التاريخ: 2015-06-19

رمضان واستجابة الدعاء

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • بركات يوم الجمعة، وبركاتها المضاعفة بفضل شهر رمضان.
  • لن ننال ثمار الشهر الروحانية إلا بالالتزام بالبر والتقوى.
  • ما هي التقوى؟
  • الحكمة من تأخير استجابة بعض أدعيتنا لبعض الوقت.
  • حب الله لعباده عظيم لا يمكن إدراكه.
  • اسم الله “الستار”.
  • صلاح أفراد الجماعة يؤدي إلى رقي الجماعة وازدهارها.
  • الدعاء، وتحقيق الصعاب.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

اليوم هو يوم الجمعة المبارك، وهو أول أيام الصوم من شهر رمضان الفضيل. فقد بدأ نهار اليوم ببركات كثيرة. لقد بيّن النبي بركات الجمعة وأهميتها، وقال بأن فيها ساعة يجاب فيها دعاء المؤمن. ثم قال عن شهر رمضان:

“إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ.”

إذًا، إن رحمة الله تعالى تهيج في هذا الشهر وتنـزل على المؤمنين رحماتُ الله وأفضاله كالمطر. ولكن إلى جانب ذلك بيّن رسول الله بعض الشروط أيضا للاستفادة من هذه الأفضال، منها: لا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ، أي فليتحاشَ كل جهلٍ وشغب وشرٍّ لوجه الله. وإذا فعل ذلك لعرف حقيقة الصوم كما يجب. يصوم المرء ليحاول أن يعيش في هذا الشهر بحسب أوامر الله تعالى.
لقد ذكر الله أهمية هذا الشهر وفرضية صومه وكيفيته، وما هي القيود التي يجب على المرء أن يلتزم بها، ثم ربط هذا الموضوع بإجابة الدعاء، فقال:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

أي أن هذه الأيام مباركة جدا فإذا سألك عبادي عني بعد قيامهم بالعبادات فقل لهم بأني قريب جدا منهم،

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .

إذًا، إن أيام الجمعة التي تأتي في شهر رمضان تتضاعف أهميتها، وتتسم الأيام والليالي بمزية إجابة الدعاء. ولكن الله تعالى يقول بأنكم لا تدرون في أية ساعة تُجاب الأدعية، لذا عليكم أن تقضوا الأيام والليالي في الدعاء. فعلينا أن نسعى جاهدين للاستفادة من هذه الأيام أكثر ما يمكن.

اللهم اجعلني من الذين لا تُجاب أدعيتهم في رمضان فقط، بل تجاب في بقية الأيام أيضا في النهار وفي الليل، وأدعوك يا ربّ أن يُحدث شهرُ رمضان في شخصي تغييرات حسنة ويجعلني أسلك مسلك التقوى وأن أكون من المهتدين بصورة دائمة.

لقد صفّد اللهُ الشيطان في شهر رمضان بوجه عام، وفتح أبواب الجنة واقترب من العباد. فيجب أن نسعى جاهدين للاستفادة من أيام الجمعة بوجه خاص. والدعاء الأهم الذي يجب أن ندعو به في هذه الأيام بأقصى درجة من التواضع وخالصة لله هو: اللهم اجعلني من الذين لا تُجاب أدعيتهم في رمضان فقط، بل تجاب في بقية الأيام أيضا في النهار وفي الليل، وأدعوك يا ربّ أن يُحدث شهرُ رمضان في شخصي تغييرات حسنة ويجعلني أسلك مسلك التقوى وأن أكون من المهتدين بصورة دائمة.
لقد ذكر الله تعالى في آياتٍ سبقت الآياتِ التي تلوتُها آنفًا فرضيةَ الصيام على الأمم السابقة، ولكن ليس المراد من ذلك أن تصوموا أنتم أيضا لأن الأمم السابقة كانوا يصومون، بل قد ذُكر السبب في نهاية الآية فقال: لعلكم تتقون أي كي تتقوا الله وتجتنبوا الضعف الروحاني والأخلاقي. وقد جاء في نهاية الآية التي تلوتها: لعلهم يرشدون المراد من الرشد هو الصراط المستقيم والعمل السليم وطريق الهداية والأخلاق الفاضلة والعقل والذكاء القويم، واستخدامه على وجه صحيح، ودوام المرء وثبوته على حالته. فعندما يخضع الإنسان أمام الله تعالى خالصة له يرى مشهد استجابة الأدعية ويتقوى ويزداد إيمانا وإيقانا أكثر فأكثر قائما على التقوى والحسنات، وبذلك يجذب أفضال الله تعالى.
باختصار، إنّ في رمضان بركاتٍ كثيرة، ولكن لا ينالها إلا الذين يعملون بأوامر الله ويزدادون إيمانًا.
إذا كان أحد ينوي أن يلتزم بصلاة الجمعة في شهر رمضان فقط- وألاّ يهتم بالعبادات فيما بعده- فهذا ليس عملا بأوامر الله، بل هذا التصرف ينمّ عن الضعف في الإيمان. فإذا كانت هذه هي حالة إيمان أحد فيجب ألا يشكو من الله أنه لا يجيب أدعيته. فالعبد الحقيقي الذي يبقى مضطربا للجوء إلى ملاذ الله، يجب عليه أن يقضي هذه الأيام في الدعاء بكمال التواضع معترفا بنقاط ضعفه وأخطائه. يجب ألا يكون الحضور عند صلاة الجمعة والصلوات الأخرى مؤقتا وفي شهر رمضان فقط. يظن بعض الناس بأن الله تعالى يقول بأنه يقترب في هذه الأيام، لذا فإن العبادة في هذه الأيام كافية، ولكن الحق أنهم بذلك يخدعون أنفسهم، فيجب أن نتجنب فعل ذلك. وينبغي أن نسعى بكل تواضع لنكون عبادا لله تعالى ولننال قرب الله تعالى. إن الله تعالى ليس بعيدا على الإطلاق بل هو موجود في كل مكان وفي كل حين، ولكن لا يتجلّى هذا القربُ من العبد ما لم يركع أمام الله تعالى فقط حنيفًا ومتخلّيا عن غير الله. ولما تكون هذه حالتنا فسوف تُستجاب أدعيتُنا وننال كل ما نطلبه من الله تعالى أو ما هو مفيد لنا عند الله تعالى. فيجب أن نفهم جيدا أننا لا نستطيع أن نُصيب هدفنا من دون التزامنا بالبر والتقوى أبدا وبذلك سوف نحظى -على صعيد الفرد والجماعة- بتلك الثمار التي قدّرها الله تعالى لنا، إن شاء الله.
وكما قلتُ لو أظهرْنا تواضعا ومسكنة واعتـرفنا بأخطائنا ثم جاهدْنا في الله تعالى فسوف تُثمر جهودنا بفضل الله تعالى. وإن كانت في الإنسان أخطاء وكان آثما ومجرما، ولكن ما دام في قلبه خشيةُ الله تعالى وما دام يعتـرف بأخطائه وما دام قلبه عامرا بالتقوى فسيستر الله تعالى ذنوبه، وبالنهاية يوفّقه للتوبة يوما ما. فأكثر ما يجب أن ندعو به لأنفسنا ولأقربائنا ولأفراد الجماعة هو أن يحظى كل واحد منا بتقوى الله تعالى. وإذا دعونا بعضُنا لبعض بحرقة فسوف يشترك الملائكة في أدعيتنا، ونكون ممن يشهدون مشاهد حقيقية ودائمة لبركات رمضان.
ما هي التقوى؟ هي خشية الله وخوفه. وما دام فينا خوف الله وخشيته تعالى فسيبقى الله تعالى يستـر نقائصنا وذنوبنا وسنبقى في أمانه تعالى، إلا إذا تجرأنا –لا سمح الله- على الذنوب لدرجة ينمحي خوف الله تعالى من قلوبنا أو من قلب أي شخص. ولكن لو ارتكب أحدنا ذنبا لِضَعفه، ثم خشي الله تعالى وخافه فإن الله غفور. إنما خشيةُ الله تعني حبَّ الله. فما دمنا مُبدِين هذا الحبَّ أو مُكنّين هذا الحب في قلوبنا فسوف نبقى محفوظين من الهلاك شريطة أن يكون الحب صادقًا ولا يكون مجرد خدعة. إن الله عليم بذات الصدور فلا يمكن خداعه. إذا كان هذا الحب موجودًا في القلب فلا بد أن يظهر في مناسبة ما، ويمنع خوفُ الله تعالى من فعل بعض الأشياء بسبب ذلك الحب، وسنظل نعمل بأحكامه تعالى بسبب هذا الحب كيفما كان. فإن الله تعالى –الذي يغار لحب عباده- لا يدَع عبده يضيع بل يوفّقه للتوبة، لكن المرء -كما قلت- عندما يتجرّأ على الذنوب كلّيا وينزع بذرة التقوى من القلب نهائيا ويُضيعها فيتلقى العقاب.
إنها لـمنّة الله تعالى علينا إذ وفقنا للإيمان بالمسيح الموعود الذي أوصى الجماعة وأفرادها مرة بعد أخرى بأن يتمسكوا بالتقوى. ثم إن الله تعالى أعطانا نظاما روحانيا يوجّهنا دوما إلى الحفاظ على بذرة التقوى، ثم جعل الله تعالى لنا في كل سنة شهرَ رمضان الذي يساعد على نمو هذه البذرة. ثم علّمَنا طرق تنميتها وبشّرنا بأنه سيجعلها ذات ثمار.
إذنْ يجب أن يسعى كلٌّ منا أن يكون عبدا لله تعالى لكي يستفيد من بركات هذا الشهر. إذا كان الله تعالى يؤخّر أدعيتنا لبعض الوقت بسبب سفاهاتنا، فمَثله كمثل أم حنون تمتعض من ولدها لبعض الوقت بُغية إصلاحه ولا تكون غاضبة شديدة الغضب، فعندما يأتيها ولدها جراء حبه لها تحتضنه، بل قبل ذلك تنظر بطرف عينها إلى كيفية تصرّف الولد وما إذا كان يأتيها أم لا. وعندما يأتيها الولد يزول كل سخطها. فإن الله تعالى –الذي هو أكثر غفرانا من الأمهات- إنما يتـرقب متى يأتي عباده إليه تائبين فيعفو عنهم. قال النبي بأن الله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِـمن وَجَدَ بَعِيرَهُ التائه بفلاة من الأرض.
وهذا هو الغرض من شهر رمضان أيضا وهو أنه إذا أتى العبد إلى الله تعالى مع كل تقصيراته وذنوبه التي ارتكبها طول السنة لكي يتقبل الله توبته، فإن الله تعالى أيضا يُسارع إليه ويعانقه. لقد قال النبي : قال الله تعالى: إذا تقرب عبدي إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعًا، وإذا جاءني مشيا جئت إليه هرولةً أي جريًا. فالله تعالى أكثر رأفةً من الأم الرءوم، وقد أعدّ شتى الأسباب لقبول توبة العبد وجَعلِه مسرورا، فإذا لم ينتفع العبد من هذا الرب الرحيم فلا شك في شقاوته وقسوة قلبه. لا شك أن هذه الأمثلة ترسم حب الله للعباد، ولكن الحق أن حب الله للعباد أسمى من أن نرسمه كما ينبغي، ولا نستطيع وصف نظرة الحب والود التي ينظر الله بها إلى عباده. لا شك أن في هذه الأحاديث أمثلة قدمتْ لنا أسمى تصور لحب الله، إلا أن هذه الأحاديث نفسها تبين أن حب الله تعالى للعباد أسمى وأرفع من أن تصفه الأمثلة الدنيوية، فالإحاطة بذلك الحب محال. إن الإنسان ضعيف وعلمه محدود، بينما الله تعالى رفيعٌ وعظيم جدا. إننا لا نقدر على إدراك كيفيات قلوب بشر مثلنا، إذ نتخذ الرأي عن أحد بناء على ظاهر أعماله، ولكن من الصعب جدا لنا معرفة ما يختلج في قلب أحد من مشاعر وأفكار. لقد بين سيدنا المصلح الموعود بأسلوب رائع جميل مدى قدرة الإنسان على إدراك حب الله تعالى فقال بأننا لا نقدر على إدراك أفعال الله تعالى، فأنى لنا أن ندرك كيفية حبه؟ (أي أننا لا نقدر على إدراك كنه الأشياء الظاهرة التي خلقها الله تعالى، فكيف ندرك حبه وهو ليس بشيء مادي.)
على أية حال، إن الإحاطة بحب الله محال كما قلت، إلا أننا نحاول تقريب حقيقته إلى الأفهام بضرب الأمثلة، وحاول النبي أيضا تقريب كيفية حب الله لنا بأمثلة وذكرت مثالين منها، وأذكر الآن مثالاً آخر. في غزوة بدر لما هزم العدو وأوشكت الحرب على الانتهاء وكان أبطال الكفار يضربون رَكوبهم بالسياط سعيًا منهم للفرار من ساحة القتال ليبتعدوا عن المسلمين بأسرع ما يمكن، كانت هناك امرأة تمشي في مكان المعركة غير خائفة ولا وجلة، وكانت في قلق وحماس أشبه بالجنون، وكلما وجدتْ ولدًا احتضنته، ثم تركته وأخذت غيره. ولما رآها النبي قال لصحابته إنها تبحث عن ولدها المفقود، وقد غلبت عليها أمومتها بحيث لا تحفل بأنها في ساحة القتال وأن الدمار منتشر فيما حولها. كانت تجري كالمجنونة، وإذا وجدت ولدًا احتضتنه، وإذا علمت أنه ليس لها تركته وتقدمت باحثة عن ولدها، حتى وجدته، فاحتضنته وألصقته بصدرها، ثم جلست ترضعه غافلة عن الدنيا وما فيها وغير مكترثة بأنها في ساحة القتال حيث الجثث مبعثرة حولها، وأن الحرب لم تنته تماما بعد، وأنها قد تصاب بأذى. ثم قال النبي قد رأيتم كيف أنها لما وجدت طفلها جلست مطمئنة ترضعه، مع أنها كانت تجري هنا وهناك في اضطراب شديد من قبل. ثم قال هذا هو مثال حب الله لعباده، بل إنه أشد حبًا لهم منها لوليدها. فالعبد الذي يفقد ربه بسبب معاصيه وخطاياه فإن الله تعالى يحزن على فقده حزن الأم التي تفقد ولدها، وعندما يرجع العبد إلى الله تائبا فإن الله تعالى يفرح كما تفرح تلك الأم حين تجد ولدها. فربنا مستعد ليغفر لنا كل حين شريطة أن نكون نحن أيضا مستعدين للخروج بحثا عن غفرانه. إنه ينتظر متى نتقدم إليه، فإن كان هناك تأخير فإنما هو من قبلنا. وليس التقصير إلا منا. أما الذي ينيب إلى الله تعالى ويرجع إليه تائبا وطالبا غفرانه على ذنوبه، فإنه يستره بمغفرته.

نعلم أن المسيح الموعود قال بأن رقيّي وفتوحاتي لن تتحقق إلا عن طريق الدعوات. فعلينا بالخضوع الكثير أمام الله تعالى سائلين إياه تحقيقَ الرقي والازدهار للجماعة، وينبغي الإكثار من الدعاء لهذا الأمر في هذه الأيام التي هي أيام الدعوات.

لقد ذكر حضرة المصلح الموعود نقطة هامة بهذا الخصوص وهي أن مغفرة الله تعالى لا تغطّي ذنوب الإنسان فحسب، بل تنساها، ولا تنساها فقط بل تُنسي الآخرين أيضا ذكرَها. ولأجل ذلك ليس من أسماء الله “الساتر” بل هو الستّار، والستّار هو الذي تتكرر فيه صفة الستر وتكثر، أي هو الذي يتصف بظهور حالة الستر فيه بكثرة. لا يعدو أهل الدنيا من أن يكونوا ساترين، أي إذا علم أحد بذنوب غيره فيمكن أن يسترها ولا يذكرها، ولكن ليس بوسع أحد أن يُخرج من ذاكرة الناس العلمَ بذنوب الآخرين. ولكن بما أن الله تعالى جامع للصفات كلها لأجل ذلك قال عن صفته هذه بأنه ليس بساتر بل هو الستار، أي كأنه قال بأنني لا أغفر ذنوب العباد فحسب بل أُخرج ذكرَها أيضا من أذهان الناس فلا يعودون يتذكرون أن فلانًا قد ارتكب إثمًا كذا وكذا. لو لم يكن الله تعالى ستّارا لما كان للمذنب أمان في الجنة أيضا، لأنه كان سيترقّب الناس ويقول هذا يعلم عن ذنبي كذا. فالله تعالى ستّار وهو يقول بأنني أعفو عن ذنوب الناس وإلى جانب ذلك أتحكّم في ذاكرة الناس أيضا. فإذا شاء الله تعالى أن ينعم على أحد بستره فلا يعود الناس يتذكرون له إثمًا، بل يعدّونه من الطَّهَرة البَرَرة. فإن إلهنا هو ستار العيوب وغفار الذنوب أيضا، فلا يغفر ذنوبنا فحسب بل يُرجع إلينا كرامتنا الضائعة أيضا، بل يقيمها في هذه الدنيا. فإذا كان إلهنا الحبيب يتصف بمثل هذه الصفات الرائعة فكم حريّ بنا أن نضحّي ونتقدم نحوه، وكم يلزمنا أن نكون عبادًا له! فهناك حاجة ماسة للسعي نحو هذا الإله الستّار للعيوب والغفار للذنوب في هذا الشهر المبارك، وهناك حاجة إلى تكثيف الجهود من أجل الخضوع أمامه. إن الشيطان يقف عند كل منعطف ويحاول أن يوقعنا في حبائل مغرياته، ولكن علينا دفعه وتجنب هجماته وإفشال خططه باللجوء إلى الله وبتحويلِ أنفسِنا إلى عبادٍ حقيقيين لله تعالى، وبعد كل ذلك نستطيع أن نستفيض برمضان استفاضة حقيقية. سيفيدنا هذا الأمر على المستوى الشخصي كما سنجني ثمارًا له على مستوى الجماعة أيضا، لأن صلاح أفراد الجماعة وحسناتهم وتقواهم تؤدي إلى رقي الجماعة وازدهارها. وبقدر ما نحرز قرب الله تعالى ننعم بأفضال الله تعالى وبالتالي نودّي دورنا في رقي الجماعة.
نعلم أن المسيح الموعود قال بأن رقيّي وفتوحاتي لن تتحقق إلا عن طريق الدعوات. فعلينا بالخضوع الكثير أمام الله تعالى سائلين إياه تحقيقَ الرقي والازدهار للجماعة، وينبغي الإكثار من الدعاء لهذا الأمر في هذه الأيام التي هي أيام الدعوات. ينبغي ألا نقصر دعواتنا على أنفسنا أو على أقاربنا فحسب بل ثمة حاجة إلى توسيع هذا النطاق، وبعد العمل بكل هذا سنتمكن من أداء حقّ كوننا من جماعة المسيح الموعود ، وأداء حق شكر الله تعالى على منته التي منّ بها علينا بتوفيقه إيانا للانضمام إلى جماعة حضرته فلم تنته مهمتنا بعد دخولنا في الجماعة، ولا يكفي أننا بايعنا وانضممنا إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية، بل هناك مسئولية جسيمة ألقاها الله تعالى على عواتقنا. ووجّه المسيحُ الموعود أفرادَ الجماعة إلى الدعوات من أجل أداء هذه المسئولية، وذلك لكي نسهم في رقي الجماعة ونكون من المعاونين والمساعدين. إننا متواضعون وضعفاء ونعترف بأخطائنا وتقصيراتنا وعدم كفاءتنا أيضا ولكن مع كل ذلك نحن قومٌ ألقى الله تعالى عليهم مسئولية تحقيقِ هدف عظيم، ولا يمكن أداء هذه المسئولية بدون جذب فضل الله تعالى، فلا بد من التركيز الكثير على الدعوات.
لقد ذكر المصلح الموعود هذا الموضوع أو أفهمنا إياه بأسلوب رائع جدًّا حيث قال: إذا كنا ضعافًا في واقع الأمر، وإذا كانت المهمة التي عُهدت إلينا هامة جدا وصعبة أيضا في واقع الأمر، فالسؤال المطروح هو: كيف يمكن أن تُنجَز هذه المهمة بواسطتنا؟ لأن هذه المهمة تقتضي طاقة هائلة لإتمامها بينما نحن ضعاف متخاذلون، فلا بد أن نعترف بأحد الأمرين؛ إما أن نعترف بأن أحد ادِّعاءاتنا خاطئ -أي إما أن ادعاءنا بكوننا عديمي الحيلة خطأ، ولسنا ضعافًا إلى هذا الحد، أو أن ادعاءنا بصعوبة المهمة خاطئ- ولكن إذا كان الادعاءان صحيحَين فلا بد من التسليم بأن الله تعالى، إضافة إلى جهودنا، قد خلق ذرائع أخرى لإتمام هذه المهام. إنه لكلام الله تعالى وإنه لَوَعدُه بأنه لابد أن تتم هذه المهامُ التي عهدت إلينا، ولا بد أن تتحقق الغاية التي من أجلها قد بُعث المسيح الموعود ولن يتركها الله دون أن تتحقق، فمن المقدر أن تتحقق غلبة الإسلام والأحمدية في العالم، إن شاء الله، ولا نشك في ذلك مثقال ذرة. ولتحقُّق ذلك قد علَّمنا الله طريقة الدعاء أن ادعوا الله قائلين: ربنا لن يتحقق هذا الهدف بأيدينا أي بمحاولاتنا ومساعينا، فنحن ضعفاء وعاجزون، والمهمة عظيمة جدا. فلا تقدر محاولاتُنا وجهودنا على تحقيقها، إلا أننا بحسب أوامرك نستعد لكل تضحية، ونرجو أن تُظهر أنت أيضا الوسائل الخفية التي قد حددتها لتحقيق هذا الهدف وسخِّرْها لتأييدنا، لكي يتحقق هذا العمل المستحيل. إنما الحقيقة أيضا أن الله قد جعلَنا أداة في الظاهر فقط، وإن الأداة التي ستَفتح العالم هي أداة أخرى تماما. لكن يجب أن تتولد في قلوبنا حرقةٌ حتما لنيل هذه الانتصارات، وهذه الحرقة يجب أن تنبعث من قلوبنا في صورة الدعاء. ولقد بيَّن سيدنا المصلح الموعود مثالا وقال إن مَثلنا كمثل الحصى التي رماها النبي يوم بدر، ويقول الله :

مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى (الأَنْفال: 18)

فلو كنتَ أنت قد رميت الحصى لسقطتْ بعد مسافة قصيرة، لكنك لم ترمِها بل كان الله هو قد رماها. فمن ناحية حرَّك النبي يده لرمي الحصى وفي الوقت نفسه يقول الله إنا قد أجرينا العاصفة، وهي التي طيَّرت ملايين الحصى وألقتها في عيون الكفار، فانغلقتْ وأخفقوا في شن الهجوم. باختصار كانت وراء حفنة من الحصى القوةُ الإلهية هي التي تعمل في الحقيقة. فوضْعُنا أيضا كمثل الحصى التي أخذها النبي بيده ببدر ورماها على الكفار، فأعمتْ عيون الكفار. لكن الحقيقة أن الحصى التي رماها النبي لم تُعمِ الكفار وإنما أعمت الكفارَ الحصى التي طيَّرها الله في العاصفة. فلا بد لنا من التسليم بأن هناك أداة أخرى غيرنا التي ستُنجز هذه المهمة الجليلة، وتظهر لها نتائج رائعة. ولا بد لنا من التسليم بأنه قد خُلقت وسائل أخرى لإظهار هذه النتائج الرائعة، التي ستجعل الإسلام منتصرا على الأديان الأخرى. وإن الأداة والسلاح التي بواسطتها يمكن جعْل الإسلام منتصرًا على العالم، هي أدعية العبد التي تجذب فضل الله ومن ثَم يصبح المستحيل ممكنا بفضل الله وحده. وكما قال المسيح الموعود إنما هذا الشيء الذي قُدر به نجاحُنا حصرا. يجب أن تتذكروا هذا الأمر دوما في هذه الأيام التي هيأها الله لنا للدعاء، ويجب أن تدعوا بالتزام أن يعجِّل الله غلبة الأحمدية أي الإسلام الحقيقي. ينبغي أن نصبح حصًى بيد النبي التي لمساعدته كان الله قد أجرى العاصفة الحاملة ملايين الحصى، وانهزم الكفار.
نسأل الله أن يزيل ضعفنا ويغض الطرف عن أخطائنا وتقصيراتنا ويخلق بفضله أسبابا تمكِّننا من نيل مرامينا. وأن لا يتسبب ضعفنا وتخاذلنا في أن يختفي جلال الله بدلا من ظهوره، وأن لا تتيح تقصيراتنا للأغيار فُرصًا للفرحة، بل نسأل الله تعالى أن يخلق فضلا منه في أيدينا القوة المطلوبة لإنجاز المهمة لظهور جلاله وعزته. فأكثِروا الدعاء في هذه الأيام. اُدعوا الله لأنفسكم وللآخرين ولتقدُّم الجماعة وهزيمةِ العدو وخيبة آماله، ولتجلي جلال الله وشأنِه. تتقدم الدنيا إلى إنكار وجود الله رويدا رويدا، ونسأل الله أن تتعرف إلى الله تعالى. وأن يعفو الله عن تقصيراتنا وأخطائنا، ويولِّد في نفوسنا قوة نوظِّفها لجعْل الإسلام غالبا على أديان العالم كلها، وأن يكون كل واحد منا خادما صادقا للإسلام، وأن لا تكون الطموحات المادية أكبر همِّنا، وأن تفيض قلوبنا بعزمٍ أننا سنوظف جميع مواهبنا لإعلاء الدين. نسأل الله تعالى أن يخلق في أعمالنا وكفاءاتنا قوة وقدرة حتى تكون قوة العدو وقدرته معدومةً وهيّنة مقابلها، وأن لا يغفر الله أخطاءنا فحسب بل يولد في قلوبنا كراهية للذنوب حتى لا نعصي الله تعالى في أوامره أبدا، وأن نكون من الذين يستجيبون لله إذا دعاهم قائلا أن: “اِستجيبوا لأوامري وآمِنوا بي”، وأن ينشأ في قلوبنا حبُّ الحسنات والخيرات، وتترسخ التقوى في قلوبنا بقوة، ويصبح حبُّ الله وعشقه غذاءنا وأن يصدر منا كلُّ عمل وقول بحسب مرضاة الله، وأن يسلِّم لنا وثيقة رضوانه عندما نأتيه. نسأل الله أن يحقق لنا رمضانُ كلَّ هذا وذاك حقًّا.

Share via