قيام الخلافة بإجماع الصحابة وآل بيت النبي ﷺ على بيعة أبي بكر الصديقؓ
- ما المعيار الذي حدده القرآن الكريم للتيقن من حقية أبي بكر (رض) بالخلافة؟
- هل كان ثمة إجماع من الصحابة، بمن فيهم آل بيت النبي (ص)، على انتخاب أبي بكر (رض) خليفة؟
- أي ربح دنيوي جناه أبو بكر من الخلافة أصلا؟
- فيم ماثلت سلسلةُ الخلافة المحمدية سلسلةَ الخلافة الموسوية؟
___
خطبة الجمعة التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز
الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي بتاريخ 04/03/2022م
في مسجد مبارك بإسلام آباد، بريطانيا
أحداث يوم السقيفة
عن الحديث الذي جرى عن انتخاب سيدنا أبي بكر الصديق خليفة قد ورد في تاريخ الطبري:
قام الحباب بن المنذر فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس (أي المهاجرين) في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم. أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة والتجربة ذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون. ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيُكم وينتقض عليكم أمركم. وإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير. فقال عمر هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، واللهِ لا ترضى العرب أن يؤمِّروكم ونبيُّها من غيركم. ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرَها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة. فقام الحباب بن المنذر فقال يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابِه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبَوا عليكم ما سألتموه فاجْلوهم عن هذه البلاد وتولَّوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين. أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب. أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. فقال عمر إذن يقتلك الله قال بل إياك يَقتل. فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر الدين وآزر فلا تكونوا أول من بدَّل وغيَّر، فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضا فإن الله ولى المنة علينا بذلك ألا إن محمدا من قريش وقومُه أحق به وأولى، وأيم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم. (1)
على كل حال إن الخطاب الذي ألقاه سيدنا عمر مسجل في السنن الكبرى للنسائي سجله النسائي كالتالي: حين قال الأنصار (في سقيفة بني ساعدة) منا أمير ومنكم أمير فقال عمر سيفان في غمد واحد إذن لا يصلحان، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثُ «إذ يقول لصاحبه» مَن صاحبُه؟ «إذ هما في الغار» مَن هما؟ «لا تحزن إن الله معنا» مع مَن سوى أبي بكر؟ ثم بايَعه ثم قال بايِعوه فبايَع الناسُ. (2)
.وبعد سيدنا عمر بايع سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وسيدنا بشير بن سعد، وكذلك بايع جميع الأنصار سيدنا أبا بكر . وهذه البيعة مشهورة في أدبيات الإسلام ببيعة السقيفة، والبيعة الخاصة أيضا. وفي بعض الروايات أن سيدنا سعد بن عبادة لم يبايع سيدنا أبا بكر بينما تقول بعض الروايات الأخرى أنه هو الآخر قد بايع مع جميع الأنصار. فقد ورد في تاريخ الطبري، أن القوم كلهم بايعوا سيدنا أبا بكر وبايعه سعد أيضا.
يتحدث سيدنا المصلح الموعود عن قيام الخلافة بعد وفاة النبي ، فيقول: انظروا قد أقيمت الخلافة بعد محمد رسول الله وما أحسنها من خلافة! فبعد وفاته انتُخب أبو بكر خليفة، وعندها أراد الأنصار أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فتوجه إليهم فورا سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وغيرهما من الصحابة y، حيث كان الأنصار قد اجتمعوا، فقالوا له إن موضوع خليفتين باطل، فلن يتقدم الإسلام بالتفرقة، فلا بد من خليفة واحد، وإذا افترقتم فسوف تتمزق وحدتكم وتزول عزتكم وسوف يمزقكم العرب، فلا تتكلموا عن ذلك. فبدأ بعض الأنصار بتقديم الأدلة خلاف ذلك. يقول سيدنا عمر إني قلت في نفسي إن أبا بكر لا يعرف الخطابة، لذا سوف أخاطب الأنصار، لكنه حين بدأ يحدثهم فقد بين لهم جميع الأدلة التي كنت أريد بيانها، بل زاد عليها، فقلت في نفسي اليوم فاقني هذا الشيخ، وأخيرا نزل فضل الله بحيث قام بعض الأنصار فقالوا إن ما قاله أبو بكر هو الصواب، إذ لن يطيع العرب سوى أهل مكة. ثم قال أحد الأنصار مستثيرا العواطف: يا قومي قد بعث الله في هذا البلد نبيه، فأخرجه أهله من المدينة، فآويناه في بيوتنا وبذلك أكرمنا الله ، فكنا سكان المدينة مجهولين، أذلاء، فأصبحنا بفضل هذا الرسول مشهورين مكرمين، فاكتفوا بما جعلنا الله به مكرمين، ولا تطمعوا أكثر، فيصيبنا منه ضرر. عندها قال سيدنا أبو بكر : اعلموا أنه لا بد من اختيار الخليفة، فلكم أن تجعلوا من تريدونه خليفة، فلا رغبة لي في أن أكون خليفة، ثم قال: هذا أبو عبيدة بن الجراح قد سماه النبي بأمين الأمة، فبايعوه، ويمكنكم أن تبايعوا عمر الذي هو سيف مسلول للإسلام. فقال سيدنا عمر، اقطع الكلام يا أبا بكر ومُد يدك وبايِعْنا، فخلق الله الشجاعة في قلب أبي بكر فبايعهم.
ومما ورد بشأن البيعة بسقيفة بني ساعدة أن رسول الله لما توفي يوم الاثنين. انشغل الناس في بيعة سيدنا أبي بكر في السقيفة فيما تبقى من يوم الاثنين صباحَ يوم الثلاثاء في المسجد.
فعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه لما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، ويكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايِعوه، فبايَع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وُلِّيت عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدَع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
وعن بيعة سيدنا علي أيضا ثمة أقوال شتى، فقد ورد في تاريخ الطبري، عن حبيب بن أبي ثابت قال كان علي في بيته إذ أتى فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتخلله ولزم مجلسه.
وهناك روايات متباينة عن بيعة سيدنا علي لسيدنا أبي بكر ففي بعض الروايات أن سيدنا عليا لم يبايع لستة أشهر، وبايع بعد وفاة السيدة فاطمة، وفي بعض الروايات أن حضرته بايع سيدنا أبا بكر فورا بكل سرور ورغبة.
عن أبي سعيد الخدري أن سيدنا أبا بكر صعد المنبر بعد أن بايعه المهاجرون والأنصار، نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتَوا به فقال أبو بكر : يا ابنَ عمِّ رسول الله وختَنَه أتريد أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعَه.
يقول العلامة ابن كثير أن سيدنا عليا قد بايع سيدنا أبا بكر في اليوم الأول بعد وفاة النبي أو في اليوم الثاني. وهذا هو الحق لأن سيدنا عليا لم يفارق سيدنا أبا بكر قط ولم يترك الصلاة خلفه قط.
يقول سيدنا المسيح الموعود أن عليا كرم الله وجهه تخلف عن بيعة أبي بكر أولَ الأمر ثم لا نعرف ما الذي خطر بباله عند الوصول إلى البيت فحضر فورا للبيعة معتمرًا قبعة فقط وطلب إحضار العمامة لاحقا. ويبدو أنه قد استقر بباله أن ذلك معصية كبيرة، ولذلك أسرع إليه دون أن يلفّ العمامة.
الانقلاب العظيم في حياة أبي بكر ببركة اتباع النبي
يقول سيدنا المصلح الموعود ثم انظروا إلى أبي بكر الذي كان تاجرًا عاديًا. ولولا بعثة النبي في مكة لما كتب المؤرخون في تاريخ مكة عن أبي بكر إلا أنه كان واحدًا من التجار العرب الشرفاء. ولكن ببركة اتّباع محمد رسول الله نال أبو بكر ذلك المقام السامي، حيث إن الدنيا كلها تبجله وتحترمه. لما اختاره المسلمون خليفة وقائدًا لهم بعد وفاة النبي ، بلغ هذا الخبر أهلَ مكة. وكان والد أبو بكر، واسمه أبو قحافة، جالسًا مع القوم حين سمع أن الناس قد بايعوا على يد أبي بكر، فلم يصدّق الخبر بتاتًا، وقال لصاحب الخبر: من هو أبو بكر هذا؟ قال: ابنك. ثم أخذ يعدّد القبائل العربية ويقول له إن هؤلاء أيضًا قد بايعوا على يد ابنك، فلما قال بأنهم اختاروا أبا بكر خليفة وسيّدًا عليهم بالإجماع لم يملك أبو قحافة نفسه وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
يقول المصلح الموعود: قال ذلك أبو قحافة برغم أنه كان مسلمًا من زمان، وإنما أعاد كلمة الشهادة وأقر برسالة النبي ثانية لأنه حين صار ابنه خليفة انكشفت عليه الحقيقة تمامًا حيث أدرك أن هذا دليل عظيم على صدق الإسلام إذ لولا ذلك لما كان العرب ليجتمعوا كلهم على يد أبي بكر أبدًا.(3)
ثم ذكر المصلح الموعود هذه الواقعة نفسها في مكان آخر فقال:
انظروا ماذا كانت حالة أبي بكر قبل الإسلام، ولما أصبح خليفة كان والده لا يزال حيا. فذهب إليه أحد فبارك له وأخبره أن أبا بكر قد أصبح الخليفة. فسأله أي أبا بكر؟ قال: ابنك. لم يصدّق أبو قحافة ما سمعه فقال: ربما هو شخص آخر. ولكن لما أكّد له ذلك الشخص قال أبو قحافة: «الله أكبر». ما أعظم محمدًا أن العرب رضوا بأن یكون ابن أبي قحافة سيّدًا لهم؟
فإن أبا بكر الذي لم تكن له مكانة كبيرة في العالم قد نال الشرف والتكريم بسبب اتباعه لمحمد لدرجة أن الملايين من الناس ما زالوا ينتسبون إليه بفخر.
وقال الخليفة الأول :
اعلموا يقينا أن الله تعالى لا يحب أن يكون مدينا بمنة أحد بل يعطي العبد آلاف الأضعاف بل مئات آلاف الأضعاف مما يعطيه العبد في سبيل الله. لقد ترك أبو بكر بيتا بسيطا في مكة ولكن كم قدّره الله تعالى، فقد جعله جزاء عليه مالك سلطنةٍ عظيمة.(4)
وهناك رؤيا النبي عن خلافة أبي بكر ، وقد وردت في رواية عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :
وهناك رؤيا أبي بكر أيضا: عن أبي بكر أنه رأى في المنام كأن عليه حلة حبرة وفي صدره كيّتان فقصها على رسول الله فقال: حلة حبرة خير لك من ولدك، والكيّتان: إمارة سنتين أو تلي أمر المسلمين سنتين.
من منظور مادي بحت، ماذا ربح أبو بكر من الخلافة؟!
ثم ورد ذكر تعيين معاش لأبي بكر بعد انتخابه خليفةً أنه رجع إلى المدينة بعد انتخابه خليفة واتخذها مسكنًا له، وفكّر في أموره وقال والله لا يمكن أن أصلح أمور الناس وأنا منشغل بالتجارة بل هذه الخدمة تحتاج إلى التفرغ التام والاهتمام الكامل، ولكن لا بد أن يكون لديه ما يصلح به نفسه وينفق على عياله، فترك التجارة وبدأ يأخذ من بيت المال ما يكفي لحاجته اليومية ولأهله. فلقد فُرض له ستة آلاف درهم سنويًا.
وهكذا فُرض له ما يكفيه ولعياله، ولكن لما دنت وفاته أمر ورثته بردّ كل ما أخذه من بيت المال، وأمر ببيع أرض له قائلا إنه لسداد ما أنفقه على نفسي من مال المسلمين إلى هذا اليوم. فلمّا تولى عمر الخلافة بعد وفاته وصله ثمن تلك الأرض فبكى عمر وقال: لقد أتعبت يا أبا بكر مَن بعدَك تعبًا شديدًا.
يقول المصلح الموعود :
كان عصر خلافة أبي بكر الصديق الأقصر من بين الخلفاء الأربعة إذ إنه لم يدم أكثر من عامين وربع تقريبًا، ولكن هذه المدة القصيرة كانت تستحق أن توصف بأنها الأهم وعُدَّت باكورة العصر الذهبي للخلافة الراشدة، لأن أبا بكر اضطر فيها إلى مواجهة أشد الأخطار والمصائب، ولكن بسبب شجاعة أبي بكر وبسالته وفهمه وفراسته تبددت غيوم الرعب والأخطار بعد مرور وقت قصير وتبدل جميع أنواع الخوف أمنًا، وقد تم قمع المتمردين والبغاة بحيث أقيم بعده صرح الخلافة على أسس متينة.
لقد ذكرت أم المؤمنين السيدة عائشة تلك الأخطار والمشاكل التي واجهها أبو بكر الصديق في بداية خلافته، وذكرها المسيح الموعود فقال:
لقد واجه أبو بكر في بداية خلافته الأنواع الخمسة التالية من الأحزان والهموم والمشاكل:
- موت النبي وحزن فراقه.
- 2 انتخاب الخلافة. والخوف والخطر من الفتنة والشقاق في الأمة
- قضية إنفاذ جيش أسامة
- مانعو الزكاة -وكانوا يُدعون مسلمين- ومهاجمو المدينة المنورة، وسميت فتنتهم في التاريخ بفتنة مانعي الزكاة.
- وفتنة الردة، أي المتمردين والبغاة الذين أعلنوا التمرد والحرب جهارًا. وقد انضم إلى هذه الحرب المتنبؤن الكذبة.
مماثلة سلسلة الخلافة المحمدية بسلسلة الخلافة الموسوية
سأذكر لاحقًا تفصيل النجاح الكبير الذي أناله الله تعالى لأبي بكر في قمع هذه المصائب والفتن في جميع الأحوال المذكورة، ولكن قبله سأعرض عليكم مقتبسًا طويلا للحكم العدل سيدنا المسيح الموعود ذكر فيه مشابهة أبي بكر بيشوع بن نون الخليفة الأول لموسى ، فقد ذكر المشاكل والمصائب التي واجهها أبو بكر ثم الفتوحات والنجاحات التي حققها ، فقال حضرته:
الآية التي تتحقق بها مماثلة السلسلتين -أي سلسلة الخلافة الموسوية وسلسلة الخلافة المحمدية- أي التي يُفهم منها يقينا وقطعا أن خلفاء سلسلة النبوة المحمدية أشباهٌ وأمثالٌ لسلسلة النبوة الموسوية فهي:
حين ننظر بإمعان في كلمة «كما»، التي توجب مماثلة الخلفاء المحمديين بالخلفاء الموسويين لا نجد بُدًّا من الإيمان بأن مماثلة خلفاء هاتين السلسلتين ضروريةٌ، وإنّ أول مَن وضع الأساس للمماثلة هو أبو بكر ، وأما الذي هو مُظهر النموذج الأخير للمماثلة فهو ذلك المسيح خاتم الخلفاء المحمديين الذي هو آخر خلفاء سلسلة الخلافة المحمدية.
فأول خليفة أي أبو بكر يقابل يشوع بن نون ويماثله، وهو الذي اختاره الله بعد وفاة النبي ليكون أول خليفة له، ونفخ فيه روح الفراسة أكثر من الجميع حتى إنه تمكن من حل جميع المشاكل التي سيواجهها خاتمُ الخلفاء المتمثلة في العقيدة الباطلة بحياة المسيح. وقد دحض أبو بكر كل هذه الشبهات بمنتهى الوضوح والجلاء، ولم يبق من الصحابة كلِّهم من لا يؤمن بموت جميع الأنبياء الذين خلوا عليهم السلام، بل قد أطاع الصحابة كلُّهم أبا بكر في جميع الأمور كما كان بنو إسرائيل قد أطاعوا يشوع بن نون بعد وفاة موسى . وكذلك قد حمى الله أبا بكر وأيده أيضا كما كان مع النبي على شاكلة موسى ويشوع بن نون. (يوشع بن نون ويشوع بن نون هو اسم شخصية واحدة. يقول حضرته:) فقد باركه الله في الحقيقة كيشوع بن نون بحيث لم يقدر أي عدو على التصدّي له، وإن المهمة غير الكاملة ببعث جيش أسامة التي تشبه مهمة موسى غيرَ الكاملة، قد حققها على يد أبي بكر . وهناك مماثلة أخرى عجيبة لأبي بكر مع يشوع بن نون وهي أن يشوع هو أول من اطلع على موت موسى حيث أوحى الله إلى قلبه بلا تأخير أن موسى قد مات، لئلا يقع اليهود في خطأ أو اختلاف حول موت موسى كما هو واضح من سفر يشوع الإصحاح الأول. كذلك فإن مَن أعلن بكامل اليقين بأن النبي قد توفي هو أبو بكر، حيث قبَّل جسده المبارك وقال: «طِبْتَ حيًّا وميتًا.»(8). ثم فند في اجتماع عام جميع الأفكار التي كانت قد نشأت في قلوب بعض الصحابة عن حياة النبي استدلالا من آية قرآنية، كما استأصل معها فكرة حياة المسيح الموجودة في قلوب البعض نتيجة عدم التدبّر الكامل في الأحاديث. وكما كان يشوع بن نون قد أهلك أعداء الدين الألداء والمفترين والمفسدين، كذلك قد قُتل كثير من المفسدين والمدعين الكاذبين على يد أبي بكر الصديق . وكما مات موسى في الطريق في وقت حرج حيث كان بنو إسرائيل لم يحرزوا الفتح بعدُ على الأعداء الكنعانيين، وكانت أهداف كثيرة باقية وكانت في ما حولهم فتنة الأعداء، فتأزمت الأوضاع نحو خطر أكبر بعد وفاة موسى، كذلك قد ظهرت أوضاع خطرة جدا بعد وفاة نبينا ، فارتدت قبائل كثيرة، ورفض بعضهم دفع الزكاة، وظهر كثير من المدعين الكاذبين. ففي هذه الأوضاع كانت هناك حاجة إلى خليفة شجاع قوي القلب رابط الجأش قوي الإيمان جريء، فانتُخب أبو بكر خليفةً، وفور انتخابه خليفةً اعترضتْه مصائب جمة كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها حين انتُخب أبي خليفةً للرسول حلَّت به مصاعب من جراء فتن كثيرة وبغْي العرب وظهور المدّعين الكذَبة ونزلت على قلبه هموم جسيمة لو نزلت على جبل لهدّتْه وكسّرته ولاستوى بالأرض. لكن لما كان من سنة الله أنه حين ينتخب أي خليفة بعد وفاة رسوله، تُنفخ فيه روح الشجاعة والهمة والعزيمة والفراسة وقوة القلب، كما يقول الله ليشوع في سفر يَشُوع:»تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ.»(9) أي قد مات موسى فلتتشجع الآن.
فالحكم نفسه نزل على قلب أبي بكر في صورة القضاء والقدر لا في صورة الشريعة. ويبدو من مماثلة الأحداث والمشابهة كأن أبا بكر بن أبي قحافة ويشوع بن نون شخص واحد، فقد أرى المماثلة في الاستخلاف مماثلة دقيقة وواضحة. وذلك لأن الذين يرون المماثلة بين السلسلتين الطويلتين، فهم بالطبع يلاحظون عادةً المماثلة في البداية أو النهاية، أما مماثلة المراحل الوسطى التي تتطلب الفحص والبحث أكثر فلا يرونها ضرورية، بل يقيسونها على البداية والنهاية. لهذا فإن الله قد حقَّق بجلاء تام المماثلةَ بين يشوع بن نون وأبي بكر وهما في أول سلسلة الخلافتين، بالإضافة إلى المماثلة بين عيسى ابن مريم والمسيح الموعود من هذه الأمة، وهما في آخر سلسلة الخلافتين. فمثلا جعل أبا بكر مثيلَ يشوع لدرجةٍ يبدو وكأنهما شخص واحد، أو قطعتا جوهر واحد، وكما كان بنو إسرائيل مطيعي يشوع بن نون بعد وفاة موسى ولم يختلفوا معه وأبدى الجميع طاعتهم له، فقد ظهر الحادثُ نفسه لأبي بكر أيضا؛ إذ قبِل الصحابة كلهم خلافته برغبة قلبية دامعي العيون بفراق النبي . باختصار؛ إن مماثلة أبي بكر مع يشوع بن نون متحققة من كل النواحي. فكما أن الله تعالى أظهر تأييداته ليشوع بن نون التي كان يبديها لموسى دوما، كذلك قد بارك الله في أعمال أبي بكر أمام جميع الصحابة وتحقق ازدهارُه كالأنبياء. فقد قَتل المفسدين والمدعين الكذبة بتلقي القوة والجلال من الله ليعرف الصحابةُ y أن الله كان معه كما كان مع النبي .
وهناك مماثلة عجيبة أخرى لأبي بكر مع يشوع بن نون وهي أن يشوع بن نون بعد وفاة موسى اضطر مع جيشه إلى عبور نهر كبير يدعى نهر الأردن، وكان في الأردن طوفان وكان العبور مستحيلا، ولو لم يعبروا الطوفان لهلك بنو إسرائيل على أيدي الأعداء حتما، وكان هذا أول أمر هائل تعرض له يشوع بن نون في خلافته بعد وفاة موسى . فنجّى الله يشوع بن نون مع جيشه من ذلك الطوفان بصورة إعجازية، إذ انحسر نهر الأردن فعبره بسهولة، وكان انحساره نوعا منبفعل حركة المد والجزر، ولعل انحساره يومئذ كان فائقة للعادة. على أية حال قد أنقذه الله من الطوفان والعدو على هذا النحو، فتعرض أبو بكر الخليفة الحق أيضا بعد وفاة النبي مع جماعة الصحابة بأسرها التي يقدَّر عددها بأكثر من مائة ألف، لطوفان مشابه، بل أكثر منه شدة؛ إذ انتشر التمرد العنيف في البلد. فالأعراب الذين قال الله بحقهم:
كان لا بد أن يتمردوا لكي تتحقق هذه النبوءة، وهكذا حدث، إذ قد ارتدوا كلهم ورفض بعضهم أداء الزكاة، وبعض الأشرار ادّعوا النبوة، فانضم إليهم مئات الآلاف من الأشقياء وكثر عدد الأعداء لدرجة أنْ لم يكن للصحابة أي نسبة مقارنةً معهم، فظهر طوفان عنيف في البلد، وكان هذا الطوفان أشد هولا من تلك المياه المخيفة التي تعرض لها يشوع بن نون ، وكما أصيب يشوع بن نون بعد وفاة موسى بالابتلاء المفاجئ، حيث كان الطوفان الشديد في النهر ولم تكن هناك أي سفينة وكان الخوف يحيط بهم من كل طرف وصوب؛ أصيب بالابتلاء نفسه أبو بكر بحيث ظهر طوفان ارتداد العرب إثر وفاة النبي بالإضافة إلى طوفان آخر للمدَّعين الكذبة، فلم يكن هذا الطوفان أقل شدة وهولا من طوفان يشوع، بل كان أشدَّ منه بكثير.
ثم كما قوّى كلام الله يشوع وقال له إني معك حيثما تتوجه، فكن قويا وشجاعا ولا تخف، فتولّد في يشوع قوة كبيرة وعزيمة وإيمان من الذي لا يتولد إلا بطمأنينة الله، كذلك نال أبو بكر قوة من الله عند طوفان التمرد. والذي له اطلاع على تاريخ الإسلام في تلك الحقبة يستطيع أن يشهد أن ذلك الطوفان كان عنيفا لدرجةٍ كان يمكن أن ينقرض الإسلام في ذلك اليوم لو لم تكن يد الله مع أبي بكر ولم يكن الإسلام في الحقيقة مِن الله ولو لم يكن أبو بكر فعلا خليفة صادقا، لكن أبا بكر الصديق نال قوة من كلام الله مثل النبي يشوع، لأن الله كان قد أنبأ بهذا الابتلاء سلفًا في القرآن الكريم، فمن قرأ الآية التالية بتدبّر فسوف يوقن بأن نبأ هذا الابتلاء موجود بلا شك في القرآن الكريم سلفًا وذلك الخبر هو:
لقد ترجم حضرة المسيح الموعود بنفسه هنا هذه الآية إلى الأردية، ثم قال:
وسأذكر تفصيل الأمور الخمسة لاحقا بإذن الله. في هذه الأيام اُدعوا الله تعالى كثيرا واضعين في الحسبان ما يمر به العالم من ظروف الحرب التي تسوء أكثر فأكثر، والآن قد بدأت تهديدات الحرب النووية التي ستكون عواقبها وخيمة كما قلت من قبل عدة مرات، وسوف تتحمل نتائجها الأجيال القادمة أيضا. الله تعالى وحده قادرٌ على أن يهبهم العقل. عليكم في هذه الأيام أن تكثروا من الصلاة على النبي والاستغفار. عفا الله عن ذنوبنا ووهب قادة العالم أيضا العقل والفطنة.
كان المسيح الموعود في فترة معينة قد نصح أفراد الجماعة بوجه خاص أن يكثروا من الدعاء
وقال: ادعوا بهذا الدعاء عند القيام بعد الركوع، وفي هذه الأيام أيضا ثمة حاجة إلى الإكثار من هذا الدعاء. آتى الله الجميع حسنات وحماهم جميعا من عذاب النار من كل نوع.
—
سوف أصلي صلاة الغائب على السيد أبو الفرج الحصني من سوريا الذي توفي في 13 شباط/فبراير عن عمر يناهز تسعين عاما تقريبا. إنا لله وإنا إليه راجعون. كان أبوه السيد محمد الحصني من الأحمديين الأوائل الذين بايعوا عن طريق مولانا جلال الدين شمس. كان المرحوم ابن أخي السيد منير الحصني الأمير الأول لسوريا وخدم الجماعة بصفته نائب الأمير في عهده وبعده أيضا. وُلد في 1933 وكان متأثر جدا من تقوى عمه السيد منير الحصني وورعه وعلمه، وكان كثيرا ما يحضر مجلسه. كان عمره 15 عاما حين سمع في أحد الأيام صوت القرآن الكريم في الراديو مما رق قلبه وبدأ بالبكاء فتوجه إلى عمه منير الحصني وقال له أريد أن أعرف أكثر عن الله تعالى. فأعطاه عمه أحد كتب المسيح الموعود ، وبعد قراءة الكتاب تغيرت حالة قلبه تماما وذهب إلى عمه وقال له: أريد أن أبايع.
قد حظي بشرف اللقاء مع ثلاثة من خلفاء المسيح الموعود ، تشرف بلقاء الخليفة الثاني وحراسته أثناء زيارته لدمشق في 1955. ثم في 1972 ذهب إلى باكستان ومكث في ربوة بضعة أشهر في صحبة الخليفة الثالث وتعلم اللغة الأردية وعلوم الجماعة وفي الرحلة نفسها وجد فرصة زيارة قاديان. ثم في 1986 زار بريطانيا بمناسبة الجلسة السنوية ونال شرف اللقاء مع الخليفة الرابع . ثم في 2017 زار قاديان مرة أخرى وألقى خطبة وجيزة باللغة العربية في الجلسة السنوية. كان المرحوم صالحا وورعا ومخلصا وعالما تقيا. لم تكن له ذرية وزوجته غير أحمدية.
قال رئيس الجماعة في سوريا: قد تشرفت بمرافقته الى قاديان في عام 2017 ورغم ضعفه الشديد كنا نشعر أنه لا يمشي على الأرض بل يطير في الهواء شوقا. وكان من قبل لا يريد الذهاب بسبب المرض ولكن حين قلت له يمكنك أن تذهب فقال لقد جاء الأمر من الخليفة أو إذا قال الخليفة اذهب فلا بأس سأذهب، وبفضل الله تعالى تحسن هو وزوجته من المرض وزال الضعف. فذهب المرحوم إلى قاديان وصعد منارة المسيح وقال الناس أنه صعد بسرعة لا يستطيع الشباب الصعود مثله مع أنه كان من قبل يشعر بصعوبة حتى في المشي.
قال الدكتور مسلم الدروبي: كان المرحوم ولي الله ومن أبدال الشام، ويشهد على ذلك الجميع وأنا أيضا. كان من التجار المعروفين في دمشق وأسوة يستحق التقليد وكان يملك سمعة طيبة في السوق. كان حكيما وذهينا وملتزما بصلاة التهجد وصاحب الرؤى الصادقة التي تحققت وكثير منها كانت متعلقة بظروف سوريا ومصائبها. حين كان الدعاة يأتون سوريا لتعلم اللغة العربية كان المرحوم يحترمهم جدا لأنهم مبعوثون من الخليفة ولأنهم وقفوا حياتهم للتبليغ.
قال حسام النقيب رئيس الجماعة السابق وهو الآن في تركيا: كان المرحوم يتميز بخصال طيبة كثيرة، أهمها حبّه للمسيح الموعود ثم حبه للخلافة والخلفاء، لن أنسى سفري معه إلى قاديان ما حييت، كل شيء في هذا السفر كان معجزة. صاحبته في كل الوقت في قاديان، وكان كل دعائه في قاديان «اللهم انصر الخليفة، اللهم بارك بعمره وكل أمره». ثم كتب: إذا ورد في المجلس حديث أو كلام منقول عن حضرة خليفة الوقت كان لا يسمح لأحد بالتشويش على المتكلم حتى يسمع تماما الكلام ويفهمه ويُسرّ به. كان إنسانا متواضعا جدا ولا يفرح إذا مدحه أحد بل ينهره ويقول له دع هذا الأمر، الله وجماعته كل شيء فتحدث عن الجماعة.
لم يترك قراءة كتب المسيح الموعود قط، ولم يترك قراءة كتب الجماعة إلا في سنواته الأخيرة التي أضعفته، وكان متعلقا بشدة بتفسير المصلح الموعود ، وكان إذا سُئل عن تفسير آية ما كان يحكي تفسير المصلح الموعود ويشرحه.
قال ابنُ أخت المرحومِ السيد محمد عمار المسكي من المملكة المتحدة: حين بلغت الرابعة عشرة من عمري كنت أصلي صلاة الجمعة معه في زاوية الحصني وبعد الصلاة كنت أعود معه إلى البيت وفي الطريق كنتُ أسأله من علوم الجماعة وكان يجيب بالتفصيل، حينها لم تكن كتب الجماعة ميسرة في سوريا وكان للمرحوم دور كبير في نقل علوم الجماعة إلى الأحمديين في سوريا. كان قد تعلم الأردية في ربوة وكان قد أتى بالكتب الأردية معه وكان يسعى ليقرأ الكتب الأردية ويفهمها ويخبر أبناء الجماعة مفاهيمها. كان شخصا قنوعا، لم يرغب في مناصب قط، بل أحب أن يبقى خادما دوما. أراد الخليفة الرابع رحمه الله تعالى أن يجعله أمير الجماعة في سوريا ولكنه قال سيقول الناس استمرت الإمارة في الأسرة لذا أرجو أن تجعل أحدا آخر أميرا وسأتعاون معه بكل ما في وسعي. ثم تعاون مع أمير أصغر منه كل التعاون وضرب مثالا في ذلك.غفر الله للمرحوم ورفع درجاته وتقبل أدعيته في حق زوجته أيضا ووفقها لقبول الأحمدية. سأصلي عليه بعد الصلاة إن شاء الله.
الهوامش:
- محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك
- أحمد بن شعيب النسائي، فضائل الصحابة، فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
- مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير
- (حقائق القرآن ج1 ص244)
- صحيح البخاري کتاب فضائل أصحاب النبي
- راجع: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ذكر بيعة أبي بكر
- مرزا غلام أحمد القادياني، سر الخلافة، الخزائن الروحانية ج 8 ص335
- البغوي، شرح السنة
- (يَشُوع 1 : 6)
- (الحجرات: 15)
- (النور: 56)
- (التحفة الغولروية)
- (البقرة: 202)