التاريخ: 2016-11-25

إقامة معايير العدل والإنصاف

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • الأزمات المعاصرة، وتعاليم الإسلام الحنيف.
  • النشأة الثانية للإسلام.
  • واقعة من حياة المسيح الموعود تشهد على عدله.
  • أمير المؤمنين يحُث أفراد جماعته ومسئوليها على تطبيق العدل.
  • شروط البيعة وعهد الوفاء مقياس نجاحنا.
  • لمحة من حياة شهيد أحمدي.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا   (النساء: 136)

نقول للعالم إن حل مشاكل العالم يكمن في العمل بتعليم الإسلام، ولذا نقدم لكم تعليم القرآن الكريم. فقد سألني صحفيٌّ خلال جولتي في كندا ما هو الحل الذي تقدمونه لمشاكل اليوم والأزمات المعاصرة؟ فقلت له: لقد بذلتم أنتم أهلُ الدنيا والقوى الكبرى قصارى جهودكم لحل المشاكل والقضاء على التطرف بحد زعمكم ومع ذلك تبقى المشاكل على حالها. فهي إذا خمدت في موضع أطلت برأسها في موضع آخر، وحين تسعون للسيطرة على الوضع هناك تعود المشاكل إلى الموضع الأول. فقد بُذلتْ جميع الجهود المادية للقضاء على هذا الفساد وهذه المشاكل. وبقيتْ محاولة واحدة فقط وهي محاولة العثور على هذا الحل في ضوء تعليم الإسلام. فحين أبين لهم ذلك يسكتون. لكننا يجب أن نرى أن المسلمين يدَّعون الانتماء إلى الإسلام، لكنهم لشقاوتهم لا يعملون بالتعليم الذي أعطاهم الله وما يريده منهم الإسلامُ وما قدَّم النبي أسوة له، ولا يسعون لذلك. ونتيجة لذلك إن أكثر البلاد تعرُّضًا لهذه الفتن هي البلاد الإسلامية حصرا، فأي مأساة أكبر من ذلك؟ صحيح أن أي صحفي حتى الآن لم يقل لي مباشرة أنه إذا كانت لهذه الأحكام أيُّ حقيقة عملية فعلى البلاد الإسلامية أن تُصلح نفسها أولا. إلا أنه من المحتمل أن تنشأ هذه الأسئلة في قلوبهم، ولعلها تنشأ فعلا. لذا فإنني أذكر لهم عادة في خطاباتي التي ألقيها أمام غير المسلمين أوضاعَ المسلمين في العصر الراهن أولا ثم أوجه أنظار هذه القوى إلى تصرفاتها وأكشف لها أخطاءها. وأتكلم مع الصحفيين وفي شتى المقابلات، أن تخلِّي المسلمين عن تعليم الإسلام هو دليل صدق الإسـلام وصــدق النبي لأنه كان قد تنبأ بوضوح أنه سيأتي على المسلمين زمنٌ ينسون فيه حقيقة تعليم الإسلام، ويفضِّلون أهواءهم النفسانية ومصالحهم الشخصية. وعندما يتحقق ذلك سيُبعث خادمُه المخلص. وقد ذكر ذلك القرآنُ الكريم وبيَّن علامات زمن بعثته. لذا فالمسلم الأحمدي حين يلاحظ هذه الأوضاع فبدلا من أن يقلق عليه أن يفرح من ناحية ويطمئن أن نبوءة النبي عن أوضاع المسلمين الفاسدة وخاصة العلماء منهم قد تحققت وكنا على ذلك من الشاهدين. وهذا ما يُفصح به الآن المسلمون غير الأحمديين أيضا وبدأوا يتكلمون عن علمائهم، وصحيح أن هذه الأصوات خافتة إلا أنها بدأت تصدر. لكننا نحن المسلمين الأحمديين نفرح من ناحية أخرى أيضا هي أننا حقَّقنا الجانب الثاني أيضا لنبوءة النبي ، بانضمامنا إلى المؤمنين بالمحب المخلص للنبي المسيحِ الموعود والمهدي المعهود المبعوث من الله، الذي بواسطته بدأ عهد النشأة الثانية للإسلام. هنا ينشأ التساؤل هل مجرد هذا الانضمام سيمكِّننا من نيل هدفنا؟ وعلى كل واحد منا أن يتدبر في هذا السؤال.

فثمة حاجة إلى إصلاح سلوككم في كل مكان وإلا بعدم تحقيقكم مقتضيات العدالة لا تحافظون على أمانتكم وعهودكم وليس هذا فقط بل ترتكبون الخيانة أيضا، ويقول الله تعالى إنه لا يحب الخائنين، فبدلا من أن تنالوا ثواب الخدمة تكسبون سخط الله بظلمكم وبسلوككم المتكبر،…

لقد تناولت هذه الآية التي تلوتُها قبل قليل في كثير من خطبي ومحاضراتي التي ألقيتها أمام غير المسلمين. وأخبرتهم أن معايير العدل والإنصاف التي أمرنا الإسلام بإقامتها مذكورة في هذه الآية. وغالبية هؤلاء يتأثرون بذلك كثيرا، ويصرِّحون بذلك في انطباعاتهم. لكن هدفنا لا ينحصر في التأثير في الآخرين علميا، بل لمواصلة مهمة سيدنا المسيح الموعود ثمة حاجة لإظهار الأمثلة لتنفيذ أحكام القرآن الكريم عمليا. ليست عندنا أي حكومة حتى نتمكن من إظهار نماذج العمل بهذه الأوامر على مستوى الحكومة، وعندما سيأتي ذلك الوقت سنُظهر هذه النماذج على مستويات رفيعة إن شاء الله. أما الآن فعلينا أن نقيم هذه النماذج على مستوى الجماعة والمجتمع. يمكن أن يقول لنا أهل الدنيا: صحيح أنكم لا تملكون السلطة الدنيوية، لكنكم تملكون نظام الجماعة، إنكم جماعةٌ وتدَّعون الجلوس والقيام على إشارة يد واحدة. إنكم تواجهون معاملات اقتصادية واجتماعية فيما بينكم، هل تراعون معيار العدل والأمانة في هذه المعاملات؟ لقد استخدم الله عز وجل في مستهل هذه الآية كلمة «القسط» واستخدم في موضع آخر كلمة «العدل» الذي يعني المساواة والإنصاف التام وإقامة أرفع معايير الأخلاق، والنـزاهة الكاملة عن الانحياز إلى أي جانب، والعمل دون الميل إلى أي جانب أو التأثر به. الآن كل واحد منا بأمسِّ الحاجة إلى أن يرى هل نراعي هذه الأمور كلها عند إبرام معاملاتنا، هل لإقامة هذا المعيار نستعد لنشهد على أنفسنا؟ هل لإقامة هذا المعيار نستعد لنشهد على والدينا؟ هل لإقامة هذا المعيار نستعد لنشهد على أقاربنا الأعزة؟ المراد من «الأقربين» هنا الأولاد قبل غيرهم. فهل نملك قدرة لكبح أمانينا لإقامة هذه المستويات، وهل نقدر على إظهار ذلك عمليا. فكل هذه الأمور ليست عادية ولكن المحب المخلص للنبي قدّم لنا نماذجها في هذا العصر. لقد حدث مرة حين كان والده رئيسا لمنطقة قاديان، فبدأت في المحكمة قضية بين عائلته والمزارعين وشهد حضرته في تلك القضية شهادة الحق لصالح المزارعين ولم يبالِ بخسارة عائلته المادية بل إن المزارعين الفقراء مع علمهم أن حضرته مالك وشريك في ملك هذه الأراضي، طلبوا من القاضي أن يحكم بناءً على شهادة حضرته، لأنهم كانوا يعلمون أنه يشهد دوما متحلّيا بالصدق والعدالة، فشهد شهادة الحق. وكان يريد أن يرى هذا المستوى في أتباعه أيضا لأنه يريد أن ينشئ جماعة تعمل بأحكام القرآن الكريم وتكون مستويات حسناتهم عالية لذا أخذ منا العهد في عهد البيعة أننا سنخضع أنفسنا كليا لسلطة القرآن الكريم.

ورد في القرآن الكريم في مكان آخر

وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (المائدة:9)

يقول المسيح الموعود بهذا الخصوص:

“وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوْا اعْدِلُوْا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى… أقول صدقا وحقا بأن المعاملة بالمروءة مع العدو سهلة، ولكن الحفاظ على حقوقهم وعدم ترك العدل والإنصاف في القضايا صعب جدا بل هو عمل الأبطال فقط. إن كثيرا من الناس يُظهرون الحب تجاه أعدائهم ويكلمونهم بكلام معسول ولكن يغصبون حقوقهم. الأخ يحب أخاه ولكنه يخدعه ويغصب حقوقه متنكرا تحت غطاء الحب”. (نور القرآن رقم2، ص21-22)

كان يتوقع من أفراد جماعته أن تكون مستوياتهم عالية جدا وأن تكون أعمالهم متطابقة مع تعاليم القرآن الكريم ولا يكونوا من الذين يغصبون الحقوق ولا يعدلون، وإذا أُعطوا سلطة القضاء فيجب أن يكون حكمهم أسمى من كل علاقة وإن كان ذلك الحكم يتسبب في الخسارة لنفسه أو لوالديه أو لأولاده ولأقربائه، ولكن لا بد من ضرب أمثلة عليا للإنصاف، فحين نقيم هذه النماذج فيما بيننا عندها نستطيع أن نقول للدنيا أيضا بأن اليوم نحن الذين قد أحدثوا التغيير في أنفسهم ويعملون بتعاليم الإسلام ويقدرون على أن يعدلوا حتى مع العدو ويعدلون، ويشهدون شهادة الحق ولو كانت على أنفسهم أو على والدَيْهم أو على أولادهم أو على أقربائهم الآخرين. ونقيم هذه النماذج لأن مسئولية قيادة العالم ستكون علينا في المستقبل، وإن لم نقم هذه النماذج ابتعدنا عن أحكام الله وكنا من الذين يخونون عهدهم.
فأقول هنا لكل أحمدي وأخص المسئولين إنه يجب أن ينظروا إلى أنهم إلى أي مدى يؤدون حق الأمانات ويقومون على مستوى العدل والإنصاف حتى يكون كل قرار لهم مبنيا على أعلى مستويات العدالة، وحين ذهبت إلى كندا اشتكى الناس أن بعض المسئولين أو الذين ليس لديهم أي منصب ولكنهم سُلّموا بعض الخدمات أنهم لا يعدلون، ويميلون إلى بعض أقاربهم عند قراراتهم أو يقرّرون في حقهم، صحيح أن القرار لا بد أن يكون في حق أحد الفريقين وضد الآخر، ولكن يجب أن يطمئن كلا الفريقين أنه قد سُمع لهما وقد استنتج القاضي بعد السماع لهما بحسب فهمه.
أحد المكاتب التي تتعامل مع الناس هو دار القضاء، وهي تقضي في خلافات الناس، ثم هناك مكتب الأمور العامة وله أيضا بعض الصلة بهذه الأمور، ثم هناك مكتب التربية، واللجنة الإصلاحية أيضا تقوم بهذا الشيء، ثم تُنشأ لجان تحقيقية في بعض القضايا وهي أيضا تقوم بهذا الشيء في بعض الأحيان بحيث تستمع إلى الفريقين. باختصار، يجب على كل قسم أن يتفكر ويتدبر في الأمر عند الحكم فيه بكل كفاءاته وقدراته ويضع أمامه كل صغيرة وينظر فيها بدقة ثم يقرر ويحكم، وادعو الله تعالى واستعينوا به من أجل التوفيق للقرار الصائب، ولا بد من الدعاء قبل كل قرار، ويقول البعض إنهم لا يحكمون ما لم يؤدوا بعض النوافل قبل الحكم، وهناك البعض الذين يحكمون بدون دقة في بعض الأحيان ويحكمون تحت تأثير ميولهم الشخصية. وكذلك هناك مكتب السكرتير العام الذي يتعامل مع الناس ومع قضاياهم، فمن واجب السكرتير العام وكل عامل في مكتبه أن يعامل الجميع بعزّة وكرامة، ولا ينبغي أن يحدث بأن يكون سلوككم مع أحبائكم وأصدقائكم جيدا والذين لا تعرفونهم أو الذين علاقتكم ليست جيدة معهم فيكون سلوككم سيئا معهم، وهذا ما يجب أن يراقبه مسئولو المكاتب الأخرى أيضا التي تتعامل مع الناس ما إذا كان كل عامل معهم وكل معاون لهم يحقق مقتضيات العدالة أم لا؟
وهذه المسئوليات هي أمانات عند المسئولين، وسواء أُخذ ممن سُلّمت إليه خدمة هذا العهد أم لم يؤخذ بأنه سيؤدي واجباته بجميع قدراته وكفاءاته محققا مقتضيات العدالة، فإن قبوله أية خدمة يصبح عهدا أنه سيعمل محققا مقتضيات العدالة، وهي أمانة يجب أن يقبلها المرء خالصة لله تعالى، عموما كل مؤمن ملزَم بالحفاظ على أمانته وعهده وبأداء حقهما، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم:

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (المؤمنون: 9)،

ولكن الذين يعملون خالصة لله تعالى أو يقولون إنهم يعملون لوجه الله فقط كم يجب أن يكونوا حذرين! يجب أن يكون المسئولون بوجه خاص أكثر حيطة وحذرا من المؤمن العادي.
لأوضح هنا؛ لا تظنوا أنني أخاطب المسئولين في المركز فقط بل الرؤساء وأعضاء هيئاتهم أيضا ضمن المخاطَبين الذين يجب أن يستعرضوا أنفسهم ما إذا كانوا يحققون مقتضيات العدالة أم لا؟ ولا تأتي هذه الشكاوى من كندا فقط بل من ألمانيا ومن هنا ومن بعض البلدان الأخرى أيضا، فثمة حاجة إلى إصلاح سلوككم في كل مكان وإلا بعدم تحقيقكم مقتضيات العدالة لا تحافظون على أمانتكم وعهودكم وليس هذا فقط بل ترتكبون الخيانة أيضا، ويقول الله تعالى إنه لا يحب الخائنين، فبدلا من أن تنالوا ثواب الخدمة تكسبون سخط الله بظلمكم وبسلوككم المتكبر، فحيثما كانت أخطاء فبدلا من خلق أعذار واهية لستر تلك الأخطاء ينبغي إصلاح أنفسكم مستغفرين الله، فعلى المسئولين أن يستعرضوا أنفسهم هل هم يحققون مستويات العدالة وفق المبادئ التي بينها الله تعالى، وينصفون بعملهم أيضا، وينصفون الذين يتعاملون معهم؟ لا قيمة لكون المرء رئيسا أو سكرتيرا أو أميرا ولا تسبب هذه المسئوليات المغفرة له كما هي ليست منة على الله تعالى أو على الجماعة. إذا كانوا لا يؤدون حق أماناتهم وعهودهم كما يريد الله تعالى ولا يؤدّونها بإخلاص فلا فائدة منها، فيجب على كل مسئول أن يعمل لوجه الله تعالى فقط خالصة له ويحقق مقتضيات العدالة في كل قرار، وإذا جاءت أمامكم أية قضية قد صدر فيها حكم خاطئ من قبل فعليكم أن تصلحوه معترفين بخطئكم وأصلحوا أخلاقكم أيضا وتذكروا أيضا حكم الله تعالى:

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ،

فتحدثوا مع الناس بأخلاق عالية، وكما قلتُ يجب على جميع المسئولين في كل بلد أن يحاسبوا أنفسهم، وإذا كنت ضربتُ مثال كندا وخطر ببالي هذا الموضوع بسببهم فذلك لأن الجماعة هنا معروفة أكثر من غيرها. ولقد انتشر اسم الجماعة على نطاق واسع بعد جولتي الأخيرة وأخذ الناس يراقبوننا، فلا بد لنا من إقامة نماذج عليا على جميع الأصعدة. وينبغي أن يكون كل مسئول منا خصوصًا وكل أحمدي عمومًا أسوة وقدوة أمام العالم. وينبغي أن تتراءى في الجماعة نماذج العدل وتأدية الحقوق مقابل نماذج الفتن والفساد والفوضى وغصب الحقوق المنتشرة في العالم. ومن خلال هذه النماذج سيتعرف الناس على الجماعة وسيعرفون أن كل فرد من أفرادها قد تحول إلى قدوة ونموذج. ويجب على كل أحمدي أن يتذكر أنها ليست مسئولية المسئولين فقط بل هي مسئولية كل أحمدي، فعلى الأحمديين أن يضربوا أمثلة للنماذج المثلى في علاقاتهم ويحققوا مقتضيات العدل ويوصلوا أخلاقهم إلى أعلى المستويات، وأن ينـزّهوا أنفسهم من الجنوح إلى طرف معين خلال تعاملهم وقضاياهم اليومية، بل يجب أن لا يميلوا نحو أحد.
ويجب أن يضرب بشهادة الأحمدي وتصريحه المثل في العدل والصدق حتى يقول العالم بأنه إذا كان الشاهد أحمديًّا فلا يمكن النقاش حول شهادته لأنه لا بد أن تكون شهادته قد بلغت ذروة العدل. إذا فعلنا ذلك فسنكون صادقين في خطاباتنا وفي أقوالنا وفي تبليغنا، وإلا فنحن وغيرنا سواسية.
ينبغي أن يتذكر كل أحمدي بأنه تعهد في عهد بيعته بتجنب جميع السيئات؛ فإن عدم التركيز على هذا العهد وتعمّد الإعراض عن العمل به خيانة. ذكر النبي آية المؤمن الحقيقي فقال: لا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ، وَلا يَجْتَمِعُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ، وَلا تَجْتَمِعُ الْخِيَانَةُ وَالأَمَانَةُ جَمِيعًا. وقال في حديث آخر، وهو ما ينبغي أن يضعه المسئولون بل ينبغي أن يضعه كل أحمدي نصب عينيه، قال : ثلاث لا يُغِلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم.
فكما ذكرت أن أداء المسئوليات فرض يفرضه دين الله، وتحقيقَ مقتضيات العدل بإخلاص النية لهو طريق أمثل لأداء حق الأمانة. إضافة إلى ذلك لا بد من أن يؤدي كل واحد حق الآخر. إذا صار كل واحد مؤديًا حقوق غيره أدى تلقائيا إلى إنهاء تسابق أخذِ الحقوق من الآخرين، لأنه في هذا الوضع لن يطالب أحد الآخرين حقّه بل يؤدي إليهم حقوقهم، وهذه هي آية المسلم الحقيقي التي أخبَرَنا عنها النبي . ثم ينبغي أن يتذكر كل أحمدي أن لزوم جماعة المسلمين يجعله مسلمًا حقيقيا.
إن الجماعة الإسلامية الأحمدية هي الوحيدة في العالم التي تُعرف بهذا الاسم، وهي الجماعة الوحيدة التي تُعرف باسم واحد في العالم كله، وليست ثمة جماعة عالمية أخرى تُعرف باسم موحّد في العالم كله، فإن لزومها والانضمام إلى نظامها يجعل المرء مسلمًا حقيقيًا بحسب قول النبي . وهذه سعادة لكل أحمدي ولن يستطيع أداء حق الشكر عليها مهما شكر. والشكر الحقيقي هو الطاعة الكاملة لنظام هذه الجماعة وطاعة الخلافة. وفق الله تعالى كل أحمدي لهذا الشكر كما يجب، ووفق كل أحمدي ليكون محققًا مقتضيات العدل؛ ووفقهم لتجنب الخيانة في شهاداتهم كلما طُلِب منهم أداؤها. ويجب على كل مسئول أن يدرك مسئولياته، وأن يكون مراعيًا لعهوده وأماناته ومؤدّيا لها بشكل كامل، وأن يؤدي جميع مسئولياته ويحقق جميع مقتضيات العدل. وندعو الله تعالى أن يستمر هذا التعليم الرائع في ذرارينا أيضا، وينبغي أن نسعى لذلك حتى نكون جاهزين عندما يحين الوقت لإقامة العدل الحقيقي الذي أقامه النبي والذي أرى خادمه الصادق نماذجه في هذا العصر والذي توقعه من أتباعه. وفقنا الله تعالى لذلك، آمين.
سأصلي صلاة الغائب على بعض المتوفين بعد صلاة الجمعة.
الجنازة الأولى هي للسيد عدنان محمد كرديه الذي كان من حلب بسوريا. لقد اختطفته إحدى الجماعات الإرهابية في سوريا وقتلته لاحقًا.
ولد السيد عدنان في 1971 في حلب بسوريا. وتزوج من السيدة تماضر. لقد بايع حموه السيد ياسين الشريف في عام 2007 وبتبليغه اقتنع أولاده بمن فيهم ابنته تماضر أيضا، وهكذا بدأت في بيته أحاديث عن الأحمدية. كان الشهيد عدنان أميًّا، وكان يتبع المشايخ دومًا. فلما بايعت زوجته في عام 2010 قال لها بعد تحريض من المشايخ: إن شاهدت أيم تي أيه في البيت أو تحدثت عن الأحمدية فسأطلقك. ولما شرح له حموه ياسين الشريف من خلال القرآن والسنة سكت إلا أنه كان ينساه فور رجوعه إلى المشايخ.
يقول حمو الشهيد: في عام 2011 كنت في بيته أقرأ القرآن مع ابنتي (أي زوجة السيد عدنان) وفي هذه الأثناء عاد الشهيد عدنان من العمل ودخل البيت، ورآنا نقرأ القرآن وقال: استمروا في التلاوة لأني أريد أن أسمع تفسيركم. كنا حينها نتلو في سورة الإسراء:

إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (الإسراء: 48).

يقول حمو السيد عدنان بأني قلتُ له بأن القرآن يقول إن الذين يوجهون إلى الرسول هذه التهمة ويقولون بأنه كان مسحورا- والعياذ بالله- هم ظالمون ولكن المسلمين يقولون بأنه كان مسحورا بينما تقول الجماعة الإسلامية الأحمدية أن هذا خطأ تماما ولا يمكن قبول أية رواية تفيد هذا المعنى. فرفع عدنان الهاتف فور سماعه هذا الكلام واتصل بشيخه وسأله: هل سُحر النبيُّ فعلا؟ فقال الشيخ: نعم لقد سُحر فعلا، وهذا مذكور في صحيح البخاري. قال عدنان للشيخ: أنا إنسان بسيط ومخطئ، وأعرف أن بعضا من أقاربي الأقربين يحاولون ليسحروني ولكن سحرهم لم ينطلِ عليّ. وأعلم أن النبي كان أقرب المقربين إلى الله تعالى وأحب الرسل إليه فكيف لي أن أقبل أن بعض الناس نجحوا في إطلاق السحر على النبي ؟ قال عدنان ذلك وأغلق الهاتف.

على مسئولينا أن يستعرضوا أنفسهم هل هم يحققون مستويات العدالة وفق المبادئ التي بينها الله تعالى، وينصفون بعملهم أيضا، وينصفون الذين يتعاملون معهم؟ لا قيمة لكون المرء رئيسا أو سكرتيرا أو أميرا ولا تسبب هذه المسئوليات المغفرة له كما هي ليست منة على الله تعالى أو على الجماعة. إذا كانوا لا يؤدون حق أماناتهم وعهودهم كما يريد الله تعالى ولا يؤدّونها بإخلاص فلا فائدة منها…

تقول أرملة الشهيد: بعد هذا الحادث ظل زوجي يتأمل ويفكر إلى بضعة أيام ثم قال لي يوما: كنت أتمنى أن تكون زوجتي ذات أخلاق فاضلة وأعمال صالحة، وقد رأيتُ أن تغيّرا طيبا كبيرا قد حدث فيك منذ أن انضممت إلى الأحمدية، وبدأتِ تعاملين أولادي وأقاربي بالحسنى، وأرى أن هذا التغيُّر من الله تعالى لذا أريد أن أنضم أنا أيضا إلى هذه الجماعة المباركة، فبايع.
تتابع أرملته وتقول: كان هناك بعض من أعضاء منظمة إرهابية يتكلمون ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية بكلام سيئ جدا وكنت أتألم كثيرا لسماع كلامهم، وكلما أخبرتُ عدنان بكلامهم قال: اُتركيهم وشأنهم ولا تجادليهم أبدا، وما علينا إلا أن ندعو لهم. وفي 20/6/2013م خطفه أعضاء تلك المنظمة الإرهابية وقتلوه بإطلاق الرصاص عليه بعد شهرين. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان عمره عند الاستشهاد ما بين 42 و 43 عاما. كنت أتلقى رؤى عن شهادته ولكن لم يصلني خبر يقين بهذا الموضوع. ثم قال لي ذات يوم شخص من المعارضين في منطقتنا: ما زلتِ تنتظرين زوجك ولكنه لن يرجع لأنه قُتل. لقد نصحناه كثيرا أن يترك الأحمدية ولكنه أصر على أنه لن يتركها ولو قُطع عُنقه.
أقول: إن حادث استشهاده قديم ولكن لم يعلم به ذووه إلا مؤخرا لذا سنصلي عليه صلاة الجنازة الآن. تتابع أرملة الشهيد قائلة: كان إنسانا صالحا وورعا وملتزما بالصلاة، وكان يسعى أن يكون على وضوء دائما. كان زوجا ودودا ولطيفا وأبا رؤوفا، دائم التفكير والاهتمام بتربية الأولاد الدينية. كان قلبه عامرا بعواطف مساعدة الآخرين وتوطيد صلات الرحم، كان يدفع التبرعات بانتظام بل يسعى أن يسابق الآخرين.
يقول حمو الشهيد: لقد تحلى عدنان بإخلاص عجيب بعد انضمامه إلى الجماعة الأحمدية. لقد كرّس سيارته الميكرو لمساعدة أفراد الجماعة فكان يحملهم يوم الجمعة من أماكن مختلفة ويوصلهم إلى مركز الصلاة، ثم يعيدهم إلى بيوتهم بعد الصلاة. كما كان يقدّم خدماته لإيصال النساء إلى بيت رئيسة لجنة إماء الله للاشتراك في اجتماعهن ثم يوصلهن إلى بيوتهن. وإذا قدّم له أحد من الأحمديين أجرة النقل لم يأخذها قط. وإذا أصر أحد كثيرا لم يأخذ منه إلا ما يساوي سعر الوقود فقط. كان يدفع التبرعات بسخاء وكان كثيرا ما يقول: لقد بارك الله في عملي كثيرا نتيجة التبرعات، ويضرب على ذلك مثلا أنه اشترى الميكرو بمشاركة شخص وكان يسوقه بنفسه. ثم وفقه الله تعالى فتملكه وانفصل عن شريكه.
تقول إحدى قريبات الشهيد: كانت صلة الرحم من صفاته البارزة. عندما تفاقمت الاضطرابات في منطقتنا وتحوّل الوضع إلى حالة حرب وتعذر الحصول على الخبز، وإذا عُثر عليه فبثمن غالٍ جدا. ففي هذه الحالة نذر عدنانُ نفسه لخدمة الأقارب جميعا فكان يجلب لنا الخبز من مناطق نائية.

فيجب على كل مسئول أن يعمل لوجه الله تعالى فقط خالصة له ويحقق مقتضيات العدالة في كل قرار، وإذا جاءت أمامكم أية قضية قد صدر فيها حكم خاطئ من قبل فعليكم أن تصلحوه معترفين بخطئكم وأصلحوا أخلاقكم أيضا وتذكروا حكم الله تعالى

لقد ترك الشهيد وراءه أرملة وخمسة أولاد، من بينهم ابنتان من زوجته الأولى، وابنة وابنان من الزوجة الثانية. لقد وصلت العائلة كلها إلى كندا بفضل الله تعالى.
الجنازة الثانية هي للسيدة بشير بيغم زوجة شودهري منظور أحد جِيمَة من دراويش قاديان، وقد توفيت بتاريخ 7/11/2016م عن عمر يناهز 93 عاما بعد مرض دام فترة وجيزة. إنا لله وإنا إليه راجعون. وُلدت المرحومة في منطقة كانت ضمن دولة الهند في تلك الأيام، بينما تقع تلك المنطقة في هذه الأيام في دولة باكستان بعد انقسام الهند. تزوجت المرحومة من شودهري منظور أحمد جِيمة في عام 1944م. نذر السيد منظور أحمد حياته لحراسة المركز وجاء إلى قاديان في عام 1947م فالتحقت به المرحومة في عام 1952م وبدأت حياتها معه كدراويش قاديان. كانت تحب قاديان كثيرا وقضت مدة طويلة ممتدة على 36 عاما بعد وفاة زوجها صابره وشاكرة لله. كانت بفضل الله تعالى سيدة تقية وورعة جدا ومواسية لخلق الله تعالى لا ترّد سائلا جاء إلى بابها صفر اليدين. ظلّت تصوم رمضان كله بانتظام، وتكمل أكثر من دورة لتلاوة القرآن الكريم وذلك إلى عام واحد قبل وفاتها. كانت تنصح دائما أولادها بالالتزام بالصلوات جماعة وبتلاوة القرآن الكريم وبطاعة الخليفة ونظام الجماعة طاعة كاملة… تركت وراءها ثلاث بنات وخمسة بنين. ثلاثة من أبنائها نذروا حياتهم لخدمة الجماعة، أحدهم اسمه طاهر أحمد جيمه وهو أستاذ في الجامعة الأحمدية في قاديان، والثاني اسمه مبارك أحمد جيمه، يعمل مسئولا عن مكتب الوكالة العليا، وهو سكرتيرا لمجلس الشورى أيضا في الهند. ندعوا الله تعالى أن يرفع درجات المرحومة.
الجنازة الثالثة هي للسيد رانا مبارك أحمد الذي كان من لاهور بباكستان، ثم انتقل إلى هنا. وقد توفي في 5/11/2016م عن عمر يناهز 78 عاما. إنا لله وإنا إليه راجعون.
كان السيد رانا منذ صغره في طليعة خدام الجماعة، وكان يحظى بعلاقة الإخلاص والوفاء مع الخلافة والجماعة منذ البداية.
كان لين الكلام كثير الدعاء مواضبًا على دفع التبرعات؛ وكان مخلصًا يحب الخلافة حبًّا عميقًا. كان يكتب بعض المقالات في جريدة «الفضل» وكانت مقالاته ممتعة. وكان أول من يطلعني على كل ما استجد من ظرف أو وضع طول مكوثه في باكستان حتى إنه كان يطلعني إنْ مرِض أحد. وكثيرا ما كان يطلب الدعاء للآخرين. لقد ترك خلفه إضافة إلى زوجته بنتًا وثلاثة أولاد وكثيرا من الأحفاد والحفيدات وكلهم يعيشون هنا. رفع الله تعالى درجات المرحوم، ورفع درجات الشهيد (عدنان) أيضا وحفظ أولاده. إنهم وصلوا من سوريا إلى كندا الآن، ندعو الله تعالى أن يحميهم من سيئات المجتمع حولهم ويمكّنهم من تحقيق تلك المقاصد التي انضم الشهيد إلى الأحمدية من أجلها.

Share via