مسجد بيت الإكرام، وسبيل جديد للتعريف بالإسلام
- فكيف عُدَّ بناء المساجد سبيلا للتعريف بالإسلام؟
- وما مسؤوليتنا تجاه ما نشيده من مساجد؟
- ومنذ متى بدأ تدهور حال الإسلام؟! وأية علاقة للمساجد بهذا الأمر؟!
___
هذا المسجد ومسؤوليتنا تجاهه
لقد وفقكم الله اليوم لافتتاح مسجدكم هذا، علما أنه قد تم بناؤه قبل فترة، ولكنْ الآن افتتاحه الرسمي. في البداية كان البناء مجرد قاعة للصلاة، وأما الآن فقد شُيِّد المسجد رسميا. على أية حال، لدينا الآن مسجد جميل وواسع. ندعو الله تعالى أن يوفق جميع من ساهموا في بنائه لأن يَعمُروه، مؤدين بذلك حقه. وأدعو الله تعالى أيضا أن يكون بناؤه خالصًا لوجه الله تعالى، وأن تنالوا البركة من قول النبي :
الأعمال المتعلقة بالمسجد الذي يُبنى لنيل رضا الله لا تنتهي بمجرد اكتمال بنائه، بل إنما ينال المرء رضاه عندما يعمل بأوامره ويؤدي حقوق عبادته وحقوق عباده ويقدم الدين على الدنيا بالإخلاص والوفاء، ويؤدي حق بيعته. إننا سعداء لأننا آمنا بخادم صادق لسيدنا رسول الله . يجب أن نتذكر دائما أن إيماننا بالمسيح الموعود وبيعتنا إياه يلقي على عاتقنا مسؤولية كبيرة. لم ينته عملنا بمجرد البيعة، بل ازداد أكثر من ذي قبل، عندها نستحق إنعامات الله تعالى التي وعد الله تعالى بها المسيح الموعود . فعلى كل واحد منا أن يدرك مسؤولياته، لأن عمارة هذا المسجد أيضا مسؤوليتنا، وإن العيش بحب ووُدّ متبادل أيضا. مسؤوليتنا بالإضافة إلى أن نشر رسالة التسامح في العالم وإبلاغه رسالة تعليم الإسلام الجميل، وإصلاح أنفسنا بالأدعية باستمرار، وكذلك إصلاح أجيالنا القادمة أيضا مسؤوليتنا، عندها فقط نستطيع أن نؤدي حق هذا المسجد.
سبيل للتعريف بالإسلام
قال سيدنا المسيح الموعود ذات مرة: حيثما أردتم التعريف بالإسلام ابنوا هنالك مسجدا. والآن سوف يتم التعريف بالإسلام ظاهريا في هذه المنطقة ببناء هذا المسجد. جاء بعض الجيران أيضا وأبدوا عواطف طيبة مع أن معظم الناس في هذه الأيام لا يريدون الازدحام والضوضاء، ولكن جاء أحد الجيران للقائي قبل بضعة أيام وقال: إننا سعداء على أننا حظينا بجواركم. فأنا أقول: يجب علينا أن نهتم بجيراننا ويجب ألا يكون هذا المسجد مصدر ضوضاء وشغب، بل ينبغي أن نعمل كل شيء مراعين القوانين. باختصار، سوف يتعرف الجيران على المسجد وكذلك المارَّة في الشارع، وبهذا الطريق الذي أدى إلى التعريف بالجماعة سوف تفتح أبواب تبليغ الدعوة أيضا. فعلى كل أحمدي أن يكون نموذجا لتعليم الإسلام. ويجب أن يتراءى للعالم فرق واضح بأن في هذا المجتمع يعيش أناس يقومون بأعمال دنيوية ومع ذلك يقدمون الدين على الدنيا وهم على علاقة مع خالقهم القادر والقدير، ويواسون خلق الله ويساعدونهم أيضا. عندما يرى أهل الدنيا هذه الأمور تنشأ في قلوبهم الرغبة في البحث والتحقيق وبذلك تفتح الأبواب لتبليغ دعوة الإسلام. فعلى كل أحمدي أن يكون صورة الإسلام العملية أكثر من ذي قبل.
لا تخدعوا أنفسكم!
الآيات التي تلوتها في مستهل الخطبة وجّه الله تعالى فيها أنظار المرتبطين بالمسجد إلى مسؤولياتهم. فقال أولا أن يقيموا العدل، ويقول الله تعالى عن العدل في آية أخرى في القرآن:
فالذي يقوم بالعدل لا يمكن له أن يُضمِر في نفسه السوء لأحد، ناهيك عن إلحاق الضرر به. بل الحق أن القائم بالعدل سيتحين الفرص لأداء دوره في إيصال الخير إلى الآخرين. فإذا كان الإنسان يؤدي الحقوق على هذا النحو فإنه يترك تأثيره الحسن على المجتمع حتما، وهذا التأثير الحسن يفتح الطرق لتبليغ الدعوة. إذن، الأمر الأول الذي نصح الله به المؤمنين الصادقين بشأن المسجد هو أن عليكم أن تؤدوا حقوق العباد وقال بأن الأمر الأهم بهذا الشأن هو العدل. فما دام الله تعالى يأمر بالعدل مع الأحباء والأعداء أيضا فكم نحن بحاجة إلى العيش بالعدل والحب المتبادل مع أحبابنا وأصدقائنا! عندما نقوم بذلك ينظر الله تعالى إلى العاملين بذلك بنظر الحب. عندما يدخل هؤلاء الناس مسجدا لعبادة الله يقبل الله عبادتهم، ولكن إذا كان المرء لا يحسن معاملته مع زوجته في البيت ويجعلها عرضة للطعن والتشنيع دائما، ويبقى أولاده مذعورين فإنه يُبعد أهله وأولاده من الدين بسلوكه. فلو كان الحال على هذا المنوال فلا تقُبل عند الله خدماته للجماعة ولا عباداته، بل إنه يخدع نفسه بإزدواجية العمل ولا يخدع أحدا غيره.
فالمؤمن الحقيقي هو الذي يعدل في بيته وخارج البيت أيضا، ومن كان قوله وعمله سواء. وهؤلاء هم الذين يؤدون حق عمارة المسجد لأن قلوبهم عامرة بخشية الله. فهذا هو المستوى الذي يجب أن نبلغه وإلا، فلا أهمية لمجرد بناء المسجد فقط وأداء الصلاة فيه بسرعة لإلقاء العبء عن الكاهل. عندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى يصبح عند الله كطفل بريء وتكون عاقبته حسنة لأنه يؤدي حقوق الله وحقوق عباده أيضا. فلا ينبغي لأحد أن يعتز بكثرة صلاته، ولا بحضوره المسجد خمس مرات يوميا، ولا بقيامه بخدمة الجماعة أيضا ظنًّا منه أن ذلك يكفيه. يقول رسول الله إن الذي لا يؤدي حقوق الناس لا يؤدي حقوق الله أيضا. فيجب ألا يسيء المرء الفهم بهذا الشأن. العابد الحقيقي والقائم بعمارة المساجد هو الذي يكِنّ في قلبه خشية الله ويعمل بأوامره. ثم يقول الله تعالى مؤكدا على أنكم لو لم تعملوا بأوامره ولم تبذلوا قصارى جهودكم لإصلاح أنفسكم جاعلين الدين خالصا لله لن تفلحوا. ولو واظبتم على التوبة والاستغفار لن يغلبكم الشيطان. فعليكم بالمواظبة على التوبة والاستغفار، واليوم في محيط مادي ثمة حاجة إلى التوجه إلى ذلك بوجه خاص، حينها تنالون النجاح وحينها تمثلون أمام الله مثل الطفل البريء.
فالمؤمن الحقيقي هو الذي يعدل في بيته وخارج البيت أيضا، ومن كان قوله وعمله سواء. وهؤلاء هم الذين يؤدون حق عمارة المسجد لأن قلوبهم عامرة بخشية الله. فهذا هو المستوى الذي يجب أن نبلغه وإلا، فلا أهمية لمجرد بناء المسجد فقط وأداء الصلاة فيه بسرعة لإلقاء العبء عن الكاهل. عندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى يصبح عند الله كطفل بريء وتكون عاقبته حسنة لأنه يؤدي حقوق الله وحقوق عباده أيضا.
متى بدأ تدهور حال الإسلام؟!
إنما بدأ زوال الإسلام حين بدأ الفساد يدب في نفوس المسلمين، حين صارت عدالتهم وعبادتهم رياء أو لم يؤدوا حقهما فضاع كل ما لديهم، مع أنهم كانوا يبنون مساجد جميلة ولا يزالون يبنونها. وفي باكستان يركزون في هذه الأيام على هدم مساجد الأحمديين لكي لا تتشابه مساجد الأحمديين مع مساجدهم، وألا تكون لها منارات ومحاريب، ولكن لم يولد فيهم عباد الرحمن، وهم يحسبون مفخرة لهم أنهم يظلمون الأحمديين وبحسب زعمهم يسعون لهداية الأحمديين إلى سبيل الرشاد، على أية حال، لقد بدأ زوال المسلمين قبل المسيح الموعود أيضا لأن مساجدهم كانت عامرة في الظاهر فقط وقلما تراءى المسلمون الحقيقيون، وكان حال الزوال هذا سائدا، وكان لا بد أن يحدث ذلك كله، لأن النبي كان قد أنبأ سلفًا بذلك، ولكن بعد زمن الظلمة هذا جاء زمن النور ببعثة المسيح الموعود الخادم الصادق للرسول الذي وفقنا الله للإيمان به، وقطعنا العهد معه بأننا سنقدم الدين على الدنيا ونعمل بأحكام القرآن الكريم، فعلينا أن ننتبه جيدا إلى أحوالنا، وعلينا أن ننقذ مساجدنا من أن تصير مثل مساجد غيرنا التي وردت بحقها رواية عن علي حيث قال: قال رسول الله :
وهذا ما نشهده في معظم مساجد المسلمين هذه الأيام. لذا فإن هذا الوضع الذي نشهده اليوم هو تحذير لنا، إذ ليس فيها إلا الفتن، وكما قلت سابقا إنما تركيزهم هو على هدم منارات مساجد الأحمديين، علما أنهم لا يسمونها مساجد، بل يطلقون عليها معابد الأحمديين، وعلى هدم محاريبها، فهم لا يفقهون من خدمة الدين ولا العدالة غير هذه الأفاعيل. لكن هذه الأشياء تعلّمنا كيف يجب أن نؤدي حق المساجد وحق العباد بإخلاص.
وقد شرح المسيح الموعود الآية الأولى من الآيات التي تلوتها قائلا: «لقد ضعفت حال الإسلام الظاهرية والمادية أيضا. لم تعد السلطنة الإسلامية حائزة على القوة والشوكة. ومن حيث الدين أيضا لا يلاحَظ أي أثر للتعليم الإلهي المتمثل في قول الله تعالى:
لقد ضعفت جدا حال الإسلام داخليا أيضا ويريد المهاجمون من الخارج أن يقضوا عليه. والمسلمون عندهم أسوأ من الكلاب والخنازير. إنهم يهدفون ويريدون أن يدمروا الإسلام نهائيا ويهلكوا المسلمين. الآن لا يمكن مواجهتهم بغير كتاب الله وتأييده وآياته المنيرة، ولهذا الغرض أقام الله تعالى هذه الجماعة بيده»(4).
فالآن في هذا الوضع لو لم نراقب نحن المؤمنين بالمسيح الموعود أحوالنا ونصلحها وفق تعاليم القرآن مؤدين حق البيعة على الدوام فلن نُحسَب ممن أدوا حق البيعة في عهد النشأة الثانية للإسلام. نحن الذين علينا استعادة عزة الإسلام المفقودة. والصورة التي رسمها المسيح الموعود مخيفة جدا وهذا ما نراه على أرض الواقع، فعلينا أن نخبر أهل الدنيا ولسان حالنا يقول: أنتم تحتقرون الإسلام والمسلمين وتحسبونهم أضلَّ من الأنعام، لكن تذكروا أن لديهم تعليما بقاء العالم منوط بالعمل به. لذا علينا أن نقوم بمهمة إرشاد العالم مع الثقة الكاملة بأنفسنا طالبين أفضال الله تعالى ساجدين له.
لا تغرنكم الدنيا ببريقها الزائف
يسأل بعض الشباب أسئلة، فقد سأل أحدهم كيف يمكننا مواجهة الناس الذين يسخرون منا. فقلت له أيضا عليك أن تثق بنفسك وتثبت على اليقين بأن بقاء العالم اليوم في أيدينا لأننا مؤمنون بالمسيح الموعود المحب الصادق للرسول الذي بعثه الله تعالى ليهب الحياة للعالم، ولنشر رسالة الرسول ، والآن لا يمكن أن تتحسن الدنيا والآخرة إلا بواسطة التمسك به. أخبرْ أهلَ الدنيا أنهم يجب ألا يفرحوا ببريق هذه الدنيا وتطورها فإن الحياة بعد الموت هي الحياة الأبدية، وإذا ذهب الإنسان إلى هناك خالي الوفاض واجه غضب الله تعالى، ثم كيف سيعامله هو تعالى أعلم به، ولكن يجب أن ننتبه دوما إلى أننا حين نوجّه العالم إلى هذا كله فيجب أن يكون قولنا وفعلنا كله متوافقا مع هذا التعليم، وأن تكون معايير عباداتنا عالية ومعايير أداء حقوقنا عالية.
باختصار، ذكر المسيح الموعود مزيدا عن الموضوع نفسه موضحا حال المسلمين والإسلام، فقال: لقد تغيّر الآن ما يسمى الإسلامُ. لقد تفاقمت الأخلاق الذميمة كلها، (أيْ لم تعد هناك أخلاق عالية) أما الإخلاص المذكور في مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فقد رُفع إلى السماء. وقد انعدم الصدق والوفاء والإخلاص وحب الله والتوكل عليه. فأراد الله الآن أن يحيي هذه القوى من جديد(5).
مسلمو هذا العصر وهوان الإسلام في عين أعدائه
علينا أن نشكر الله لأننا مرتبطون بالمبعوث الذي بعثه الله تعالى لإصلاح حال الإسلام الساقطة هذه. حين انقضَّ خصوم الإسلام وأعداؤه عليه، وحسبوا هذا الدين العظيم مهينًا وحقيرا، فكان للمسلمين يدٌ في هذه المهانة. لو لم يفسد المسلمون لما تجرأ العدو على مهاجمة الإسلام بهذه الطريقة، ولكن اليوم نحن من يجب أن نضع معايير الولاء لله، كما قال المسيح الموعود نحن الذين عليهم أن يطيعوا أوامر الله بإخلاص ووفاء، ونحن الذين عليهم نشر الحب في كل مكان وإزالة الكراهية، ونحن الذين يجب علينا أن نتوكل على الله تعالى توكلا كاملا، لأن الله تعالى هو القادر على كل شيء، والآن الإسلام هو الدين الكامل والغالب في العالم، ولهذا علينا أن نستخدم كل قدراتنا وأن نكون سلطانا نصيرا للمسيح الموعود . فهذا ما قدَّره الله ، فإن الوعود التي قطعها مع المسيح الموعود والمهمات التي عهدها إليه ستتحقق إن شاء الله، إذا أسهمنا في ذلك فسوف ننال أفضال الله، وإن لم نتقدم فسوف يأتي الله بآخرين لنصرة المسيح الموعود، فهذا العمل لا بد أن ينجَز. لذا يجب أن ننظر إلى أوضاعنا وإذا وجدنا نقاط ضعف فعلينا أن نسعى لإصلاحها، فما هي نقاط الضعف هذه وكيف يمكن إصلاحها؟ يقول عن ذلك سيدُنا المسيح الموعود : في هذا العصر لقد كثرت الصفات الرذيلة مثل الرياء والعُجب والعنجهية والإعجاب بالنفس، أما الصفات الحسنة مثل «مخلصين له الدين» وغيرها فقد ارتفعت إلى السماء، والتوكل والتدبير صارا كالمعدوم، والآن أراد الله أن يحييها.
لا ينهانا الله تعالى عن أعمال الدنيا بل يريد للمؤمن الحقيقي أن تزدهر أعماله وتجاراته وحرفه وزراعته، لكن إلى جانب ذلك ينبغي ألا ينسى الهدف من خلقه حالَ اشتغاله في هذه الأعمال الدنيوية، فعليكم الحفاظ على صلواتكم أيضا. فإن أنشأتم مسجدًا فلا تتفاخروا بزينته الظاهرية بل ينبغي أن تراعوا زينته الحقيقية التي لا تظهر إلا بالعابدين الحقيقيين فيه، واسلكوا سبل التقوى، واسعوا جاهدين للوصول إلى مستوياتها العليا، وعند تحقق ذلك ستُدعون العابدين الحقيقيين.
ليسألْ كل منا نفسه
ثم قال لقد كثرتْ هذه السيئات كلها، وتلاشت الحسنات، لكن الله الرؤوف الرحيم بعباده لا يريد أن يضيعهم، لذا قد قرر الآن أن تنتشر الحسنات، وتنتهي السيئات. إذن يجب أن يستعرض كل واحد منا نفسه، هل نحن فعلا نساهم في تحقيق مهمة المسيح الموعود هذه، وهل نحن نسعى جاهدين للقضاء على السيئات، وهل نحن نبذل قصارى جهدنا للعمل بالحسنات، وهل نحن نجتهد جهدا حثيثا لرفع معايير عبادتنا؟ إن الإنسان يوفَّق لإحراز الحسنات أيضا بفضل من الله، إذا كنا لا ندخر جهدا لنيل أفضال الله -وهو يمكن بالعبادة- أي ابتغاء مرضاة الله لا لإشباع أمانينا ولرضانا، فإن جهودنا أو الرغبة في إحراز هذه الأمور عقيمة. فثمة حاجة لفحص نفوسكم بعمق، وثمة حاجة للاستغفار كثيرًا جدا، وثمة حاجة لإحراز أفضل الأعمال ابتغاء رضوان الله بانتظام. يقول سيدنا المسيح الموعود: إن الأعمال مشروطة بالإخلاص كما قال «مخلصين له الدين»، وهذا الإخلاص يتوفر في الأبدال. تذكروا أن الذي يكون لله يكون الله له. إذن ثمة حاجة لاتخاذ هذه الوسيلة. نحن لا نؤدي حقوق الله ثم نقول إن الله لا يجيب دعواتنا، فبعض الناس يشتكون من هذا دوما، فاستعرِضوا أوضاعكم لتعرفوا لأي حد قد أدينا حقوق الله، فإن الله رؤوف وكريم جدا حيث يكرمنا رغم أخطائنا التي لا حصر لها. إذن علينا أن ننظر كيف نؤدي حقوق الله. وإن أكبر حق لله أن نعبده كما يريد. لقد بنينا هذا المسجد والآن يجب أن نؤدي حقه، ونأتيه للعبادة بصدق وإخلاص. يقول سيدنا المسيح الموعود لافتا أنظارنا إلى ذلك: يقول الله تعالى إني قد خلقت الإنس والجن للعبادة، وهذه العبادة والقيام أمام حضرة العزة بانتباه تام لا يمكن تحققها إلا بالحب الذاتي له، وليس المراد من الحب هو الحب من جانب واحد بل المراد هو كِلا الحُبَينِ أي حب الخالق الذي ينزل على الإنسان الميت كنار البرق وحب المخلوق الذي يخرج من داخله حينئذ، لكي يُحرقا جميع أنواع الضعف البشري ويستوليا كِلاهما على الوجود الروحاني كله.
أنشئوا حبًّا ذاتيًّ لله تعالى
فعليكم أن تحافظوا على صلاتكم بتركيز وانتباه دائمين، وهو لا يتأتى إلا إذا كنتم تحبون الله حبًّا ذاتيا يتعذر نظيره لأحد آخر، عندئذ يُسفر حب الإنسان لله عن نتائج تخلق انقلابا. فالذين يتعبون بعد دعاء قصير، أو الذين يريدون إدراك فلسفة الدعاء، وإنشاء العلاقة بالله عليهم أن يتدبروا هذا النص.
فلا تتوجهوا إلى أعتاب الله للسؤال عند الحاجة فقط، بل أنشئوا حبا ذاتيا له ، فالله يحب هذا الإنسان. وذلك يقتضي طاعة تامة لأوامر الله ورسوله، فحب رسول الله أيضا ضروري، حيث يجب أن يطاع بدافع الحب، عندها يُظهر الله حبه، وعندما يجتمع هذان الحُــبَّان ينزل كما قال حضرته غيثُ أفضال الله التي لا تخطر على قلب البشر.
ثم يقول المسيح الموعود : لما كان الإنسان قد فُطر ليكون لله تعالى، كما قال :
فقد أودع اللهُ فطرته شيئا لنفسه هو وخلَقه لنفسه هو بأسباب خفية جدًّا، مما يدل على أن الله تعالى قد جعل الغاية الحقيقية من خلقكم أن تعبدوه. ولكن الذين ينحرفون عن غاية خلقهم، ويعتبرون الأكل والشرب والنوم كالبهائم هو الغاية من حياتهم، يبتعدون عن فضل الله تعالى فيصبحون محرومين من ذمة الله. وإنما يعيش في ذمة الله مَن يعمل بحسب قوله تعالى:
ويغير مسار حياته، أي يجعل العبادة مقصوده ومطلوبه ويلتزم بذلك تماما. لأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه أجله. واعلموا أن غاية الله من خلقكم أن تعبدوه وتكونوا له وحده. يجب ألا تكون الدنيا أكبر همكم. أقول لكم هذا مرة بعد أخرى، لأنني أرى أن هذا هو الأمر الذي خُلق الإنسان من أجله، وهو الأمر الذي ابتعد عنه الإنسان. لا أقول لكم أن تتخلوا عن أعمال الدنيا، وأن تقصدوا الفلوات والجبال معرضين عن الأهل والأولاد. كلا! لأن الإسلام لا يجيز ذلك، (إنما تعليم الإسلام أن تنشغلوا في أعمال الدنيا وتؤدوا حقوق الزوجة والأولاد أيضا) ولا يريد الرهبانية، إنما يريد أن يجعل الإنسان نشيطا يقظا، لذلك أقول لكم: عليكم إنجاز أعمالكم بسعي وجدّ. ورد في الحديث: من كان له أرض ولم يعمرها فسوف يؤاخذ على ذلك. فمخطئ من يظن أننا نعني أن يتخلى المرء عن الدنيا وما فيها. كلا بل عليكم أن تفحصوا جميع أعمالكم، واحرصوا على أن يكون رِضا الله تعالى هو الهدف الحقيقي من ورائها. فلا تقدِّموا أهدافكم ومشاعركم على مشيئة الله وإرادته(7).
فثمة حاجة ماسة إلى التدبر والاهتمام، فقد قال حضرته بكل ألم وحرقة: إني ألفت أنظاركم مرارا وتكرارا إلى أن لا تنسوا الغاية من حياتكم. فإذا نسينا الغاية من خلقنا بعد إعلان مبايعة المسيح الموعود فبيعتنا عقيمة وعبثية. على كل أحمدي أن يفكر كثيرا ويتدبر ويفحص كم دقيقة يعطيها لعبادة الله على مدار اليوم. فهل نستطيع أن نقول بأننا حققنا الهدف من الصلاة إذا أديناها بسرعة خلال بضع دقائق بحيث فهمنا بعض ما رددنا فيها ولم نفهم بعضه؟
لا ينهانا الله عن أعمال الدنيا
لا ينهانا الله تعالى عن أعمال الدنيا بل يريد للمؤمن الحقيقي أن تزدهر أعماله وتجاراته وحرفه وزراعته، لكن إلى جانب ذلك ينبغي ألا ينسى الهدف من خلقه حالَ اشتغاله في هذه الأعمال الدنيوية، فعليكم الحفاظ على صلواتكم أيضا. فإن أنشأتم مسجدًا فلا تتفاخروا بزينته الظاهرية بل ينبغي أن تراعوا زينته الحقيقية التي لا تظهر إلا بالعابدين الحقيقيين فيه، واسلكوا سبل التقوى، واسعوا جاهدين للوصول إلى مستوياتها العليا، وعند تحقق ذلك ستُدعون العابدين الحقيقيين.
ثم يقول الله تعالى بأنه على العابدين الحقيقيين الاهتمام بالطهارة الظاهرية والباطنية كليهما، لذلك أُمر المصلون عمومًا بالمحافظة على طهارة ثيابهم، والوضوء قبل كل صلاة، وذلك لأن للطهارة الظاهرية تأثيرًا بالغًا على باطن الإنسان، فبالوضوء يستعيد المرء نشاطه ويركّز على الصلاة على وجه صحيح.
ليس هدف المؤمن من الحياة الأكل والشرب فقط
ثم أمرنا الله تعالى إلى جانب الصلاة قائلا:
وأحد معانيه العامة تناولُ نظامٍ غذائي متوازن، وعلى المؤمن ألا يسرف في الأكل والشرب، فإن عدم الإسراف فيهما يؤدي إلى الحفاظ على صحته وبالتالي سيتمكن من القيام بالعبادة على وجه صحيح. كما أنه له معنى آخر وهو أنه ليس هدف المؤمن الحقيقي من الحياة هو الأكل والشرب والنوم -كما ذكر الله تعالى أنها من صفات الأنعام- وكما وضح ذلك المسيح الموعود في المقتبس الذي قرأته آنفا أنها من صفات الحيوانات، بل إذا شرحنا هذا الأمر أكثر ظهر لنا أنه يعني أيضا ألا نجري وراء الدنيا ومغرياتها بل ينبغي علينا معرفة الهدف من خلقنا. لا شك أن العابد الحقيقي يقوم بأعمال الدنيا أيضا ولكنه لا ينغمس فيها لدرجة لا يدرك أنه قد حان وقت الصلاة وعليه أن يصلي، بل ينبغي أن يخطر بباله فورًا عند حلول أوقات الصلوات أنه قد انتهى الآن وقت انشغاله في الأمور الدنيوية وعليه الحضور في حضرة الله تعالى والقيام بالصلاة بكل خشوع مؤدًّيا حق الله تعالى، أي لا يصلي بالسرعة بل ينبغي أن يصليها بكل حُسن وتركيز. فإضافةً إلى التزامه بالطهارة الظاهرية واتخاذه الزينة ينبغي عليه ملء قلبه بزينة التقوى أيضا.
ثم يقول الله تعالى بأنه يسمح لكم بالأكل والشرب، وكل حلال وطيب خُلق لكم وهو حلّ لكم، وأُذن لكم العمل بالتجارات والانشغال في الأعمال الدنيوية، ولكنها إذا كانت تحول دون عبادتكم لله تعالى ووصولكم إلى المساجد، وتنسيكم عباداتكم فإنه إسراف، والله لا يحب المسرفين. يقول بعض الناس لقد فُرضت علينا خمس صلوات ومن الصعب جدًّا أداءها في هذا العصر، إذ كيف يجد الإنسان لأدائها خمس مرات فرصةً من أعماله وأشغاله. يقول الله تعالى إنه ليس بأمر صعب، بل إن اهتمامكم بالدنيا وأمورها وتغافلكم عن الله تعالى هو الإسراف بعينه، وسيبعدكم هذا الإسراف عن الله تعالى رويدا رويدا.
فإن ظهر لأحد سخط الله تعالى فلن تبقى له قائمة، وفي هذه الحالة حتى ولو قال بلسانه بأنني مسلم وأنني مسلم أحمدي وبايعت إمام الزمان وفق أمر النبي مع ذلك فإنه عمله سيجعله عرضة لسخط الله تعالى. فلقد أعطى الله تعالى تعليمًا متوازنا بحيث أمر أن تكسبوا الدنيا ولكن ينبغي أن تجعلوا الدين أيضا نصب أعينكم ولا تسرفوا في كسب الدنيا، والمؤمن الحقيقي هو من يوثر الدين على الدنيا، وعندما يوثر الإنسان الدين على الدنيا حقيقةً فإن الله تعالى يفتح له طرقًا جديدة للرزق ويبارك في أعماله، فمن اتبع أوامر الله تعالى وجعل حياته متوافقة بأحكام الله تعالى وسعى جاهدًا لبلوغ المستويات المطلوبة في العبادات فستُقضى له حاجياته الدنيوية أيضا بفضل الله تعالى. لا شك أن رغبة الإنسان في الأطماع الدنيوية تزداد وتزداد، فإن تفاقمت تحولت إلى نار لا تخمد أبدًا. فإن كان الإنسان ملتزما بالدين فلا تشتعل لديه نار إشباع الرغبات الدنيوية التي لا تنطفئ أبدًا، تلك التي يحترق فيها الإنسان وينتهي، ولا حظّ لمثل هذا الإنسان في حياة الآخرة التي هي الحياة الحقيقية.
يقول الله تعالى:
فينبغي أن نكون من هؤلاء المؤمنين الذين يعمرون مساجد الله، ومن علاماتهم أنهم بعد أداء صلاة ينتظرون ليحين موعد الأخرى فيتوجهوا لأدائها. هذا هو الهدف من إنشاء المسجد وعمارته وكيفية هذه العمارة.
إنشاء المسجد ومسؤولياتنا
فالآن بعد إنشاء هذا المسجد هنا يتوجب على أهل هذه المنطقة أن يعمروه، وهو الطريق الصحيح لجذب أفضال الله تعالى ولإصلاح أنفسنا ولربط ذرارينا بالله تعالى، وإلا فإن بريق العصر الراهن وإغراءاته سوف تبعدهم عن الدين. هناك حاجة ماسة لربطهم مع المساجد منذ الصغر وإخبارهم عن أهمية الدين، وهذه مسؤولية الوالدين كليهما.
إلى جانب هذا ينبغي أن تتذكروا أنه بإنشاء هذا المسجد وافتتاحه الآن سيتم التعريف بالجماعة، وبالمسجد وبالإسلام، وبالتالي فستُفتح طرق للتبليغ وسيتم التواصل مع كثير من الناس، ومن واجب كل أحمدي الاستفادة من هذه الأمور وتبليغ دعوة الأحمدية أي الإسلام الحقيقي. يقول المسيح الموعود :
«إن جماعتنا في العصر الحاضر بأمس الحاجة إلى بناء المساجد. فالمسجد بيت الله. واعلموا أن القرية أو المدينة التي أقيم فيها مسجدنا وُضع فيها أساس رقي جماعتنا… شريطة أن يكون وراء بناء المسجد نية حسنة وإخلاص ويُبنى لابتغاء مرضاة الله فقط.»
فبحسب قول المسيح الموعود يوضع أساس رقي الجماعة بإنشاء المسجد، فإن تمت مساعي الأحمديين بإخلاص وبلغت عباداتهم المستوى المطلوب، فلا بد أنه قد تم وضع أساس لرقي الجماعة هنا أيضا. فعليكم رفع مستويات عباداتكم وإخلاصكم، كما عليكم نقل هذا الإخلاص وأهمية الدعاء والعبادة إلى ذراريكم أيضا، وعند ذلك سنرى حدوث انقلاب حتى في هواة الدنيا والمادة أيضا. يقول المسيح الموعود :
وفق الله تعالى الجميع ليكونوا مؤدي الصلاة بكل إخلاص وعامري هذا المسجد، وتقبل الله تعالى دعواتنا وعباداتنا، آمين.
الهوامش:
- (الأَعراف: 30-32)
- (صحيح مسلم, كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
- البيهقي، شُعب الإيمان
- (الحكم، 31/ 10/1902، ص2)
- (الحكم، 15/3/1904، ص9)
- (الذاريات: 57)
- (الحكم، مجلد 5، رقم 29، عدد 10/ 8/1901 م، ص 2)
- (الأَعراف: 32)
- (التوبة: 18)