قول في محاسن القرآن وَفضائله
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز
الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي بتاريخ 7/4/2023م
في مسجد بيت الفتوح بلندن
- إكمال الشريعة وتكميل الأخلاق
- ضرورة بعث المسيح الموعود في ظل اكتمال شريعة الإسلام
- القرآن الكريم ذريعة الهداية الوحيدة في هذا العصر
- تفرد وحي الله وتميزه عن كلام الخلق
- سبيل القرآن لإيصال الإنسان إلى درجات الكمال
- حفظ القرآن في السطور وفي الصدور!
___
إكمال الشريعة وتكميل الأخلاق
حين أكمل الله الدين والشريعة على النبي أعلن في القرآن الكريم:
فمن منة الله العظيمة على المسلمين أنه أعطاهم شريعة كاملة متكاملة، وإنما الإسلام وحده دون غيره من الأديان أعلن أن الدين الأخير الذي يرضاه الله الآن هو الإسلام فقط. وإذا كان الإنسان يريد رضوان الله فلا بد له من اعتناقه والعمل بتعليمه، فقد أعلن الله أن تعليم القرآن الكريم وحده وسيلة وحيدة لتقدم الإنسان في الأخلاق والروحانية، بل إن هذا التعليم كامل متكامل بحيث إنه هو وحده حصرًا الذي يهدي إلى سبل الرقي المادي أيضا. فحين قال الله : أَكْمَلْتُ، كان في هذا إشارة إلى أن جميع كفاءات الإنسان سواء كانت أخلاقية أو روحانية أو مادية يمكن الفوز بها، عملا بالقرآن الكريم فقط. وإن التعليم الكامل عن ذلك ينبع من القرآن الكريم وحده، إذا عملتم به في الحقيقة، وبقوله أَتممتُ أعلن بكل قوة أن القرآن الكريم وحده يسد جميع حاجات الإنسان من كل النواحي. فليست ثمة حاجة من حاجات الإنسان المادية أو الروحانية ووسائل ارتقاء مدارج الأخلاق، لم يُحط بها القرآنُ الكريم. فكل ما يريد الإنسان أن يراه بعين الإنصاف فإنما يجده في تعليم القرآن. إذن قد أعلن الله بهذه الآية أن بقاء الإنسان منوط بهذا التعليم فقط، وأن هذا التعليم يشمل كلَّ زمن وكلَّ إنسان في العالم، وأن جميع التعاليم التي نزلت على الأنبياء قبل القرآن الكريم، كانت مؤقتة وخاصة بعصر معين، ولم تكن للإنسانية كلها.
ضرورة بعث المسيح الموعود في ظل اكتمال شريعة الإسلام
لقد أعلن سيدنا المسيح الموعود توضيحا لذلك أيضا أنه بذلك يَثبت أن الغاية من بعثة النبي قد تحققت، وأنه هو النبي الكامل والأخير، الذي نزلت عليه هذه الشريعةُ الكاملة. فهذا ما نعتقد به ونؤمن به. قال المعترضون لسيدنا المسيح الموعود : إذا كنت تعتقد بذلك وأنك تؤمن بأن القرآن الكريم شريعة أخيرة وأن النبي هو النبي الأخير، فما قيمة دعواك؟ وما الحاجة لبعثتك في هذا العصر؟ فردّ حضرته على ذلك بشتى الأجوبة ومنها ما قال في موضع، لو كنتم عاملين بتعليم الإسلام لكان قولكم صوابا وما كانت ثمة حاجةٌ لبعثتي، لكن حالة العصر عموما وأوضاع المسلمين خصوصا تعلن أن ثمة حاجة لمعلِّم. ثم كان النبي نفسه قد قال بأن هذا التعليم سيُنسى وأنه سيأتي على رأس كل قرن من يجدده، وتنبأ أن المسلمين سينسون تعليم القرآن الكريم رغم كونه كاملا، وستنشأ فيهم البدع. لذا سوف يأتي المجددون وأنه في الزمن الأخير سيُبعث المسيح الموعود والمهدي ليُنزل الدين من الثريا إلى الأرض. فقد قال سيدنا المسيح الموعود في أدبياته وكتاباته وكتبه، إنه قد جاء خادما تابعا للنبي لنشر شريعته ودينه وتعليمِ القرآن الكريم في العالم، وأن الدين قد اكتمل على يد النبي وأنه جاء لإيصاله وتعليمِه إلى كل بقاع العالم. لقد أُكمل التعليم بنزول القرآن الكريم على النبي . ولما لم تكن وسائل نشر الهداية والتعليم متوفرةً في زمنه لذا قد بعث الله المحب المخلص للنبي في هذا العصر بحسب وعده. فهذه المهمة التي أنجزها المسيح الموعود ومن أجل مواصلتها حصرا تأسست الجماعة الأحمدية، وهذه هي المهمة التي تنجزها الجماعة من خلال ما ترك من الأدبيات وتفسيره للقرآن الكريم. ويجب أن ينظر كل أحمدي إلى أي حد يحقق هذه الغاية، فهناك برامج من أجل ذلك على مستوى الجماعة، لكن يجب أن تبذل الجهود على الصعيد الفردي أيضا، فلن تتحقق الغاية من بيعتنا ما لم نضع هذه الغاية نصب أعيننا. ومن أجل ذلك علينا أن نهتم بتلاوة القرآن الكريم وفهمِه دوما، والوسيلة المثلى لذلك هي كُتب سيدنا المسيح الموعود وتوجيهاتُه.
من الواضح والمفهوم تماما أنّ هناك فرقا بطبيعة الحال بين كلام الجاهل والعاقل. وتلاحَظ الكمالات العلمية التي يملكها المرء في بياناته العلمية كما يُرى الوجهُ في المرآة بكل وضوح. والكلمات التي يتفوه بها عند بيانه الحق والحكمة تُعدّ معيارا للتعرّف على مؤهلاته العلمية. فالفرق بين الكلام الذي يتدفق من ينبوع العقل الكامل وبين الكلام الذي ينتج عن أفكار ضيقة الآفاق ومظلمةٍ ومحدودة
القرآن الكريم ذريعة الهداية الوحيدة في هذا العصر
إنني أتناول منذ مدة قصيرة بيان محاسن القرآن الكريم ومزاياه في ضوء أقوال سيدنا المسيح الموعود ، واليوم أيضا سأقدم بعض المقتبسات من كلام حضرته عن إكمال القرآن الكريم وتعليمه. يقول سيدنا المسيح الموعود : من الثابت المتحقق أن القرآن قد أدّى حق إكمال الدين على أحسن وجه كما يقول:
إذن، لا يوجد لكتاب بعد القرآن الكريم موطئ قدم لأنه قد بيّن كل ما كان البشر بحاجة إليه. أما الآن فلم يبق إلا باب المكالمات الإلهية فقط مفتوحا. (أي أن باب كلام الله مع عباده الخواص مفتوح، وليس هناك تعليم جديد) وهذا الباب أيضا لم ينفتح تلقائيا بل المكالمات الصادقة والطاهرة المتصبغة بصبغة النصرة الإلهية بكل صراحة ووضوح والمشتملة على الأمور الغيبية الكثيرة تُنال بعد تزكية النفس وباتباع القرآن الكريم واتباع النبي فقط.
لما كان القرآن كتابا كاملا فقد انفتحت باتباعه وباتباعٍ كاملٍ للنبي سبل إنشاء العلاقة بالله . وليس ثمة وسيلة سواه، وقال حضرته إنه هو الآخر حظي بهذه المكانة بهذا الطريق.
ثم يقول حضرته عن كون القرآن الكريم هدايةً كاملة بأن القرآن الكريم لا يريد من الإنسان أن يزعم بترك الشر أنه أصبح صاحبَ الكمال، (أي قد نال الكمال نتيجة تخلِّيه عن السيئات) كلا بل يريد أن يجعل الإنسان حائزا على أسمى الكمالات والأخلاق الفاضلة. فالقرآن الكريم لا يريد أن يكتفي الإنسان بمجرد الإقلاع عن السيئات فقط، بل يريد أن يخلق في الإنسان الكمالات من أسمى الدرجات والأخلاق الفاضلة، أي يجب أن يُقلع عن عن السيئات ويتخلق بأسمى الأخلاق أيضا، بحيث تصدر من الإنسان أعمال وأفعال لخير البشرية ومواساتها مما يؤهل للفوز برضوان الله، أي ينبغي أن تكون نتيجة أعمالنا الفوز برضوان الله .
إذن يجب أن تنشأ فينا هذه الفكرةُ بحسب تعليم القرآن الكريم، يجب أن نفحص أنفسنا هل نفكر في هذا الاتجاه؟ هل ندعي كغيرنا بقراءة القرآن الكريم فقط أو تحدث فينا التغييراتُ أيضا في الحقيقة، وتنشأ لنا علاقة خاصة بالله ؟ في رمضان يُقرأ القرآن الكريم وتُلقى الدروس منه أيضا. فيجب تطبيقه أيضا على حياتنا. فقد تعهدنا في عهد البيعة، بشروطها العشرة ، وفيها أن المبايع يقبل حكومة القرآن الكريم كاملة. فإذا صمم كل واحد منا العزم في هذا الشهر بأنه سيعمل بتعاليم القرآن، فسوف نتقدم في الروحانية وفي الوقت نفسه نجعل المجتمع قطعة من الجنة، وستتحول الخصومات والنزاعات التي تنشأ في البيوت والعائلات بين حين وآخر إلى الحب والمودة.
الشريعة الأكمل والأسمى
يتحدث سيدنا المسيح الموعود موضحا أن بذرة الشريعة الإلهية قد بلغت كمالها في عصر القرآن الكريم، فيقول: لما كان القرآنُ الكريم يقدم تعليما كاملا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (أي قد بيَّن بالكمال ما الذي يجب العمل به وما الذي يجب الامتناع عنه) وقد أراد الله أن يصلح بواسطة القرآن الكريم كل المفاسد وأكبرها التي يمكن أن تتطرق إلى طبيعة البشر والتي يستطيعون فيها الانحدار في ميادين الضلال وسوء العمل، لذا فقد أنزل القرآنَ في وقت نشأت في البشر هذه المفاسد وتلوّثت حالة الإنسان بكل معتقد سيئ وعمل منكَر. هذا ما اقتضت حكمة الله أن ينـزل كلامه الكامل في مثل هذا الوقت، لأن اطلاع مثل هؤلاء الناس على تلك الجرائم والمعتقدات السيئة حين كانوا يجهلونها تماما، إنما هو بمنـزلة ترغيبهم في تلك الذنوب. (أي إن إخبار الناس عن ذنوب لا يعرفونها وليس عندهم أي تصور عنها، يؤدي إلى نشر تلك الذنوب فيهم. هذا ما نلاحظه اليوم في نظام التعليم أنه يتم إخبار الأطفال عن العلاقات الجنسية وما إلى ذلك من أمور ليس لديهم فكرة عنها، فتصيبهم الدهشة والحيرة. وبدأ آباء الأطفال الآن يقولون: ما هذا الذي يتم تدرسيه لأطفالنا؟! وقد انتبه إليه قسم التعليم أيضًا. لقد تجاوز بعض المعلمين الحدود في هذا المجال بحيث بدأوا يغرسون في نفوس الأطفال أشياء ليست لديهم أية فكرة عنها، وإنما ينبغي أن يعرفوها عندما يصلون إلى سن البلوغ. هذا هو الفرق بين قانون الشريعة وقانون الإنسان، وهذا هو الفرق بين قوانين الدنيا وهداية القرآن الكريم بحيث يوضح القرآن الكريم أن هذه الهداية تصلح لهذا العمر من الناس وتلك لذلك العمر، فلا يشرح ويفصل في كل شيء دفعة واحدة، بل إن تفاسير تلك الكلمات نفسها وفقًا لعقل الجميع وفهمهم توضح الأمور وتشرحها رويدًا رويدًا). فقال حضرته: فبدأ وحي الله منذ آدم كبذرة، وقد بلغت تلك البذرة لشريعة الله كمالها في زمن القرآن الكريم وصارت دوحة عظيمة. (فكلما انتشرت السيئات ظهر علاجها بحسب مقتضيات العصر، وهذه ميزة تعليم القرآن الكريم أنه يحتوي على علاج سيئات كل عصر، ونتعلم ذلك من خلال المفسرين والصلحاء من عباد الله تعالى). ثم قال حضرته: فلأن الكتاب الكامل كان من المفروض أن ينزل ويقوم بإصلاح كامل، فكان لزاما أن يوجد عند نزوله وفي مهد نزوله الأمراض بكل أنواعها وأشكالها، ليتيسر علاجٌ كامل لكل مرض وسقم. ومن أجل ذلك وُجد في هذه الجزيرة (أي جزيرة العرب) المصابون بكل تلك الأسقام الروحانية التي كانت متفشية في ذلك العصر أو كانت ستصيب الأجيال في المستقبل، (وهنا توضَّحَ الأمر أكثر أن هذا التعليم قد جاء لعلاج الأسقام الموجودة أو التي ستصيب الأجيال القادمة، وذلك لأن الشريعة كانت ستكتمل لذلك تمّ بيان علاج الأسقام والسيئات التي ستنتشر في المستقبل أيضا، وبالتالي فإن الكشف عنها سيتم كلما اقتضت الحاجة إليه، ولذلك فإن المفسرين ظلّوا يشرحون هذه الأمور بحسب الحاجة في عصورهم). وقال حضرته: ومن أجل ذلك أكمل القرآن الكريم الشريعة من كل النواحي. لم تمسّ هذه الحاجة إلى ذلك في زمن نزول الكتب الأخرى، وبالتالي لم تحتوِ على مثل هذا الهدي الكامل.»
ولقد أثبت حضرته هنا أن النصارى واليهود يعترفون أن حالة هذا العصر كانت قد بلغت حضيض الضلال والاعوجاج وكانت هناك حاجة ماسة إلى نزول شريعة جديدة.
تفرد وحي الله وتميزه عن كلام الخلق
يتحدث سيدنا المسيح الموعود عن أن كلام الله القرآن الكريم لا يمكن أن يشبه كلامَ أي إنسان، ويضرب مثالا لإفهام هذا الأمر فيقول: لو أراد بعض الأدباء المتكلمين، كلٌّ بحسب قدرته العلمية، (أي لو أراد المتكلمون المفوّهون والكتّاب البارعون مستخدمين براعتهم العلمية) تأليفَ مقال خالٍ تماما من العبث والكذب والحشو واللغو والهزل والهراء والكلام المهمل والبيان المشتت، ومن جميع الأمور التي تخالف الحكمة والبلاغة، ومن الآفات المنافية للكمال والجامعية، (أي إن الكاتب البارع يسعى ليكتب كلامًا بعيدًا عن كل نوع من الكذب التافه واللغو البذيء والاستهزاء والسخرية وغيره، ومنزّهًا عن كل نوع من الكلام الفارغ والسيئ والمعقّد بحيث لا يفهمه أحد، وخاليًّا من الحكمة والبلاغة وغيرها من الأمور الفارغة. فمن ميزات الكاتب البارع أن يكون كلامه منزّهًا عن جميع أنواع الهراء)، ثم قال حضرته: ومن ناحية ثانية أن يكون مليئاً كلِّيًّا بالحق والحكمة والفصاحة والبلاغة والدقائق والمعارف (أي لا يكفي أن يكون كلامه منزّهًا عن هذه الأمور بل ينبغي أن يكون مليئًا بالمعارف أيضا، إذا كان الأمر كذلك) لاحتل الدرجة الأولى في تأليفه شخص هو أكثرهم قدراتٍ علمية وأوسعهم معلوماتٍ وخبرةً وأعلاهم قدرة في العلوم الدقيقة وأفضلهم تمرينا وتدريبا وأكثرهم حنكة في مجال التأليف والأدب. (أي يجب أن يكون مثقفًا وعالمــًا ومحنكًا، فإن مثله يمكنه أن يكتب مقالا منزّها عن كل تلك العيوب المذكورة) ولن يحدث بأي حال أن يساويه من حيث الكمالات مَن كان أضعف وأدنى منه قدرة وعلمًا وموهبة، وأبسط منه تأهيلا وعقلا وذهنا. (أي لا يمكن لمن هو أقل منه درجةً أن يساويه في كتاباته من حيث الكمالات، فلا يمكن أن يحاذيه من لا يملك الكفاءات المذكورة). قال حضرته: فمثلا هناك طبيب حاذق يملك خبرة تامة في علم الأبدان (أي طبيب مختص وخبير يملك خبرة كبيرة) ولديه إلمام كامل في تشخيص الأمراض والبحث في الأعراض بناء على ممارسته مدّة طويلة من الزمن، (أي أن باستطاعته تشخيص المرض بدقة ولديه إلمام كامل بالأمراض) بالإضافة إلى ذلك هو وحيد عصره في الأدب (أي يتميز بميزة فريدة زائدة أنه أديب أيضا) وفريد دهره في النظم والنثر (أي جيد جدًّا وممتاز)، فيستطيع أن يبين كيفية حدوث المرض (أي نشوء المرض) وعلاماته وأسبابه ببيان فصيح ومفصّل بكمال الصحة والشفافية وبأسلوب جميل وبليغ، لا يمكن أن يبينه كمثله أبدًا شخص ليس لديه أدنى إلمام بفن الطبابة ويجهل أيضا أدق أساليب الكلام والأدب.(أي لا يمكن لشخص آخر لا يتحلى بتلك الميزات أن يذكر كل هذه الأمور كما يذكرها عالم مختص وخبير في مجاله بالإضافة إلى ذلك يحسن في البيان والبحث أيضا، فلا يمكن أن يكون هذا كمن كان علمه ضئيلا محدودا، بل لا بد أنه يكون متفوقًا على الأخير). ثم قال حضرته :
“من الواضح والمفهوم تماما أنّ هناك فرقا بطبيعة الحال بين كلام الجاهل والعاقل. وتلاحَظ الكمالات العلمية التي يملكها المرء في بياناته العلمية كما يُرى الوجهُ في المرآة بكل وضوح. والكلمات التي يتفوه بها عند بيانه الحق والحكمة تُعدّ معيارا للتعرّف على مؤهلاته العلمية. فالفرق بين الكلام الذي يتدفق من ينبوع العقل الكامل وبين الكلام الذي ينتج عن أفكار ضيقة الآفاق ومظلمةٍ ومحدودة، (فما الفرق بين هذين الكلامَين؟ الفرق هو أن أحدهما ينبثق من ينبوع العلم والعرفان، والآخر كلام سطحي.” يقول حضرته عن هذا الفرق أنه) :”يلاحَظ كالفرق الواضح بين الرائحة الزكية والكريهة عند حاسة الشم شرطَ ألا تكون ممسوخة نتيجة آفة فِطرية أو مؤقتة. (أي أن الفرق واضح بين الرائحة الزكية والكريهة). يقول حضرته: “فكِّروا في هذا الأمر ما استطعتم وتأملوا فيه كما تريدون، فلن تجدوا نقصا في هذه الحقيقة ولن تروا فيها من تفاوت من أيّ جهة. (أي إنه لقول حق، فلن تجدوا فيه أي تفاوت أو عيب).”
فلما ثبت من كل الوجوه أن الفرق الكامن بين القوى العلمية والعقلية المختلفة يظهر للعيان حتما من خلال الكلام، فلا يمكن قط أن يستوي الذين هم أفضل وأعلى من حيث العقل والعلم وفصاحة البيان وسمو المعاني مع غيرهم (أي لا بد أن يتفوق أصحاب العلم والمعرفة على عامة الناس ولا يمكن أن يكونوا على درجة واحدة) دون أن يبقى ما يميز بينهم وبين غيرهم.
إذن، فإن ثبوت هذه الحقيقة يستلزم ثبوت حقيقة أخرى وهي أنه لا بد أن يكون كلام الله تعالى أعلى وأفضل وعديم المثال من حيث كمالاته الظاهرية والباطنية مقارنة مع كلام الإنسان، (يثبت من هذا المثال أن كلام الله تعالى أعلى مرتبة من كلام هؤلاء كلهم، لأنه تعالى محيط بكل العلوم، ولا علم لأحدٍ كمثل علمه)
لأنه من المستحيل تماما أن يتساوى علم أحد مع علم الله التام. فقد قال الله تعالى مشيرا إلى هذه الحقيقة:
أيْ إن لم يقدر الكفار على الإتيان بنظير القرآن الكريم وعجزوا عن المواجهة، فاعلموا أن هذا الكلام ليس كلام بشر بل نزل بعلم الله الذي لا حقيقة لعلوم البشر ولا أهمية مطلقا أمام علمه الواسع والتام. (ما داموا لا يستطيعون الإتيان بنظيره فهو كلام الله وليس كلام بشر) ففي هذه الآية جعل وجود الأثر دليلا على وجود المؤثّر من منطلق الدليل «الإني»، وملخصه بتعبير آخر أنه لا يمكن أن يُشبّه علم الله تعالى -لكونه الكامل والجامع- بعلم الإنسان الناقص، بل إن الكلام الذي خرج من هذا العلم الكامل وعديم المثال يجب أن يكون أيضا كاملا وعديم النظير، ومتميزا عن كلام الإنسان بجميع أنواعه. فهذا الكمال ثابت في القرآن الكريم. (البراهين الأحمدية)
باختصار، القرآن وحده يزعم الكمال من جميع النواحي، وأن لا أحد بإمكانه مبارزته، وبالفعل لم يبارزه يُقدِم أحد على مبارزته إلى الآن ولن يبارزه أحد في المستقبل أيضا.
سبيل القرآن لإيصال الإنسان إلى درجات الكمال
بين حضرته أن القرآن الكريم وحده يوصل المرء إلى كمال المراتب العملية بالإضافة إلى المراتب العلمية. فقال :
إن القرآن الكريم كما يوصل إلى أعلى درجات الإيمان من حيث المراتب العلمية، كذلك تُنال كمالات المراتب العملية أيضا بواسطة القرآن الكريم وحده. ولقد ظلت آثار القبول عند الله وأنوارها تظهر ولا تزال تظهر في الذين اتبعوا هذا الكلام المقدس، ولا تظهر في غيرهم قط. ففي هذا الدليل الذي يستطيع طالب حق مشاهدته بأم عينه كفاية له، (إذا اتبعتم تعاليم القرآن ظهرت لكم الآيات، يقول بعض الناس: لا نرى آيات ولا يستجاب دعاؤنا مع أننا دعونا لفترة طويلة، ولهذا يقول الله تعالى إذا استجبتم لقولي مع الإيمان بي وعملتم بتعليمي فحينها سوف يستجيب الله دعاءكم. هذا أيضا ملخص لتعليم القرآن الكريم. فالذين يعملون بتعاليم القرآن ينالون بركات غير عادية.)
قال وهو يبين أن القرآن الكريم قد أحاط بجميع الحقائق الدينية بكمال الإيجاز أظهر القرآن الكريم فصاحته وبلاغته بالتزام الصدق والحكمة والضرورة الحقة وأحاط بجميع الحقائق الدينية بكمال الإيجاز. فهو يزخر بالبراهين الساطعة لإسكات كل مخالف ومنكر، ويتراءى بحر عميق وشفاف من آلاف الدقائقِ والحقائقِ زخارا لتكميل يقين المؤمنين، ويسعى لإصلاح كل ما رأى فيه الفساد. وكلما وجد إفراطا أو تفريطا غالبا بشدة دحضهما أيضا بالشدة نفسها. وقد ورد فيه علاج لكل ما رآه من أنواع الأسقام والأمراض المنتشرة. وقضى على كل شبهة أثارتها الأديان الباطلة، (ما تطرحه الأديان الباطلة من أسئلة وشبهات وأفكار خاطئة أبطلها القرآن الكريم) وردّ على كل اعتراض. ليس هناك من صدق لم يبيِّنه، وما من فرقة ضالة إلا ردّ عليها. (رد على الضالين وكل أمر في القرآن واضح للغاية) والأهم من كل ذلك أنه لم ترد فيه كلمة بغير ضرورة قط، وما جاء شيء في غير محله، وما من كلمة وردت لغوا. ومع الالتزام بكل هذه الأمور أظهر من الفصاحة والبلاغة مرتبة كاملة لا يُتصوَّر أعلى منها. وأوصل البلاغة كمالا بحيث جمع في كتاب صغير علم الأولين والآخرين بكمال الترتيب الحسن والمحكم والبيانِ الموجز والمدعوم بالأدلة (كان في القرآن علم للأولين أيضا كما ضربتُ مثالا من قبل أن المسيح الموعود قال بأن القرآن فهمه سكان البادية أيضا وأصبحوا أولياء الله ومثقفين، وأما أصحاب العلم فهم أيضا فهموا القرآن بحسب مستواهم العقلي. وليس هذا فقط بل كان فيه العلم للأولين والآخرين. فالقرآن يتضمن تعاليم بحيث يمكن أن يُفسَّر ويُستنبط من كل كلمة له معاني جديدة في كل زمن بحسب مقتضيات ذلك الزمن). قال : جمع كل هذا في كتاب صغير ليخلص الإنسان -الذي عمره قصير وأعماله متراكمة- من كثير من المشاكل العصيبة، ولكي ينال الإسلام دعما من هذه البلاغة لنشر المسائل ولكي يسهل حفظه. (البراهين الأحمدية)
حفظ القرآن في السطور وفي الصدور!
يحفظ الناس القرآن الكريم ويحفظه الأولاد في صغر سنهم. وقد أثبت حضرته في كتابه البراهين الأحمدية أن القرآن وحده من حيث كلامه ولغته يبين حقائق لا توجد في أي كتاب آخر، وأما الكتب الأخرى مثل الإنجيل وغيرها فلا يمكن أن تُسمى الآن كتبا إلهية بسبب التدخل البشري فيها.
قال في موضع آخر وهو يبين كمال إيجاز القرآن الكريم:
لو قرأ أي منصف القرآن الكريم لعلم فورا أنه قد بلغ القمة في إيجاز الكلام وفي بيانٍ قلّ ودلّ، وهو شرط واجب للبلاغة، إذ إن حجمه مع الإحاطة بجميع ضرورات الدين واستيفاء كافة الأدلة والبراهين صغير جدا بحيث يستطيع الإنسان أن يقرأه من البداية إلى النهاية في غضون تسع إلى اثنني عشرة ساعة في اليوم بسهولة وتأمل. (كلماته قليلة بحيث يمكن قراءته بسهولة) والآن، يجدر بالانتباه كيف تشكل بلاغة القرآن معجزةً عظيمة إذ جمع بحر العلم الزخّارَ في ثلاث مَلَازِم* أو أربع، وجمع أيضا عالَما من الحكمة في صفحات قليلة فقط. هل سمع أحد من قبل أو رأى أن يشمل كتاب قليل الحجم مثله حقائق الدهر كله؟ أو هل يجيز العقل أن يتبوأ الإنسان مرتبة عظيمة حتى يكون قادرا على أن يجمع بحر الحكمة في كلمات وجيزة بحيث لا تبقى حقيقة من حقائق علم الدين خارج نطاقها؟
هنا قارن حضرته القرآن الكريم مع الفيدا وأثبت أن الفيدا تخلو من مضامين القرآن الكريم، ثم ذكر أن عبارات الفيدا طويلة للغاية بحيث يصعب قراءتها. ثم تحدى حضرته أتباع جميع الأديان أن يتقدموا لإراءة الميزات التي يُريها القرآن الكريم. ولا يوجد أحد في ذلك الزمن تحدى العالم كله هكذا. وبالرغم من ذلك فإننا نُتَّهَم بالإساءة إلى القرآن الكريم.
كان زمن القرآن الكريم يقتضي تعليما كاملا. قال بهذا الشأن:
القرآن الكريم وحده الذي أعطى تعليما كاملا، وأن عصرَ القرآن الكريم كان جديرا بأن يعطَى فيه تعليمٌ كامل. (قد ذكرتُ هذا من قبل أيضا) فإعلان التعليم الكامل الذي قام به القرآن الكريم كان من حقه هو فقط، ولم يعلن أي كتاب سماوي آخر مثل هذا الإعلان. (البراهين الأحمدية ج5)
ثم قال : إنما المؤمن في نظرنا من يتبع القرآن الكريم اتباعا صادقا، وآمن بأن القرآن الكريم خاتم الكتب، (هذه علامة المؤمن) وآمن بأن الشريعة التي جاء بها النبي هي وحدها باقية للأبد، ولم يغير فيها نقطة ولا حركة، ويفني نفسه بالتفاني في اتباعها، ويوظف كل عضو من جسمه في العمل بها ولا يعارضها عملا ولا علما، عندها يعد مسلما حقا. (ثمة حاجة لنحاسب أنفسنا). (الملفوظات)
ثم قال عن كون القرآن الكريم كتابا أخيرا:
نزل القرآن الكريم في زمن ظهرت فيه كافة الحاجات التي كان ظهورها ممكنا.. أي كانت الأمور المتعلقة بالأخلاق والمعتقدات والقول والفعل قد فسدت كلها، وكان الإفراط والتفريط والفساد من كل نوع قد بلغ منتهاه، فجاءت تعاليم القرآن أيضا في ذروتها. فبهذا المعنى صارت شريعة القرآن الكريم مُختتِمة ومكمِّلة، أما الشرائع السابقة فكانت ناقصة؛ لأن المفاسد التي جاءت تلك الكتبُ الموحى بها لإصلاحها لم تبلغ ذروتها في الأزمنة السابقة، بينما بلغت أوجها في زمن القرآن الكريم. (كثير من الناس والأولاد أو الشباب يسألون عن هذا الأمر فهذا جواب لهم أن هذه الأمور لم تبلغ من قبل ذروتها أما في زمن القرآن فقد بلغت ذروتها لذا بلغ التعليم أيضا كماله ولذلك نزل القرآن الكريم وتأسس الإسلام بواسطة النبي ) فالفرق بين القرآن الكريم والصحف الأخرى هو أنه حتى ولو ظلّت الكتب السابقة محفوظة من كل نوع من الخلل، فأيضا كان لا بد من نزول التعليم الكامل أي القرآن الكريم في وقت من الأوقات لأن تلك التعاليم السابقة كانت ناقصة (أي أن بعض المفاسد والحاجات المستجدّة فيما بعد لم تكن قد ظهرت في زمن تلك الكتب، فكيف كان ممكنا أن تقدم تعاليم فيها حلولها، لذلك فظلت تلك الكتب ناقصة وبالتالي كان لا بد أن يأتي القرآن الكريم بعدها) أما القرآن الكريم فلا يحتاج أن يأتي بعده كتاب آخر، إذ لم تبق في الرفعة درجة أخرى بعد درجة الكمال. ولو افترضنا جدلاً أن مبادئ القرآن الكريم الحقّةَ أيضا ستُحوَّل في زمن من الأزمان إلى الشرك مثلما حصل مع الفيدا والإنجيل، وسيتطرق التحريف والتبديل إلى التوحيد الذي يعلّمه القرآن، وكذلك لو افترضنا جدلا أيضا أن ملايين المسلمين المتمسكين بالتوحيد سيسلكون سبيل الشرك وعبادةِ المخلوق في زمن من الأزمان، فلا شك في هذه الحالة أن تنزل شريعة أخرى ويأتي رسول آخر. ولكن كل من هذين الاحتمالين محال. (أي أن هذا مجرد افتراض، ولا يمكن أن يحدث ذلك لأن الله تعالى قد وعد بحفظ هذه الشريعة، وقد بعث المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام أيضا للغرض نفسه، وهذا هو واجبنا نحن أيضا).
ثم يقول : “إن ما هو ضروري للنجاة -كما قاله الله مرة بعد أخرى- هو أولاً أن يؤمن المرء بصدق القلب بأن الله هو وحده لا شريك له، ويوقن بأن النبي نبي صادق، وأن القرآن الكريم كتاب الله، وأنه لم ولن يأتي كتاب أو شرع بعده إلى يوم القيامة” (أي ليس هناك بعد القرآن الكريم حاجة لأي كتاب أو شرع آخر).
ثم يقول بشأن عظمة الوحي القرآني: “ألا إن لعنة الله على الذين يقولون إنّا نأتي بمثل القرآن. إنه معجزة لا يأتي بمثله أحدٌ من الإنس والجان. وإنه جمع معارف ومحاسن لا يجمعها علم الإنسان. بل إنه وحيٌ ليس كمثله غيره وإنْ كان بعده وحيا آخر من الرحمان. فإن لله تجلّياتٍ في إيحائه، وإنه ما تجلّى من قبل ولا يتجلّى من بعد كمثل تجلّيه لخاتم أنبيائه. وليس شأنُ وحيِ الأولياء كمثل شأنِ وحي الفرقان، وإنْ أُوحِيَ إليهم كلمة كمثل كلمات القرآن، (أي يمكن أن يوحى إلى الأولياء أيضا ولكن وحيهم لا يكون كوحي القرآن شأنا) فإن دائرة معارف القرآن أكبر الدوائر، وإنها أحاطت العلوم كلها وجمعت في نفسها أنواع السرائر، وبلغت دقائقُها إلى المقام العميق الغائر، وسبَق الكلَّ بيانًا وبرهانا، وزاد عرفانا. وإنه كلام الله المعجز ما قرع مثلُه آذانًا، ولا يبلغه قول الجنّ والإنس شأنا. فمَثلُ القرآنِ وغيرِ القرآن كمثلِ رؤيا رآها مَلِكٌ عادل رفيعُ الهمّة كاملُ الفهم والقياس، ورأى هذه الرؤيا بعينها رجلٌ آخر قليلُ الفهم قليلُ الهمّة ومِن عامّة الناس، فلا شكّ أن رؤيا الملِك ورؤيا هذا الرجل وإنْ كانت واحدة غيرَ مميّزة في ظاهر الحالات، ولكن ليست بواحدة عند عارفِ تعبيرِ الرؤيا وذي الحصاة، بل لرؤيا الملِك العادل تعبيرٌ أعلى وأرفعُ وأعمُّ وأنفعُ، وهي للناس كلِّهم خيرٌ، ومع ذلك أصحُّ وألمعُ. وأمّا رؤيا رجلٍ هو من أدنى الناس، فلا يتخلّص في أكثر صورها من الالتباس، بل من الأدناس، ثم مع ذلك لا تجاوز أثرها من الأبناء والآباء أو شرذمة من الأحبّاء. وإنّ رَكْبَ هؤلاء الأغيار يُنيخون بأدنى الأرض مطايا التَّسْيارِ، وينتقلون من الأكوار إلى الأوكار، (أي أن رؤيا الشخص الأدنى وإن كان لها تأثير على الآخرين إلا أن تأثيرها يكون ضيق النطاق، لذا ففرسان الأقوام الآخرين لا يذهبون بعيدا بل ينزلون منزلاً قريبا، ويكون تأثير كتبهم محدودا غير واسع) وأمّا خيلُ الفرقان، فيجوبون كلَّ دائرةِ العمران، وهو كتاب تجري تحته بحارُ العرفان، ولا يطيرُ فوقَه طيرُ التبيان (أي من المحال أن يفوقه أحد في البيان)، وما تكلّم أحد إلا ادَّانَ مِن خزائنه، وأخرجَ مِن بعض دفائنه، وأرى كلَّ متكلّم صفرَ اليدين، مِن غيرِ التطوّق بهذا الدَّيْن (أي كل متكلم بكلام سليم يأخذ من كنوز القرآن ويستخرج من دفائنه ويستعين به وإن لم يستفد من القرآن فلا يمكن أن يكون كلامه صوابا). وكلُّ غريم يجِدُّ في التقاضي، ويلجّ في الافتياد إلى القاضي، وأمّا القرآن فيتصدّق على أهل الإملاق، وينزع عن الإرهاق، بل يُعطي سبائك الخِلاص لأهل الإخلاص، (أي كل مَن سوى القرآن فيقسو في تقاضي دَيْنه ويسعى أن يأخذ المدين إلى المحكمة لاسترداد ماله الذي عليه، ولكن القرآن الكريم يهب الناس العلم والعرفان كينابيع جارية، كأنما يُعطي المخلصين سبائك الذهب الخالص) ولا يمنّ على الغرماء بالإنظار، بل يُرغِّبهم في احتجان النُضار (أي بل يحثّهم على جمع هذا الذهب). ثم قال ما معناه: لو سألتم عني فإني صرت أولاً كوزة، فملأت كوزة نفسي بماء نهر القرآن إلى آخرها.. ثم يقول حضرته بلسان عربي مبين ما نصه:
ولعنةُ الله على مَن أنكر بإعجاز القرآن وجوهرِ حُسامه، وتفرُّدِ دُرّةِ كَلِمِه ونظامِه. ووالله إنّا نشرب من عينه، ونتزين بزينه، ولذلك يسعى على كلامنا نور وصفاء، وفي نُطقنا يَبهَرُ لمعانٌ وضياء، وبركة شفاء، وطلاوة وبهاء. وليس عليّ منّةُ أحدٍ من غير الفرقان، وإنّه ربّاني بتربية لا يضائها الأبوانِ، وسقاني الله به مَعينا، ووجدناه منيرا ومُعينا.
إن ما هو ضروري للنجاة -كما قاله الله مرة بعد أخرى- هو أولاً أن يؤمن المرء بصدق القلب بأن الله هو وحده لا شريك له، ويوقن بأن النبي نبي صادق، وأن القرآن الكريم كتاب الله، وأنه لم ولن يأتي كتاب أو شرع بعده إلى يوم القيامة” (أي ليس هناك بعد القرآن الكريم حاجة لأي كتاب أو شرع آخر).
ثم قال : لو لم تكن معي أي آية من الله تعالى، ولم يكن تأييد الله ونصره حليفي، وكنت اختلقتُ طريقا جديدا دون القرآن، أو كنت قد تصرفتُ وتدخلت في أحكام القرآن والشريعة، أو نسختُها، أو كنت علَّمتُ طريقة سوى اتّباع سنة النبي ، لكان من حق الناس وكان عذرهم معقولا وجديرا بالقبول في أن يقولوا إن هذا الرجل عدو الله ورسولِه، وينكر القرآن الكريم وتعاليمه وينسخه، وهو فاسق وفاجر ومرتد. (أي لو كان هناك أمر قلته خلاف تعاليم القرآن وأقوال الرسول ، فكان من حقكم حتما أن تقولوا إنه ينسخ القرآن وإنه فاسق مرتد). ولكنني ما دمتُ لم أغيِّر في القرآن الكريم شيئا، ولم أبدل حرفا ولا كلمة من الشريعة التي جاء بها النبي ، بل أبذل كل ما في وسعي وطاقتي لخدمة القرآن وأحكامِ القرآن وخدمةِ هذا الدين المقدس الذي جاء به النبي ، حتى إني قد نذرت حياتي في هذا السبيل، وإني على يقين كامل بأن النجاة مستحيلة دون اتباع كامل للقرآن الكريم الكتابِ الكامل والأكملِ والمكمَّلِ ودون اتباع كامل للنبي ، وأرى أن من يزيد في القرآن الكريم أو ينقص منه شيئا ويخلع نِيرَ طاعة النبي عن عنقه فهو كافر ومرتد، أقول: فمَن يسميني كاذبا ومفتريا ودجالا، ولا يبالي بي ولا يسمع ندائي رغم كل هذا وذاك ورغم ظهور آلاف الآيات على صدقي التي أظهرها الله في السماء والأرض تأييدا لي حتى اليوم..
(لا يقتصر الأمر على ادعائه فقط بل قد أرى اللهُ تعالى آياتٍ أيضا لتأييده. وقد تحققت نبوءات رسول الله ونبوءات القرآن الكريم أيضا بحق المسيح الموعود . كذلك تحققت ولا تزال تتحقق نبوءات أدلى بها المسيح الموعود التي أخبره الله بها)
يتابع قائلا: … ورغم ظهور آلاف الآيات على صدقي التي أظهرها الله في السماء والأرض تأييدا لي حتى اليوم، فاعلموا يقينا أن الله لن يتركه دون المؤاخذة. (بل سيؤاخَذ يوما حتما)
إذن هذا ما أعلنه سيدنا المسيح الموعود ، ونحن نؤمن بأن معارف علوم القرآن الكريم وصلتنا بواسطته، وأنه اتبع القرآن الكريم اتباعا كاملا وأعطانا معرفة حقيقية للقرآن الكريم. ولكن يجب أن يفكّر أولئك الذين يتهمون المسيح الموعود وجماعته أنهم يسيئون إلى القرآن الكريم، والعياذ بالله. ما قاله المسيح الموعود هو كلام مبعوث رباني. أما الذين لا يكادون يتوقفون عن تعنتهم وعنادهم لن يتركهم الله دون المؤاخذة. ولكن كيف سيبطش الله بهم وكيف سيؤاخذهم هو أعلم بذلك. لقد تكلّم المسيح الموعود عن القرآن الكريم وأحكامه في أماكن مختلفة، وسأذكر بعضا منها فقط.
يقول عن تعليم سام جاء في القرآن الكريم عن إقامة العدل: «تعرفون كم هو صعب العدل في المعاملات مع القوم الذين يؤذون بغير حق ويعذّبون ويسفكون الدماء ويلاحقون ويقتلون الأطفال والنساء ولا يرتدعون عن شن الحروب كما فعل كفار مكة، ولكن القرآن الكريم لم يضيّع حقوق الأعداء العطاشى للدماء أيضا وأوصى بالتمسك بالعدل والصدق.»
فهذا هو الأصل الذي يضمن أمن المجتمع وأمن العالم. فلو أدركت الأقوام الخائضة في الحروب الدنيوية هذا الأصل، لأمكن قيام الأمن في العالم، وإلا فالظروف الراهنة تقود العالم إلى دمار مخيف. لو حاول زعيم بلد أو زعيم بلد آخر وقاموا بالجولات في مختلف البلاد، سواء في الصين أو في غيرها لأمكن ذلك، ولكنهم لم يقيموا العدل وصار الدمار محتوما. ثم يقول المسيح الموعود في مكان آخر ضاربا مثلا وهو:
من نظر إلى عصر نزول القرآن الكريم يلاحظ إلى أيَّ حدٍّ كان الإفراط قد بلغ في تعدد الزوجات في العالم. (وبأي عدد من النساء كانوا يتزوجون، إذ كان العدد يبلغ إلى ثمانين أو مئة زوجة) وبأي ظلم كانوا يعاملون النساءَ، فلن يجد بُدًّا من الإقرار بأن القرآن الكريم قد منَّ على العالم إذ قد أوقف كل هذا الجور والظلم. (إنها منة الله ومنة تعليم القرآن الكريم أن الله تعالى أوقف كل هذه المظالم بواسطة تعليم القرآن الكريم، إذ لم يكن قبل القرآن أيّ حدّ للزوجات ولم يكن للمرأة أي احترام أو حقوق، ولكن القرآن الكريم منحها كل هذه الحقوق ولم يكن لها أيّ أثر قبل الإسلام)
ثم يقول المسيح الموعود في مكان آخر: لا يجوز الاكتفاء بسماع القرآن الكريم فقط، فلا بد من التدبر، لأن فيه أدلة عقلية عظيمة لتفهيم الناس. وليس في المعتقدات والمبادئ والأحكام التي قدّمها القرآن أيّ جبرٍ أو إكراه. (أي لا إكراه في أوامر القرآن الكريم أبدا)
يقول : يقول الله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ أي لا يريد الله أن يُكره أحدا على طاعة أي أمر من أوامر الدين. بل يقدم الدليل على كل شيء، ثم يوجه إلى الطاعة.
ثم قال معلنا بكمال تعليم القرآن ومتحديا العالَـمَ بهذا الشأن: إن ربنا العالِم بما في الصدور يشهد على أنه لو أثبت أحد عيبا في تعليم القرآن الكريم بقدر الجزء من الألف جزء من الذرة أو استطاع مقابل ذلك أن يثبت بقدر ذرة في أيّ كتاب أن له ميزةً بخلاف تعليم القرآن الكريم أو أفضل منه لكنت جاهزا لقبول الموت بالإعدام.
أقول: هذا إعلان عظيم جدا لا يمكن القيام به بغير الإيمان الكامل واليقين الكامل. يقول : إذا كان المرء مؤمنا بالله ثم تأمل في القرآن الكريم وفيما قال الله تعالى فيه، لترك الدنيا كليا وصار لله تعالى. (أي لو كان إيمان المرء كاملا وتأمل في القرآن لتوجه إلى الله دائما بدلا من توجهه إلى الدنيا، ندعو الله تعالى أن يرزقنا جميعا هذه المعرفة.)
ثم يقول المسيح الموعود : لا يوجد على وجه الأرض اليوم -من الكتب الموحى بها- كتاب يثبت أنه كلام الله تعالى بالأدلة القاطعة إلا الفرقان المجيد، والذي مبادئ النجاة فيه مبنية على الصدق والحق وواقع الحال تماما، ومعتقداته كاملة ومُحكَمة بحيث تشهد البراهين القوية على صدقها، وأوامره قائمة على الحق المحض، وتعاليمه منـزّهة تماما من شوائب الشرك والبدعة وعبادة الخلق بكل أنواعها، وفيه الحماس البالغ منتهاه لإظهار توحيد الله وعظمته وكماله ، وميزته الفريدة أنه زاخر بتوكيد وحدانية الله تعالى تماما ولا يصم الله تعالى بوصمة نقص أو عيب أو أي صفة سلبية، ولا يريد أن يَفرض على أحد أي معتقدٍ قهرا بل يبين أدلة صدق تعاليمه أولا، ويثبت كل مطلب وهدف بالحجج والبراهين، ويبين بأدلة واضحة صدق كل مبدأ بوضوح تام، ويوصل إلى مرتبة اليقين الكامل والمعرفة التامة، ويزيل بالبراهين الساطعة كل المساوئ والشوائب والمثالب وأنواع الخلل التي تسرَّبت إلى معتقدات الناس وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم، ويعلّم جميع الآداب التي لا بد للمرء من تعلُّمها ليكون إنسانا على وجه الحقيقة. (أي هناك آداب يجب مراعاتها ليكون المرء إنسانا حقيقيا، وهذه الآداب كلها مذكورة في القرآن) ويدفع كل فساد بالقوة نفسها التي انتشر بها في الأيام الراهنة. (أي إن علاج كل فساد منتشر اليوم موجود في القرآن) إن تعليمه مستقيم وقوي وسليم تماما وكأنه مرآة لأحكام الطبيعة وصورة انعكاسية لقانون الفطرة، وهو لبصارة القلب وبصيرته كشمس تُبهر العيون، ويفصّل ما أجمله العقل ويجبُر ما فيه من نقص.
ندعو الله تعالى أن يوفقنا للعمل بالقرآن الكريم وتعليمه على وجه الحقيقة، ويوفقنا لفهمه وجعْل حياتنا بحسبه. عليكم أن تستمروا في الاستفادة من هذه النعمة بعد شهر رمضان أيضا كما تفعلون خلال رمضان. ركّزوا على الدعاء في رمضان بوجه خاص لاجتناب شر معارضي الجماعة، وأن يكف الله يد كل شرير ويبطش بهم. وأكثروا من الدعاء ليجنّب الله العالم الفتنةَ والفساد بوجه عام. وفي هذه الأيام هناك فساد كبير منتشر في فلسطين، فادعوا للمسلمين الفلسطينيين أن ينقذهم الله من الظالمين، ويهب زعماء العالم الإسلامي عقلا وفطنة ليخرجوا من دائرة مصالحهم الشخصية ويحفظوا مصالح المسلمين. وادعو الله تعالى أن يفتح علينا في رمضان الحالي أبواب رحمته وبركاته أكثر من ذي قبل.