ما أعظم شأنك يا رسول الله

ما أعظم شأنك يا رسول الله

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • (علماء) شر من تحت أديم السماء
  • من أقوال المسيح الموعود عليه السلام عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم
  • معنى الخاتمية النبوية
  • بركات ومعجزات
  • الحياة المحمدية في السماء
  • كل فضل من محمد صلى الله عليه وسلم
  • كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
  • ذكر مرحومين أحمديين

__

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

لقد حدّثتكم في خطبة الجمعة قبل الماضية عن ميلاد النبي في 12 من ربيع الأول، وقلت إنه تُعقد في باكستان ندوات وتقاد مسيرات بهذه المناسبة، وقلت في ضوء التجارب السابقة إن هناك احتمالا قويا أنهم لن يتحدثوا عن سيرة النبي وحبه في هذه الاجتماعات إلا قليلا، بل يوجّهون إلى المسيح الموعود الشتائم القذرة ويسيئون إليه بكثرة، وخاصة في ربوة. وهذا ما حدث على أرض الواقع بحسب التقارير الواردة من هناك، حيث كانت قد خرجت مسيرات في شوارع ربوة وأقيمت اجتماعات وتكلموا بكلام بذيء ضد المسيح الموعود ، إذ كل شيء من هذا القبيل مسموح به لهم، أما الأحمديون فلا يُسمح لهم بذكر اسم الله ورسولِه . على كل حال، هذه هي أعمال علماء السوء. رحم الله الشعب هناك أيضا حتى يتخلصوا من براثن هؤلاء العلماء المزعومين، فإطلاق الشتائم والسباب شغْل هؤلاء العلماء الشاغل، وسوف يستمرون في ذلك، إلا أن بذاءتهم وشتائمهم ووضْعهم العراقيلَ لن يعيق طريق رقي الجماعة وازدهارها، بل كل معارضة تزيد الجماعة سرعة على درب التقدم والازدهار.

الآن سوف أعرض عليكم بعض المقتبسات من كتب سيدنا المسيح الموعود في بيان شأن النبي ومكانته السامية والتي تدل على حبِّه وغيرته لسيده ومولاه نرى هؤلاء المعارضين الذين يطيلون ألستنهم السليطة على المسيح الموعود ، بينما نرى كيف يبين حضرته عظمة النبي . لقد قال في بيان فضل النبي على سائر الأنبياء:

والحق أن أفضل الأنبياء وأعلاهم شأنًا الذي هو المربّي الأعظم للدنيا؛ أعنيْ ذلك الإنسان الذي صلُح على يده الفساد الأعظم المنتشر في الدنيا، والذي أقام التوحيد المفقود على الأرض من جديد، وجعل الأديان الباطلة كلها مغلوبة بالحجة والبرهان، وأزال شبهات كل ضالٍّ ووساوس كل ملحد، وهيأ للنجاة وسائل حقة بتعليم المبادئ الحقة من جديد… فكونه أفضل درجة وأعلى مرتبة من الجميع ثابت بدليل أنه أكثر إفاضةً وبركةً من الجميع. والآن يشهد التاريخ والكتاب السماوي وكل من له عينان على أن النبي الذي يُعَدّ أفضل الأنبياء قاطبة بحسب هذا المبدأ؛ هو سيدنا محمد المصطفى . (البراهين الأحمدية، الجزء الأول، الخزائن الروحانية، مجلد 1، ص97 الحاشية)

فإطلاق الشتائم والسباب شغْل هؤلاء العلماء الشاغل، وسوف يستمرون في ذلك، إلا أن بذاءتهم وشتائمهم ووضْعهم العراقيلَ لن يعيق طريق رقي الجماعة وازدهارها، بل كل معارضة تزيد الجماعة سرعة على درب التقدم والازدهار.

ثم يقول سيدنا المسيح الموعود في بيان عظمة الأخلاق السامية للنبي :

لقد سبَق موسى جميعَ أنبياء بني إسرائيل رفقًا وحِلمًا، ولم يبلُغ نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل- سواء أكان عيسى أم غيره- المرتبةَ العليا التي احتلّها موسى . والثابت من التوراة أن موسى قد فاق سائر أنبياء بني إسرائيل في الرفق والحِلم والأخلاق الفاضلة، حيث جاء في سِفْر العَدَد 12: 3: “وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ”. فقد أشاد الله تعالى في التوراة بحِلم موسى بكلمات لم يستخدمها بحق أحد من أنبياء بني إسرائيل. ولكن أخلاق سيدِنا خاتَمِ الأنبياء الفاضلة المذكورة في القرآن الكريم تفوق أخلاق موسى آلاف المرات، لأن الله تعالى وصف سيدنا خاتَم الأنبياء بأنه جامعٌ لجميع الأخلاق الفاضلة التي وُجدت في الأنبياء متفرقةً، كما قال في حق النبي : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 5). وحينما تُستخدَم كلمة “عظيم” لمدح شيء في كلام العرب، تكون في ذلك إشارة إلى كماله البالغ منتهاه. فلو قيل مثلا: هذه الشجرة عظيمة، لكان المعنى أن هذه الشجرة تبلغ من الطول والحجم ما لا يمكن أن تبلغه الأشجار. كذلك إن مفهوم الآية القرآنية المذكورة آنفا هو أن القدر الذي يمكن أن تحوزه النفس البشرية من أخلاق فاضلة تامة وشمائل حسنة كاملة، هو موجود في نفس محمد . فهذا المدح هو أعلى وأرفع أنواع المدح على الإطلاق بحيث يستحيل مدحٌ أعلى منه. وهذا ما أشيرَ إليه في آية أخرى أيضا حيث قال بحق النبي :

وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (النساء: 114)،

أي لا يمكن أن يبلغ أيّ نبيٍّ مرتبتك، لأن فضل الله عليك أكبرُ مما كان على الأنبياء جميعا. ولقد ورد المدحُ نفسه في المزامير نبوءةً بحق النبي حيث جاء:

مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ”. (الْمَزَامِيرُ؛ الإصحاح 45). (البراهين الأحمدية، الأجزاء الأربع، الخزائن الروحانية، مجلد1، ص605-606، الحاشية في الحاشية)

ثم يذكر المسيح الموعود ذلك النور الأجلى الذي وهب للنبي وقال

:“إن ذلك النور الأجلى الذي وُهب للإنسان، أعني للإنسان الكامل، لم يكن ذلك النور في الملائكة، ولا النجوم، ولا القمر، ولا الشمس، ولم يكن في بحار الأرض ولا أنهارِها، ولا في اللَّعْلِ، ولا الياقوت، ولا الزمرّد، ولا الماس، ولا اللؤلؤ؛ باختصار، لم يكن ذلك النور في أي شيء من الأرض أو السماء، وإنما كان في إنسان كامل، ذلك الإنسان الذي كان أتمَّ وأكملَ وأعلى وأرفعَ فردٍ من نوع البشر، وهو سيدنا ومولانا، سيد الأنبياء، سيد الأحياء محمد المصطفى . فقد أُعطي هذا النور لذلك الإنسان، كما أُعطيه الآخرون أيضا – بحسب مراتبهم – الذين اصطبغوا بصبغته، أي أولئك الذين كانوا مصطبغين بالصبغة نفسها إلى حد ما … ولكن هذه الميزة وُجدت بوجه أعلى وأكمل وأتم في سيدنا ومولانا وهادينا النبي الأمّي الصادق والمصدوق محمد المصطفى ، حيث يقول الله تعالى نفسه في القرآن الكريم:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ .

فقوله: إن صلاتي ونسكي أي جهودي في العبادة وتضحياتي وحياتي ومماتي كلها لله رب العالمين وفي سبيله، الذي لا شريك له، وأُمرتُ بذلك وأنا أول المسلمين، بمعنى ليس في الدنيا منذ بدايتها إلى نهايتها إنسان كاملٌ مثلي تفانى في الله تعالى ودفع إليه أماناته كلها. (فالمراد من إعادته جميع أمانات الله إليه أن النبي قد بلغ القمة في تأدية جميع الأعمال التي وكَلَها الله إلى الإنسان، وأداء كل المسؤوليات والواجبات والفرائض التي عُهدتْ إليه )

ثم يقول حضرته : فهذه الآية ردٌّ على هؤلاء الموحّدين قليلي الفهم الذين يقولون بأن أفضلية نبينا الكلية على الأنبياء السابقين غير ثابتة، ويقدمون لذلك أحاديث ضعيفة ويقولون بأن النبي منَع من أن يُفضَّل على يونس بن متّى. ولكن قليلي الفهم هؤلاء لا يدركون أنه لو كان ذلك الحديث صحيحا فهو على سبيل التواضع الذي كان من عادة النبي بوجه عام. والمعلوم أن لكل كلام سياقه ومحله؛ فمثلاً لو كتب أحد الصالحين في نهاية رسالته: “أحقرُ عبادِ الله”، أفليس مِن ذروة الغباوة والتجاسر أن يُستنج من قوله هذا أنه أسوأ خلق الله جميعًا حتى من الوثنيين والفاسقين؛ حيث يُقرّ بنفسه أنه أحقر عباد الله؟!

يجب الانتباه جيدا إلى أن الله جلّ شأنه ما دام قد سمَّى النبي أوّلَ المسلمين وعدَّه سيد المطيعين أجمعين، وعَدّه أوّلَ من أعاد له الأمانات كلها، فهل يبقى لمن يؤمن بالقرآن الكريم مجال بعد ذلك أن ينقد – أيّا كان نوع نقده – شأنَ النبي العظيم؟ لقد بيّن الله تعالى في الآية المذكورة آنفا مدارجَ كثيرة للإسلام وبيّن أن أسمى هذه الدرجات هي تلك التي أُودعتْ فطرةَ النبي . سبحان الله ما أعظمَ شأنَك يا رسول الله!ثم يقول : هناك بيت فارسي:

موسى وعيسى همه خيل تو اندجمله درين راه طفيل تو اند

أي: أن موسى وعيسى كلاهما من حزبك أنت، ولكنهما سلكا هذا المسلك بفضلك أنت.

ثم يقول الله تعالى لرسوله: قل لهم إن صراطي هو الصراط السوي، فاتبعوه ولا تتبعوا الطرق الأخرى وإلا تبعدكم عن الله تعالى. وقل لهم: إن كنتم تحبون الله فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ، أي اتّبِعوا سبيلي الذي هو الحقيقة العليا للإسلام، وعندها سيحبّكم الله ويغفر لكم وقل لهم هذه سبيلي، بأني مأمور بأن أسلّم وجودي كله لله تعالى وأخلص لرب العالمين، أي أن أُفني نفسي في سبيل الله، فأكون خادم العالمين كما هو رب العالمين، وأكون كلّيا له ولسبيله. لذا فقد سلَّمتُ لله نفسي وكل ما كان لي، فلم يعدْ لي شيء بل كل ما كان لي فقد صار لله رب العالمين. (مرآة كمالات الإسلام، الخزائن الروحانية، مجلد5، ص160-165)

فهذه هي مكانة النبي وأسوتُه التي تركها لنا حيث كان قد بُعث رحمةً. فانظروا الآن أسوة معارضينا الذين يؤذون ويضطهدون حتى الناطقين بالشهادتين.

ثم يذكر المسيح الموعود سعة فيوض المصطفى وسمو نبوته فيقول:

“إن إله موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام هو إلهٌ واحدٌ وليس ثلاثة، ولكن ظهرتْ في الإله نفسه ثلاثُ صور من حيث تجلياته المختلفة. ولما كان نطاق قدرة موسى مقصورًا على بني إسرائيل وفرعون فقط، فقد اقتصر تجلي قدرة الله فيه لهذا الحد أيضًا. ولو كانت نظرة موسى ممتدة إلى كافة بني آدم في ذلك الزمن وفي الأزمنة المستقبلية كلها، لما كان تعليم التوراة محدودًا وناقصًا كما هو الحال الآن. كذلك فإن نطاق قدرة عيسى كان مقصورا على بضع فِرق اليهود التي كانت بين ظهرانيه آنذاك، ولم تكن مواساته للأقوام التي في الأزمنة المقبلة؛ لذا فقد اقتصر تجلّي قدرة الله في دينه على قدر دائرة قدرته ، وانقطع الإلهام والوحي الإلهي في المستقبل! ولما كان تعليم الإنجيل أيضا يُعنى بإصلاح الفساد العملي والأخلاقي في اليهود فقط ولم تكن نظرته ممتدة إلى مفاسد كل العالم، فقد عجز تعليم الإنجيل أيضا عن الإصلاح العام، وإنما أصلحَ سوء أخلاق اليهود الذين كانوا بين ظهرانيه آنذاك، ولم تكن للإنجيل علاقة مع سكان البلاد الأخرى أو الذين كانوا سيأتون في الأزمنة اللاحقة. لو كان الإنجيل يُعنى بإصلاح كل الفِرق وطبائعهم المختلفة لما أتى بالتعليم الذي نجده حاليا. ولكن الأسف كل الأسف أن تعليم الإنجيل كان ناقصا من ناحية، ومن ناحية ثانية ألحَقَتْ الأخطاءُ التي أدخلوها فيه أضرارا فادحة؛ إذ جُعل إنسانٌ عاجزٌ إلـهًا، وأُوصدَ نهائيًا بابُ مساعي الإصلاح العملي بإيجاد مسألة الكفّارة المختَلَقة. والآن فإن الأمة المسيحية مبتلاة بشقاوة مضاعفة؛ فأولا: لا يمكن أن يتلقّوا العون من الله تعالى بالوحي والإلهام لأن الإلهام قد انقطع عندهم، وثانيا: لا يستطيعون أن يتقدّموا إلى الأمام لأن الكفّارة وضعتْ حدًّا للمجاهدات والسعي والجهد. أما الإنسان الكامل الذي نزل عليه القرآن، فلم تكنْ نظرته محدودة ولم يوجد في مواساته وتعاطفه العام أي قصور، بل كان في قلبه مواساة كاملة لكل زمان ومكان، ولذا نال نصيبا كاملا من التجليات الإلهية. فصار خاتَم الأنبياء، ولكن ليس بمعنى أنه لن يُستمَدّ منه فيضٌ روحاني في المستقبل، بل بمعنى أنه صاحب الخاتَم فلن ينال أحدٌ فيضًا إلا بفضل خاتَمه، ولن يُغلَق باب المكالمة الإلهية ومخاطبتها على أمته أبدًا إلى يوم القيامة. وليس هناك نبي صاحب الخاتم إلا هو . وهو الوحيد الذي يمكن أن توهب بفضل خاتمه النبوةُ التي يُشترط لصاحبها أن يكون من أمته . ولم يترك إقدامُه ومواساته الأمةَ في حالة ناقصة. ولم يُرد أن يبقى باب الوحي -الذي هو الأساس لنيل المعرفة- مغلقا عليهم. نعم، قد أراد من أجل التأكيد على ختم رسالته أن يتم الحصول على فيض الوحي بواسطة اتِّباعه وأن يُغلق باب الوحي على الذي ليس من الأمة. فبهذا المعنى جعله الله تعالى خاتَم الأنبياء. فتقرر إلى يوم القيامة أن الذي ثبت أنه ليس من أمته من خلال اتّباعه الصادق له، وليس متفانيًا كلية في متابعته ، فلن ينال وحيا كاملا إلى يوم القيامة، ولن يكون ملهما كاملا، لأن النبوة المستقلة قد انتهت عند النبي . أما النبوة الظلية، التي معناها تلقي الوحي بالفيض المحمدي وحده، فهي باقية إلى يوم القيامة، لكي لا يُغلق باب رقي الناس ولكي تبقى في الدنيا علامة على أن قدرة النبي شاءت أن تبقى أبواب المكالمة والمخاطبة الإلهية مفتوحة إلى يوم القيامة، وألا تُفقَد المعرفة الإلهية التي هي مدار النجاة. لن تعثروا على حديث صحيح يقول إنه سيأتي بعده نبي هو ليس من أمته، أي ليس مستفيضا من فيوض اتباعه .” (حقيقة الوحي، الخزائن الروحانية، مجلد 22، ص 28-30)

ثم ذكر المسيح الموعود ما أحرزه الصحابة من رقي بفضل دعوات النبي وتربيته فقال:

“لقد نشأ في قلوب أصحاب النبي حماس الحب الإلهي وظهر في أفئدتهم تأثير القوة القدسية للنبي بحيث قبلوا أن تُقطع رقابهم في سبيل الله مثل الشياه والخرفان. هل لأحد أن يرينا أو يطلعنا على من أبدوا صدقا وصفاء مماثلا في أمة سبقت؟”

(لقد قدّم حضرته هنا مثالا لقوم موسى الذين لم يكونوا يتحلون بالوصف المذكور، ثم قال 🙂

“فاسمعوا الآن قصة أصحاب المسيح ؛ …(فقد هرب جميعهم عند المصيبة) ولم يصمد منهم أحد بل غلبهم الجُبن. أما أصحاب نبينا فقد صمدوا واستقاموا تحت ظلال السيوف ورضوا بالموت حتى إن قراءة سوانحهم تترك أثرا بالغا في النفوس. ما الذي نفخ فيهم روح المحبة هذه؟ وأية يد أحدثت فيهم تغيرا إلى هذا الحد؟ كانوا في زمن الجاهلية مثل ديدان الأرض ولم يكن هناك نوع من المعصية أو الظلم إلا وقد صدر عنهم، ثم بعد اتباعهم النبي جُذبوا إلى الله وكأنه تعالى سكن فيهم.

أقول صدقا وحقا إنه تأثيرُ هذا النبي المقدس الذي أخرجهم من الحياة السفلية إلى الحياة الطاهرة. والذين دخلوا الإسلام أفواجا ما كان سبب ذلك عائدا إلى السيف، بل كان ذلك تأثير الأدعية والتضرعات والابتهالات الممتدة على 13 عاما التي قام بها النبي في مكة. فصرخت أرض مكة أني تحت القدم المباركة لِـمَن أثار قلبُه صرخة التوحيد حتى امتلأت السماء بابتهالاته. إن الله غني لا يأبه بهداية أحد أو ضلاله. فنور الهداية الذي ظهر في جزيرة العرب بصورة خارقة ثم انتشر في الدنيا كلها كان تأثيرا لحرقة قلب النبي . لقد ابتعدت كل أمة عن الدين وهجَرَتْه، أما الإسلام فظلت عين التوحيد متدفقة فيه. وكانت كل هذه البركات نتيجة لأدعية النبي ، كما يقول الله تعالى

: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (الشعراء: 4)

لم ينشأ الصلاح والتقوى في أمم الأنبياء السابقين إلى هذا الحد، والسبب في ذلك هو أن الحرقة في قلوب هؤلاء الأنبياء لأممهم لم تصل إلى هذه الدرجة. الأسف كل الأسف أن المسلمين في هذا الزمن لم يقدِّروا نبيهم الأكرم حق التقدير، وتعثروا في كل شيء. إنهم يستنتجون من ختم النبوة معنى يؤدي إلى هجو النبي لا إلى مدحه، وكأنه لم يملك قدرة على الإفاضة وتكميل النفوس ولم يأت إلا ليعلّم شريعة جافة، مع أن الله تعالى يعلّمنا دعاء:

اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم

فإذا لم تكن هذه الأمة وارثة للأنبياء السابقين ولم يكن لها نصيب من هذا الإنعام فلماذا عُلِّمت هذا الدعاء؟ (حقيقة الوحي)

والمعلوم أن لكل كلام سياقه ومحله؛ فمثلاً لو كتب أحد الصالحين في نهاية رسالته: “أحقرُ عبادِ الله”، أفليس مِن ذروة الغباوة والتجاسر أن يُستنج من قوله هذا أنه أسوأ خلق الله جميعًا حتى من الوثنيين والفاسقين؛ حيث يُقرّ بنفسه أنه أحقر عباد الله؟!

ثم ذكر المسيح الموعود بعض المعجزات الشخصية للنبي فقال:وفي درجة اللقاء هذه تصدر من الإنسان أحيانا أعمالٌ تبدو كأنها تفوق قدرات البشر (أي يصل الإنسان إلى مرتبة بحيث تصدر منه معجزات تخرج في ظاهرها عن نطاق القدرات البشرية) وتتّسم بصبغة قدرة الله، كما أن سيدنا ومولانا سيد الرسل خاتم الأنبياء حين رمى بحفنة من الحجارة إلى الكفار في معركة بدر، ما رُميت بواسطة دعاء بل رماها بقوته الروحانية، ولكن تلك الأحجار أظهرت قدرة الله تعالى وتركت في صفوف جيش العدو تأثيرا خارقا للعادة بحيث لم يبق منهم أحد لم تُصَب عينُه بتأثيرها، (لا شك أن العاصفة في ذلك الوقت هبّت بحسب قانون قدرة الله إلا أنها كانت تلك الحفنة التي استجلبت تلك العاصفة) فصاروا جميعا كالعميان وسادتْهُم الحيرة حتى بدأوا يهربون كالمذهولين. فإلى هذه المعجزة يشير الله جلّ شأنه حين يقول

: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى

أي قد عملت قدرة الله تعالى في الخفاء، ولم يكن ذلك بوسع القدرة البشرية فعل ذلك.

كذلك إن معجزة النبي الثانية، وهي شق القمر، قد ظهرت بقدرة الله نفسها إذ لم يرافقها دعاء لأنها أيضا حدثت بإشارة إصبع كانت مشحونة بقدرة الله. وهناك معجزات أخرى كثيرة من هذا القبيل أظهرها النبي كقدرةٍ شخصية منه ولم يرافقها دعاء. ففي كثير من الأحيان أدخل أصابعه في ماء قليل في فنجان فكثّره بإدخال أصبعه فيه حتى شرب منه الجيش كله والخيل والإبل ومع ذلك بقي الماء بالقدر نفسه الذي كان عليه من قبل. وقد حدث مرات عديدة أن وضع النبي يده المباركة على بضع خبزات وملأ بها بطون آلاف الجياع؛ وفي بعض الأحيان الأخرى بارك بشفتيه قدحًا من الحليب وأشبع به جماعة من الجياع، وأحيانا أخرى مزج لعابه في بئر ماء مالح وحوّله إلى ماء عذب وزلال، وتارة شفى المصابين بجروح بالغة بوضع يده المباركة عليهم، وتارة أخرى شفى ببركة يده العيون التي خرجت مقلتها في الحروب. وكذلك أنجز أعمالا أخرى كثيرة من هذا القبيل بقدرته الشخصية التي رافقتها قدرة الله الخافية.” (مرآة كمالات الإسلام، الخزائن الروحانية، مجلد 5، ص 65-66)

يتحدث الناس عن حياة عيسى في السماء ولكن المسيح الموعود يقول بأن الحياة الدائمة السماوية كتبت للنبي ، فيقول حضرته:

“والثابت المتحقق بإجماع الكتب الإلهية قاطبة أن الأنبياء والأولياء يَـحْيَون بعد مماتهم، أي يوهَبون حياةً من نوع لا تُعطَى لغيرهم. وإلى ذلك يشير الحديث الذي يقول النبي فيه ما مفاده: لا يتركني الله في القبر ميتا بل سيُحييني ويرفعني إليه.” (إزالة أوهام، الخزائن الروحانية، مجلد 3، ص 225)

يشرح حضرته الحديث المذكور أعلاه ويقول:

“معنى الحديث هو أن قدري عند الله أكبر من أن يتركني في القبر أربعين يوما، أي سأُحيا خلال هذه المدة وأُرفع إلى السماء. (ولكن لا يؤمن أحد من المسلمين أن النبي موجود في السماء بجسده العنصري) يجب التدبر الآن، أية ميزة في رفْع المسيح إلى السماء أكثر من حياة سيدنا ومولانا في قبره ثم رفعه إلى السماء؟ بل الحق أن حياة عيسى بن مريم أقل درجة من حياة موسى عليهما السلام أيضا. والاعتقاد الأسلم الذي يتفق عليه السلف الصالح ويشهد عليه حديث المعراج أيضا هو أن الأنبياء أحياء بحياة جسدية مشابهة للحياة الجسدية في الدنيا (أي أنها حياة مشابهة ولكنها في الحقيقة مختلفة عن الحياة الدنيا اختلافًا كليًّا)، وأن حياتهم أكمل وأقوى مقارنة بالشهداء. (أُمرنا عن الشهداء ألا نقول لهم أموات بل أحياء، ولكن حياة الأنبياء أكثر درجة من حياة الشهداء أيضا) والحياة الأكمل والأقوى والأشرف من الجميع إنما هي حياة سيدنا ومولانا فدى له نفسي وأبي وأمي. أما المسيح فهو موجود في السماء الثانية فقط مع مرشده – ابن خالته- يحيى . أما نبينا الأكرم فمتربع في السماء على مرتبة ليس فوقها مرتبة أخرى؛ أي عند سدرة المنتهى في الرفيق الأعلى. وإن صلاةَ الأمة وسلامها عليه توصَل إليه باستمرار. اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد أكثر مما صليتَ على أحد من أنبيائك وباركْ وسلِّم. (إزالة أوهام، الخزائن الروحانية، مجلد 3، ص 226)

ثم وضح المسيح الموعود بأننا وصلنا إلى الله تعالى ببركة اتّباعنا للنبي الكريم ، فقال:

“إن أرواحنا وكل ذرة من كياننا تسجد لذلك الإله القادر والصادق والكامل الذي بيده خُلقتْ كل روح وكل ذرة من المخلوقات مع كل قواها، والذي بوجوده يقوم كل وجودٍ. لا يخرج شيء عن علمه ولا عن سيطرته ولا عن دائرة خَلقه. وآلاف الصلوات والرحمات والبركات على النبي الطاهر محمد المصطفى الذي بواسطته وجدنا الإله الحي الذي يهبنا آياتِ وجوده بكلامه، وبإظهاره آياتٍ تفوق العادة يُرينا وجهًا منيرا لقدراته وقواه القديمة والكاملة. فقد وجدنا رسولا أرانا وجهَ الله تعالى، ووجدنا إلـهًا خلق كل شيء بقدرته الكاملة. ما أعظم قدرته التي لا يخرج شيء إلى الوجود بدونها، ولا بقاء لأيّ شيء بغيرها. إن إلـهنا الحق ذو بركات كثيرة وقدرات عظيمة وذو حسن وإحسان عظيم ولا إلـه سواه. (نسيم الدعوة، الخزائن الروحانية، مجلد 19، ص 363)

ثم يقول سيدنا المسيح الموعود إنه كل ما وجده فإنما ببركة النبي فحسب، إنكم تزعمون بأني أحط من شأن النبي أما أنا فأعلن أن كل ما وجدته فإنما هو من باب النبي فقط.يقول حضرته في كتابه منن الرحمن:

“ووالله إن فوزي هذا مِن يد ربي، فأحمَدُه وأصلّي على نبي عربي، منه نزلتِ البركاتُ، ومنه اللُحْمةُ والسَّداة، وهو هيّأ لي أصلي وفرعي، وأنبتَ كلَّ بذري وزرعي، وهو خير الـمُنبِتين.” (منن الرحمن، الخزائن الروحانية، مجلد 9، ص 186-187)

ثم يضيف حضرته في بيان أن كل ما ناله فإنما ناله بفضل النبي وواسطته فقط:

“إنني أقسم به أنه تعالى كما شرَّف بالمكالمة والمخاطبة إبراهيمَ وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى والمسيح ابن مريم، ثم في الأخير كلَّم نبيَّنا – بحيث كان الوحي النازل عليه أوضحَ وأطهرَ ما يكون – كذلك تمامًا شرَّفني أنا أيضًا بمكالمته ومخاطبته. ولكن ما أُعطيتُ هذا الشرف إلا بسبب اقتدائي الكامل بسيدنا محمد . فلو لم أكن من أمته وما اقتديت به لما حظيتُ بشرف المكالمة والمخاطبة أبدًا، وإن كانت أعمالي مثل جبال الدنيا كلها. لأن النبوات كلها قد انقطعت ما عدا النبوة المحمدية. لا يمكن أن يأتي نبي بشرع جديد، ولكن يمكن أن يكون نبي بغير شرع جديد ولكن بشرط أن يكون من الأُمة أولا. (تجليات إلهية، الخزائن الروحانية، مجلد 20، ص 411-412)

ثم يقول حضرته عن الصلاة على النبي حامدا اللهَ :

“آلاف الشكر لك يا ربَّنا، على أنك بنفسك هديتنا إلى سبيل معرفتك، وأنقذتنا من أخطاء وهفوات فكرية وعقلية بإنزال كتبك المقدسة، والصلاة والسلام على سيد الرسل محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه، الذي أرشد إلى الصراط المستقيم عالَما ضالا، ذلك المربي النافع الذي هدى الخلق الضال إلى الصراط السوي من جديد، ذلك المحسن ذو المنة الذي خلّص الناس من بلاء الشرك والأوثان، ذلك النور وناشر النور، الذي نشر نور التوحيد في الدنيا، ذلك الطبيب ومعالج الدهر الذي ثبّت أقدام القلوب الفاسدة على عتبات الصلاح، ذلك الكريم، رمز الكرامة الذي سقى الأموات ماء الحياة، ذلك الرحيم المتعاطف الذي حزن للأمة وتأذى، ذلك الشجاع والبطل الذي انتشَلنا من فوّهة الموت، ذلك الإنسان الحليم المتفاني الذي أخضع رأسه في تربة العبودية وسوّى ذاته بالتراب، ذلك الموحد الكامل وبحر العرفان الذي ما راقه إلا جلال الله، وأسقط غيره من نظره، إنه معجزة من قدرة الرحمن؛ الذي غلب في جميع العلوم الصادقة مع كونه أميّا، وأدان كل قوم على أخطائهم وتقصيراتهم.” (البراهين الأحمدية، الأجزاء الأربعة، الخزائن الروحانية، مجلد 1، ص 17)

أما النبوة الظلية، التي معناها تلقي الوحي بالفيض المحمدي وحده، فهي باقية إلى يوم القيامة، لكي لا يُغلق باب رقي الناس ولكي تبقى في الدنيا علامة على أن قدرة النبي شاءت أن تبقى أبواب المكالمة والمخاطبة الإلهية مفتوحة إلى يوم القيامة، وألا تُفقَد المعرفة الإلهية التي هي مدار النجاة.

إن الصلاة على النبي استجابة لأمر الله واجبٌ على المؤمن والمسلم إذ لا تتحقق بدونها معايير الحب الذي يجب أن يكنّه المؤمن للنبي ، ولا ينال أي دعاء درجة القبول دون الاقتران بالصلاة على النبي بل هو مستحيل، لكن ينبغي أن يكون حبنا للنبي هو الدافع الحقيقي لصلاتنا على النبي ويجب أن يكون هذا الدافع مسيطرا على كل شيء، فقد قال المسيح الموعود مبيِّنا الغاية من الصلاة على النبي :

“وجب أن يصلي المرء على النبي الكريم – كما وضّحتُ لك شفويًّا – بنية أن يُنـزل الله الكريم بركاته الكاملة عليه ، بحيث يجعله مصدر البركات للعالم كله، ويُظهر قدسيته وعلو مرتبته وعظمته في الدنيا والعقبى. ويجب أن يتم هذا الدعاء بخشوع تام كما يدعو أحدكم عند حلول المصائب، (أي ينبغي أن تصدر هذه الصلاة من الأعماق، مثلما تتضرعون أثناء الدعاء من أجلكم) بل أكثر تضرعًا وابتهالا من ذلك. ويجب ألا يتطلع في نفسه إلى أجر أو جزاء على ذلك، (أي سينال الثواب على الصلاة على النبي ) بل ينبغي ألا يكون هدفه من ذلك إلا أن تنـزل البركات الإلهية الكاملة على رسول الله ، وأن يُشرق جلالُه في الدنيا والآخرة، الأمر الذي يجب أن يعقد عليه الإنسان عزمه ويداوم عليه بكل حرص وتركيز ليلَ نهار بحيث لا تكون في قلبه أمنية سواها.” (مكتوبات أحمد، مجلد1 ص 523)هذا هو الحب الحقيقي للنبي ، ثم يقول حضرته في إحدى رسائله إلى مير عباس علي شاه –الذي كان قد ارتد فيما بعد-:

“عليك أن تداوم على الإكثار من الصلاة على النبي الكريم ، واسأل الله البركات للنبي بمنتهى الشوق والإخلاص كما يطلبها أحد لمن يحبه حقيقةً، وينبغي أن تكون بضراعة متناهية. ويجب أن يكون هذا التضرع والدعاء خاليا تماما من التصنع، بل يجب أن يكون إخلاصك وحبك للنبي صادقَين حتى تطلب بصدق النية البركات المذكورة في الصلاة عليه … وعلامة الحب الخالص هي ألا يتعب الإنسان ولا يمل بل يصلي على النبي لتظهر عليه بركات الله تعالى ولا يصلي عليه لتحقيق مصالحه الشخصية.” (مكتوبات أحمد، مجلد1 ص 534-535)

ثم يقول حضرته في أحد المجالس:

“إنّني أرى أن الفيوض الإلهية تتجه بشكل أنوار رائعة إلى النبي بفضل الصلاة عليه، ثم تسري في صدر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وتنجذب إليه، ثم تخرج في قنوات وسواقي كثيرة لا تُحصى، وتَصِل إلى كلّ من يستحقّها بحسب طاقته. من المؤكّد أنه لا يمكن أن ينال أحد أي فضلٍ من الأفضال بدون وساطة النبي الكريم (محمد) .ما هي الصلاة على النبي إنما هي تحريك عرشه الذي تَصدر منه سواقي النور هذه. فمَن يرغب في الحصول على فضل الله عزّ وجلّ فلْيُكْثِر من الصلاة على الرسول الكريم محمد ليحرّكَ فضل الله تعالى”. (جريدة الحكم، مجلد7، عدد 8، يوم 28/2/1903، ص7)

ثم يذكر حضرته في إحدى الرسائل عن العدد الذي يجب أن نصلي به على النبي ، أو هل ينبغي أن يكون لها عدد معين أم لا؟ لا شك أنه ذكر أحيانًا عددًا معينًا أيضا لكنه في هذا المقتبس لم يذكره، يقول :

“وإن أفضل صلاة على النبي الكريم هي ما خرجت من لسانه المبارك، وهي: “اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللهم بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ… إن هذه الصلاة على النبي هي الأكثر بركةً من غيرها. وهذه الصلاة هي وِردُ هذا العبد المتواضع أيضًا، ولا يلزم فيها التقيد بعدد المرّات، بل إن ما يلزمه هو قراءتها بإخلاص وحب وحضور قلب وتضرع إلى أن تنشأ في القلب حالة من البكاء والوجد والتأثير ويمتلئ الصدر انشراحًا ولذة.” (مكتوبات أحمد، مجلد1 ص 526)

ثم يقول في بيان الحكمة وراء الأمر بالصلاة على النبي :

“والحق أنه ليس بحاجة لدعاء أحد ولكن في ذلك سر عميق وهو: عندما يطلب أحد رحمةً وبركةً لغيره بحب خالص يُصبح الأول جزءاً من وجود الثاني بسبب علاقة الحب الذاتي بينهما. فالفيض الذي ينـزل على المدعو له ينـزل على الداعي أيضاً، ولما كانت بركات الله على رسول الله لا تعد ولا تحصى، لذلك ينالها المصلون عليه أيضا بقدر حماسهم بسبب حبهم الخالص. إلا أن هذا الفيض يظهر ضئيلا بدون الحماس الروحاني أو الحب الخالص.” (مكتوبات أحمد، مجلد ص1 534-535)

هذه هي الأساليب للصلاة على النبي ، والآن سأقرأ عليكم بعض أبيات نظمها المسيح الموعود في مدح النبي باللغة العربية حيث ذكر فيها شأن النبي ومكانته العظيمة وقوته القدسية وحبّه للنبي ، ومعاملة القوم معه رغم هذا الحب العظيم. فكل هذه المقتبسات التي قرأتُها عليكم لا يترشح منها غيرُ الحب، لكن أغلبية المسلمين مع ذلك تعارضه. فقد تناول حضرته كل هذه الأمور في هذه الأبيات، حيث قال:

لا شك أن محمدا خير الورى

ريق الكرام ونخبة الأعيان

والله إن محمدا كردافة

وله الوصول بسدة السلطان

إن لقد احييت من إحيائه

واها لإعجاز فما أحياني

انظر إلى برحمة وتحنن

يا سيدي أن أحقر الغلمان

جسمي يطير إليك من شوق علا

يا ليت كانت قوة الطيران

فهذه بعض أقواله التي تبيّن مدى حبه الشديد للنبي ، ومدى شفقته على الأمة. ندعو الله تعالى أن يوفقنا لإدارك مكانة النبي وعظمته والعمل بحسبها.

وفي النهاية أرجوكم مرة أخرى الدعاء لأمة النبي ، فإنهم مهما سبّونا وقالوا فينا الأقاويل –علمًا أن الأكثرية منهم يعارضوننا جهلاً منهم وخوفًا من علمائهم- فإنهم، في كل حال، ينتمون إلى سيدنا ومُطاعنا محمد المصطفى ، لذا فعلينا أن ننظر إلى حالتهم التعيسة وندعو الله تعالى أن يخرجهم من هذا المأزق. إن معظم الدول الإسلامية عرضةٌ للمصائب، وقد دفعت بها الفتن والصراعات الداخلية إلى حافة الدمار. نسأل الله تعالى أن يرحمهم وينجيهم منها. ليس عند ساستهم وقادتهم خشية الله ولا عدل، وندعو الله تعالى أن يخلق فيهم هذه الصفات. أما الجماهير فإنهم يتّبعون قادتهم المخطئين، ويهدرون عاطفة حبهم لوطنهم إذ يعبّرون عنها بطريقة خاطئة، ويلحقون الضرر ببلادهم. نسأل الله تعالى أن يوفقهم للتعبير عن حبهم للوطن بعدل وإنصاف، وإلا فإن الآثار لا تبشر بخير، بل تنتظرهم أوضاع مخيفة جدًا. لو استمر هذا الوضع فأخاف أن يفقدوا ما عندهم من حرية قليلة وتصبح بعض هذه الدول تحت حكم الأغيار. ولذلك أقول لكم هناك حاجة ماسة إلى الدعاء. اسألوا الله تعالى أن يخلّص الأمةَ والعالم عاجلاً من التنظيمات الباطلة التي شكّلوها باسم الإسلام، والتي تسيء إلى الله ورسوله والإسلام. لقد أصبحت هذه التنظيمات الآن خطرًا يهدّد العالم. إنهم يشوهون وجه الإسلام الأغرّ، بينما تسعى جماعتنا أن تعرض على العالم تعاليم الإسلام الجميلة، وجهودهم البغيضة تقف في وجهنا إذ يُرينا معارضو الإسلام الصورة التي يقدمها هؤلاء الإسلاميون. فادعوا الله تعالى أن ينجينا من هؤلاء أيضًا. نسأل الله تعالى أن يزيدنا حبًا لرسوله ، ويوفقنا لأداء واجباتنا ومسؤولياتنا.

بعد صلاة الجمعة، سوف أصلّي صلاة الجنازة على اثنين من إخواننا. إحدى الجنازتين حاضرة، وهي للسيد إحسان الله، الذي كان من كراتشي، وكان مقيمًا هنا في المملكة المتحدة. لقد توفي في 19 يناير/ كانون الثاني بمرض السرطان عن عمر يناهز 57 عامًا. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان حفيدَ حضرة أحمد دين أحدِ أصحاب المسيح الموعود . كان المرحوم مواظبًا على الصلوات، خدومًا، شفيقًا، مواسيًا، صابرًا شاكرًا، مؤثرًا الدين على الدنيا، خلوقًا، بارًّا ومن المخلصين. كان يخدم والديه كثيرًا، وكان حسَن المعشر مع الأهل، ومشفقًا على الأولاد. لم يعاملهم بقسوة قط، ولو بدر منه شيء مِن قسوة أدرك خطأه فورًا وسعى لتلافيه. تغمّدَه الله برحمته، وحفِظ أولاده وكفَلهم. علمًا أن أولاده لا يزالون في باكستان. كان المرحوم مقيمًا في المملكة المتحدة منذ نحو 12 عامًا، وقد قُبل طلب لجوئه قبل قرابة أربع سنوات. كان يخدم الجماعة هنا في شعبة الأملاك في مساجدنا. لقد ترك وراءه زوجته وست بنات وابنًا. كان الله كفيلا لهم. آمين.

والجنازة الأخرى هي لغائب، وهي للمرحوم علاء نجمي الذي هو الأخ الأكبر للسيد عكرمة نجمي المحترم. مرض المرحوم بالسرطان في كبده قبل 10 سنوات، فقال الأطباء إنه لن يعيش أكثر من شهور قليلة، ولكنه عاش بعدها عشر سنوات بفضل الله تعالى.

في يوم وفاته أعني 9/12/ 2012 كان في البيت وحده، ووصلتْ ابنته الكبرى من المدرسة، فقال لها بأن تتركه لبعض الوقت لأنه يريد أن يصلي. وبعد قليل لما دخلتْ عليه في غرفته، وجدتْه مستلقيا على السرير بعد الصلاة وكان قد أسلم الروح لبارئها. إنا لله وإنا إليه راجعون.

كان المرحوم صالحًا ومخلصًا جدًا. كان من فلسطين. كان فداء للخلافة، وسبّاقًا في القيام بأعمال الجماعة. قام مع مجموعة من العرب بإكمال مشروع كتابة جميع حلقات البرنامج العربي “الحوار المباشر”. كما كان يساعد المكتب العربي في مراجعة تراجم خطب الجمعة والكتب وغيرها.

كان المرحوم موصيًا. لقد ترك وراءه والدين وزوجة وبنتين وابنًا. لقد رُزق ابنه الوحيد في اليوم الذي اختارني الله فيه خليفةً، ولذلك سمّاه “مسرور”.

لقد قال السيد هاني طاهر في رسالته لي:

أرى كأنّ أخانا المرحوم والأستاذ مصطفى ثابت المرحوم قلبٌ واحد.. في الحب والطهارة والطيبة والتضحية والصبر وتحمّل المرض وعدم الشكوى والتواضع والمعجزة.. المعجزة أن مرض كلّ منهما من النوع الذي لا يعيش المصاب به ولا يُنجِز، لكنهما بفضل الله عاشا وعُمّرا وأنجزا الكثيرَ.

(أقول: هذا القول صحيح تمامًا)

كان المرحوم علاء يساعد في مراجعة كتب المسيح الموعود ومراجعةِ خطب الجمعة. وكانت آخر رسالة منه أرسلها بعد مراجعته خطابي في الجامعة الأحمدية، وكان يشكر الله تعالى كثيرًا بأنه يوفقه لهذه الأعمال. وقال السيد طاهر نديم:

كان مِن أبرز صفات المرحوم علاء نجمي أنه كان يعجّل في فعل الخيرات. كان قد أدرك أن أجله قريب، فأراد أن يملأ باقي أيام حياته بالصالحات أكثر فأكثر. كنا نبعث له ترجمة كل خطبة جمعة، ولو تأخّرْنا في إرسالها له لسببٍ ما، كان يشتكي منا بالإيميل على الفور ويقول لِمَ لم تبعثوا لي الخطبة؟ كان لا يستطيع الرؤية جيدًا جراء مرضه ومع ذلك ظل ينجز هذا العمل بمنتهى الإخلاص والتفاني. كان يعاني جدًا بسبب المرض، ولكنه كان لا يجد الراحة إلا في خدمة الجماعة. كم من مرة بعثَ لنا في الإيميل قائلا إن صحتي متدهورة جدًا، فابعثوا لي بعض أعمال الجماعة. فكنا نبعثها له.

(وهذا يعني أن إنجاز أعمال الجماعة دواء للشفاء من الأمراض)

والحق أنه ليس بحاجة لدعاء أحد، ولكن في ذلك سر عميق وهو: عندما يطلب أحد رحمةً وبركةً لغيره بحب خالص يُصبح الأول جزءاً من وجود الثاني بسبب علاقة الحب الذاتي بينهما. فالفيض الذي ينـزل على المدعو له ينـزل على الداعي أيضاً،.. لذلك ينالها المصلون عليه أيضا بقدر حماسهم بسبب حبهم الخالص.

وأحيانًا كان يقول: إنما أتحدث معكم عن مرضي من أجل الدعاء، وليس لأن لا ترسلوا لي العمل.

وكتب السيد عبد المؤمن طاهر: كانت تربطني بالمرحوم أواصر حب قوية. كان مِن أبرز محاسنه الرضا بقضاء الله، والتوكل على الله إلى أقصى حدود، والحب والولاء الشديدان بالخلافة، وطاعة نظام الجماعة، ومساعدة المكتب العربي في الأعمال العلمية بدون كلل وملل، وإكرام الضيف. لقد علّم أولاده الحبَ الشديد للجماعة والخلافة، كما حاول أن يعلّمهم اللغةَ الأردية. إن بنته الكبرى تحفظ بعض قصائد المسيح الموعود بالأردية. كان يسعى لحضور الجلسة السنوية هنا كل عام، وكان ينام على الأرض مع الضيوف الآخرين مع كونه مصابًا بمرض السرطان. كان من أنصار الخلافة الذين يعملون في صمت وتواضع وتفانٍ إلى آخر لحظة من حياتهم. رفع الله درجاته. كلما جرى معه الحديث عن مستقبل أولاده نظرًا إلى مرضه كان يقول دومًا إن الله تعالى لن يضيع أولادي.

ندعو الله تعالى أن يحقّق جميعَ أمانيه وأدعيته في حق أولاده، وأن يكون كفيلاً لهم. كما نسأل الله تعالى أن يهبنا من العرب سلاطين نصيرين مخلصين للخلافة مثله بل أشدَّ منه إخلاصًا وولاءً. آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك