف يمكن أن يفيد رمضان مثل هؤلاء الناس الذين هم متجردون من التقوى؟!

من طبيعة الإنسان أنه إذا أيقن بوجود شيء سعى لاجتناب مضرته وحاول الاستفادة من منافعه. فمثلا لا يُقْدِمُ المرء على تناول سم الفأر لأنه يعلم أن مثقال ذرة منه أيضا يكفي لهلاكه، فلماذا لا تتولد بعد إيمانه بالله تعالى نتائج الإيمان الحقيقية؟!

رمضان مدعاة لاستغفار الله وشكره أيضا
إن الذين يظلمون الناس باسم الله ورسوله لن ينالوا من بركات رمضان شيئا، بل سيقعون تحت بطش الله. ففي الوقت الذي نسمع فيه ونرى أحداث الفظائع والوحشية هذه، علينا نحن المسلمين الأحمديين أن نستغفر الله أكثر ونحمد الله أكثر على أنه قد فصَلنا عن هؤلاء الظالمين بتوفيقنا للإيمان بالمسيح الموعود ، وأن نفحص أعمالنا ونهتم بتقوية إيماننا. علينا أن نشكر الله على أن مسيحه الموعود قد هدانا إلى السبل الموصلة إلى الله تعالى. لقد قال :

«إن جذر الإيمان هو التقوى والطهارة، فبها يبدأ الإيمان، وبها يروى، وبها يُكبَح جماح أهواء النفس.»

فقوله هذا قد زاد الأمر وضوحا وهو أن الإيمان لا يتولد بغير التقوى، وأن التقوى ليست جذر الإيمان فحسب بل بدونها لا يحفظ الإيمان ولا ينمو. بوجود التقوى تنشأ الأعمال الصالحة، وبوجود الصالحات، أي الأعمال التي تتم بحسب رضا الله تعالى، يزداد الإيمان. لقد تبين من ذلك أيضا أن ثمار فضائل رمضان لا تجنى بدون الترقي في التقوى. فبزيادة التقوى يزداد المرء إيمانا ويهتم بفحص نفسه، فإذا فحص نفسه وأعماله تمكن من كبح جماح أهوائه. وكما ذُكر آنفا فإن كبح جماح أهواء النفس هو الذي يساعد على العمل بأحكام الله وعلى الفوز بقربه تعالى.

التقوى الحقة وخشية الله
وقال المسيح الموعود وهو يوضح التقوى الحقيقية أكثر:

«لقد اندثرت من الدنيا التقوى الحقة التي تطهّر الإنسان وتنقيه، تلك التقوى التي من أجلها يأتي الأنبياء. قليل هم الذين يصدق فيهم قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا إن النقاء والطهر شيء رائع. إذا كان الإنسان طاهرا نقيا صافحته الملائكة. الناس لا يهتمّون بالطهارة وإلا لوجدوا كل لذة منشودة في الحلال بدلاً من الحرام. السارق يسرق من أجل المال، لكنه لو صبر لأغناه الله بطريقة أخرى. ويقع الزاني في الفاحشة لكنه لو صبر لأشبع الله رغبته بطريقة أخرى فيها رضاه سبحانه وتعالى.»

وقال :

«ورد في الحديث الشريف: لَا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وهو مؤمن ولَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ. (أي لا تُرتكب هذه المنكرات إلا وقت خروج المرء من حالة الإيمان). إذ لا تقدر الشاة على أكل الحشيش إذا كان الأسد واقفا على رأسها. (معنى ذلك أن الذين يقعون في هذه المنكرات لا يكون عندهم الإيمان كإيمان الشاة أيضا)»

وتطرق الحديث عن الأمر نفسه في مجلس آخر، فقال :

«ورد في الحديث الشريف لا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وهو مؤمن. وهذا حق تماما. الشاة تنسى أكل الحشيش دَعْك من أن ترعى في حقل الجار إذا ما كان الأسد قائما على رأسها. كذلك يستحيل أن يقع الإنسان في الإثم وهو يخاف الله تعالى.»

وقال :

«التقوى هو الأصل المنشود، ومَن أوتيها فقد أوتي كل شيء، وبدونها يستحيل على الإنسان تجنُّب الصغائر والكبائر. إن أحكام الحكومات المادية لا تقدر على إنقاذ الناس من الآثام، لأن الحكام لا يمشون مع الناس كل وقت حتى يخافوهم. إن الإنسان يقع في الإثم ظنًا منه أن لا أحد معه، وإلا لما وَقع فيه. وحين يظن أن لا أحد معه يكون ملحدا. (فعندما يظن أن لا أحد معه فهو يظن أن الله لا يراه، لذلك فإنه يُعَدّ ملحدا في ذلك الوقت. إنه لا يفكر أن الله معه وأنه يراه وإلا لم يقع في الإثم).»

التقوى ودعاء القرآن
وقال :

«إن التقوى هي كل شيء. وكل شيء متوقف على التقوى. لقد ابتدأ القرآن الكريم بالتقوى، فقوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إنما يعني التقوى نفسها. أي أن الإنسان يقوم بالعمل لكنه لا يجرؤ على أن ينسب عمله إلى نفسه، هيبةً من الله بل يرى أنه إنما وُفّق لذلك العمل بعون الله، فيطلب منه المزيد من المعونة. حيث يقول: إيَّاكَ نَعْبُدُ ، فمع أنه يقوم بعمل العبادة، قائلا إننا نعبدك، لكنه لا ينسب عمل العبادة إلى نفسه بل لا يلبث أن يقول: وإياك نستعين، أي أن هذه العبادة التي أقوم بها إنما هي نتيجة عونك، يا رب، وتوفيق منك، وإلا فإني لا أستطيعها أيضا. فهذا هو معيار التقوى الذي يجب أن نبلغه.»

ثم يقول :

«والسورة التالية أيضا تبدأ بالتقوى أعني قوله تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . إن الصلاة والصوم والزكاة كل ذلك لا يحظى بالقبول إلا إذا كان صاحِبُها من المتقين. (فإنما تُقبَل أعمال الإنسان إذا كان متقيا وإلا فلا)»

ثم يقول حضرته:

«عندها يزيل الله تعالى دواعي الإثم كلها (أي إذا كان المرء من أصحاب التقوى الكاملة فإن الله يزيل من أمامه كل ما يرغّبه في الإثم) فإذا كان بحاجة إلى الزوجة أعطاه إياها، ولو كان بحاجة إلى الدواء هيأ له الدواء. إنه تعالى يسدّ له كل حاجة من حاجاته، ويرزقه من حيث لا يحتسب.»

ويقول :

«هناك آية أخرى في القرآن الكريم وهي: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا

فقال :

«إن المراد من المذكورين فيها أيضا المتقون، أي الذين قالوا ربنا الله ثم تمسكوا بهذا المعتقد بصبر، أن الله هو ربنا، وهو الذي يسد جميع حاجاتنا، وهو الرب، تتنـزل عليهم الملائكة، قائلين: لا تخافوا ولا تقلقوا على ما صدرت منكم من أعمال في الماضي، لأنكم قد تحليتم بالتقوى الآن.»

يقول حـضرته:

«إن المراد من هؤلاء هـنا أيضا المتـقون. ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي قد زُلزلوا وواجهوا الابتلاءات وهبت عليهم العواصف ولم ينقضوا العهد الذي قطعوه معه. فقد عاهدوا الله بالثبات والصبر. لا ينتظرون كل سنة أن يأتي رمضان فيعملوا به، ويتحلوا بالتقوى فيه، وأن أبواب الجنة تفتح لهم لشهر واحد، كلا، بل هو مشروط بالاستقامة.»

يقول حضرته:

«ثم يقول الله : حين أبدَوا الصدق والإخلاص تنـزلت عليهم الملائكة جائزةً لهم أي تنـزل عليهم الملائكة وتقول لهم لا تخافــــوا ولا تحزنوا، إن الله يتولاكــــــم. وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي افرحوا بهذه الجنة وتلك الجنة.»

يقول حضرته:

«إن المراد من هذه الجنة الجنةُ في هذه الدنيا وليست جنة العالم الآخر. بل الله يبشر المتقين بالجنة في هذه الدنيا، كما ورد في القرآن الكريم وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . وبعد ذلك ورد نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ فالله يغفر ذنوب الذين يعملون الحسنات بصبر ودوام، وليس ذلك فحسب بل يكرمهم بالنعم المادية ويكون وليَّهم وكفيلهم في الآخرة أيضا. ما أسعد حظَّ أولئك الذين يسعون منا أن يعيشوا رمضان محدثين في نفوسهم تغييرا ومستجيبين لأوامر الله بصبر ويداومون على ذلك.»

يقول سيدنا المسيح الموعود أكثر عن التحلي بالتقوى والاستقامة:

«المؤمن الصادق يضطر إلى الصبر في بداية الأمر. لقد أتى على الصحابة أيضا حينٌ من الزمن عاشوا فيه على أوراق الأشجار إذ لم تتيسر لهم حتى كسرة خبز في بعض الأحيان. لا يسع أحدا أن يُحسن إلى أحد ما لم يشأ الله. عندمـــــــــا يتقي المرء يفـــــتح الله له بابًا: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (الطلاق:3 – 4). آمِنوا بالله إيمانا صادقا تنالوا كل شيء. فثمة حاجة إلى الاستقامة والصبر. الدرجات التي نالها الأنبياء إنما نالوها بالاستقامة إذ لا يتم شيء بمجرد الصلوات والصيام. (أي القيام بالصلاة وصيام رمضان وحده لن يجدي شيئا، إنما يُنال كل شيء بالصبر). فالله تعالى يريد أن يجعلنا متقين لكي تنفتح علينا أبواب أفضاله بغير حساب. فهو يفتح أبواب فضله للمتقين في رمضان بصفة خاصة.»

لإحراز التقوى لا يكفي مجرد اجتناب السيئات، بل يجب كسب الحسنات أيضا. يقول سيدنا المسيح الموعود في بيان تفصيل ذلك:

«من الضروري لإحراز لقب المتقي، أن يعزم المرء على اجتناب كبائر الذنوب مثل الزنا والسرقة وغصب الحقوق والرياء والعُجب والتحقير والبخل وهجرها نهائيا ويجتنب الأخلاق الرذيلة كلها، ويتقدم مقابلَها في التخلق بالأخلاق النبيلة (أي يجب اجتناب الأخلاق الرذيلة كلها والتقدم في الأخلاق النبيلة، فهذا شرط هام) وينبغي أن يقابل الناس بدماثة وحسن خُلق ومواساة، ويُبدي الوفاء الحق والصدق مع الله سبحانه وتعالى ويبحث عن مقام محمود للخدمات، (أي يجب أن يتحرَّى الخدمات والحسنات غير العادية الجديرة بالثناء عليها) فبهذه الأمور يسمَّى المرء متقيا، وإن الذين يجمعون (في نفوسهم) هذه الأمور هم المتقون الصادقون. (أي إذا كان أحد يتصف بأحد هذه الأخلاق فقط فلن يسمَّى متقيا ما لم تجتمع فيه الأخلاق الفاضلة كلها معا) ففي حق هؤلاء الناس ورد: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 63) فما الذي يريدونه أكثر من ذلك؟ إذ يكون الله (عز وجل) وليا لأمثال هؤلاء كما قال: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (الأعراف: 197) فقد ورد في الحديث أن الله يكون أيديَهم الَّتِي يَبْطِشُون بِهَا وَأعينهُم الَّتي يُبْصِرُون بِها وآذانهم الَّتي يَسْمَعُون بِهِا وَأرجلَهُم الَّتِي يَمْشون بِهَا. وفي حديث آخر ورد: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب». وفي موضع آخر قال : عندما يهاجم أحدٌ وليَّ الله فإن الله يصول عليه كما تصول اللبوة بغضب على من غصب منها شبلها.»
الشاة تنسى أكل الحشيش دَعْك من أن ترعى في حقل الجار إذا ما كان الأسد قائما على رأسها. كذلك يستحيل أن يقع الإنسان في الإثم وهو يخاف الله تعالى.

الغاية من بعثة المسيح الموعود إنما هي استعادة التقوى المفقودة
يقول حضرته موضحا أهمية التقوى والهدف من بعثته:

«إن ما كلّفني الله به إنما هو لأن مجال التقوى خالٍ تماما. يجب التمسك بالتقوى بدلا من رفع السيف، فهو حرام. إن تتقوا الله يحالفكم العالم كله، فاتقوا الله. فالذين يشربون الخمر أو الذين صارت الخمر لديهم الجزء الأعظم من شعائر دينهم لا يمكن أن تكون لهم أدنى علاقة بالتقوى، إنهم يحاربون الصلاح. فلو وهب الله تعالى لجماعتنا حظا سعيدا ووفقهم لمحاربة السيئات والتقدم في مجال التقوى والطهارة لكان ذلك فوزا كبيرا ولا شيء أكثر منه تأثيرا. انظروا إلى أديان العالم كلها ترون أن هدفها الحقيقي أي التقوى مفقودة وقد اتُّخذت وجاهة الدنيا إلها، واختفى الإله الحقيقي ويساء إلى الإله الحق ولكن الله يريد الآن أن يؤمن الناس به وتعرفه الدنيا. والذين يتّخذون الدنيا إلها لا يمكن أن يكونوا متوكّلين على الله.»

ثم يقول حضرته ناصحا إيانا:

«إن الذين يظنون بعد مجرد البيعة أن صاروا بمأمن من بطش الله، إنهم مخطئون وقد خدعتهم نفوسهم. إن لم يتناول المريض دواء بقدر ما يريده الطبيب كان الأمل في الشفاء عبثا.. يجب أن تزكّوا أنفسكم وتتقوا الله إلى درجة تنقذكم من غضب الله. إن الله تعالى يرحم المتبتلين لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لأظلمت الدنيا. إذا كان الإنسان تقيا يجعل الله بينه وبين غيره فرقانا.»

يقول حضرته :

«على أفراد جماعتنا أن يخشوا الله. من كان يتحلى بالتقوى كما يريدها الله تعالى سيُنقَذ. لقد أسس الله هذه الجماعة للتقوى فقط لأن مجال التقوى خالٍ تماما.»

فمجيء رمضان آخر في حياتنا وقول الله تعالى بأن الغاية من شهر رمضان هي نيل التقوى، وقول المسيح الموعود إنما أقام الله تعالى هذه الجماعة من أجل التقوى، كل هذه الأمور تُلقي علينا مسؤولية كبيرة، فعلينا أن نستمر في محاسبة أنفسنا كل حين، ونُحدث في أنفسنا تغييرات طيبة في هذه الأيام التي خصّها الله تعالى بفضله الخاص، ونسعى لرفع مستوى تقوانا كما يريده الله تعالى منا، ثم لا نقتصر على رمضان فقط بل نجعلها جزءا من حياتنا لا يتجزأ. وفّقنا الله تعالى لذلك.

Share via
تابعونا على الفايس بوك