المستقيم من يحتمل كل أنواع البلاء

المستقيم من يحتمل كل أنواع البلاء

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)

__

ادعوا لمن يسبكم و أريحوا من يسبب لكم الآلام

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

يقول المسيح الموعود :

البيعة ناقصة ما لم تصحبها الاستقامة. عندما يخطو الإنسان نحو الله تعالى يضطر لمواجهة كثير من البلايا والصعاب، ولا يسعه الوصول إلى المنـزلة المقصودة ما لم يمر منها.”

قال :

“لا تنكشف الاستقامة في حالة الأمن، بل كل واحد يعيش في فرحة وسعادة حالةَ الأمن والراحة ويبدي استعداده ليصبح صديقًا، إنما المستقيم هو من يتحمل كل أنواع البلاء.”

ثم ينصح موضحًا الطرقَ للحصول على الاستقامة المنشودة، فيقول:

“يجب أن تُكثِروا من الصلاة على النبي التي هي أمثَلُ وسيلةٍ لاكتساب الاستقامة، لكن ليس كتقليد وعادة فحسب، بل يجب أن تصلّوا على الرسول – متفكرين في حسنه وإحسانه، وداعين من أجل ارتفاع مدارجه ومراتبه وانتصاره وغلبته – -، فستكون النتيجة أنكم تنالون ثمرة حلوة ولذيذة لاستجابة الدعاء.”

وقال أيضا ناصحًا جماعته:

“عليكم بالاستغفار من أجل استقامة القلب.”

سأذكر اليوم بعض روايات صحابة المسيح الموعود التي تسلط الضوء على صبرهم واستقامتهم ويتضح منها كيف كان الله تعالى يعاملهم بكل حب ولطف وكيف كانت دعواتهم تستجاب.

يروي نور محمد ويقول: “عدت مع عائلتي إلى “بلوتشستان” في 7/1/1906، فلما سمع أستاذي الذي كان إمام المسجد لأهل الحديث استدعاني، (أي كان قد رجع من قاديان إلى بلوتشستان بعد البيعة) وقال: ما يكتبه المرزا في كتبه جيدٌ إلا أنه يعلّم شيئًا آخر في الخفاء. (أي إنه يكتب شيئا ويعلم أتباعه شيئًا آخر) يقول: كتبتُ إلى المسيح الموعود رسالة بهذا الخصوص فجاءني ردّه من قبل المفتي محمد صادق ورد فيه: ننصح بإيثار الدين على الدنيا، وملعونٌ من يزيد على قول النبي وفعله أو ينقص منهما شيئا. فلما أرَيتُ المولوي المذكور هذا الردّ لم يتكلم بشيء إلا أنه سألني: هل أنت أيضا تتلقى وحيًا يا ترى أم لا؟ (أي أخذ يسخر منه) فقلت له: عندما قرأت في جريدةِ المسيح الموعود قوله: “يجب على الناس أن يسألوا الله تعالى عن صدقنا”، دعوتُ الله تعالى فتلقيت وحيًا: “اقبلْه إنه صادق”. ثم أينما توجهت وكلما مشيت في السوق أو في المكتب وخارجه لاقيت الناس يصرخون عليّ. ولما كنت قد رجعت بعد بيعة المسيح الموعود كان مديري يقول أحيانًا للحارس طعنًا فيّ واستهزاءً بي: أعطني النرجيلة الموعودة، وامنع الهرة الموعودة، وأعطني الورق الموعود، وغيرها من لغو الأمور. فكنت أدعو في تلك المرحلة مناجيًا الله تعالى: اللهم يا مولاي الكريم استجبْ دعوتي كذا بوجه المسيح الموعود ، كما كنت أكتب رسالة إلى المسيح الموعود كل يوم أحد. وكان أحد هذه الأدعية في تلك الفترة هو أن يتم نقلي من هنا من “كويته” مع ترفيعي في المنصب لأن مديري خان بهادر محمد جلال الدين المستشار السياسي في “قلات” كان معارضًا شديدًا للأحمدية. (يقول دعوت الله تعالى أن يتم نقلي من مكتب هذا المعارض للجماعة ولكن بشرط أن يصحبه الترفيع في المنصب أيضا)

بعد هذه الرؤيا سحب قضيته لأن الله هو مَن سيتولى أمره، وبعد ذلك حلّت فيضانات هائلة فأغرقت الجزء الخارجي للمدينة وبقي بيت شادي خان وحده فقط سالما.

يقول بأنه لم يمض على ذلك ثلاثة أيام حتى نُقلتُ من هناك بصفتي كاتبا عند الأستاذ “مستوفي لاري”، وعندما وصلت إلى هناك وجدتُني وحيدا فبدأتُ أرسل إلى سيدنا المسيح الموعود كل يوم بطاقة بريدية للدعاء، وقد أدخل الله بفضله اثني عشر شخصًا الأحمدية بتبشيري في سنة واحدة وفتح عليَّ باب الإلهامات الكثيرة لدرجة لم تكن تمضي ليلة دون أن أتلقى إلهاما من الله.

هنا قد قام الكاتب في سجل الروايات بتقديم بعض الجمل وتأخيرها، على كل حال تستمر الرواية فتقول كان هناك قصاب يدعى “شادي خانْ” فانضمّ إلى الأحمدية، وكان هناك “ميانْ غُل” وهو رئيس البلوتْش حين علم بأن شادي خان صار أحمديا قال لأتباعه أن يرموا اللحم الذي اشترَوه من محل شادي خان، ويضربوه لأنه صار أحمديا، فاستجاب له المسلمون المتوحشون، وشجّوا رأسي. فرفعت الاستغاثة إلى نائب المفوض في سِبِّي في ولاية بلوتشستان، فتلقيت الإلهام بعد رفع القضية “بيتُ شادي خان سيُحمى” فأخبرتُ جميع الأحبة بذلك وطلبت منهم أن ينتقلوا مع أفراد العائلة جميعا إلى بيت شادي خان فكان عددهم قرابة 35 شخصا، فانتقلوا كلُّهم، كنا ننتظر النتائج حيث قال شادي خان في منتصف الليل: رأيت في الرؤيا أني طُلبتُ إلى بلاط عظيم، ووجدت هناك شخصا عظيما يجلس على العرش في خيمة وحوله أولياء الأمة، ورأيتُ المسيحَ الموعود في انتظاري عند الباب، وكان الدم يسيل من رأسي، فوضع إحدى يديه على ذقني وأمسك بأخرى رأسي وأخذني إلى صاحب العرش وقال له إذا كان هذا هو حال مريديَّ فماذا أفعل؟ فنادى صاحبُ العرش هل هناك أحدٌ؟ فتقدم إليه ضابط كبير يحمل عددا من النجمات وأوسمة كبيرة، فأمرَه أن ينطلق مع شادي خان فتقدمتُ أنا وتبعني ذلك الضابط ووراءه الجيشُ، فدخلنا المدينة. انتهتْ رؤياه.

بعد هذه الرؤيا سحب قضيته لأن الله هو مَن سيتولى أمره، وبعد ذلك حلّت فيضانات هائلة فأغرقت الجزء الخارجي للمدينة وبقي بيت شادي خان وحده فقط سالما.

يقول جانْ محمد ابن عبد الغفار الدَسكوي: لقد تعرضنا نحن الأحمديين في 1903 لمعارضة شرسة، وخاصة أنا شخصيا، لأني كنت أول أحمدي في دَسكة وكانوا يؤذونني أكثر، فقد نهوا السقَّاء والكنّاس أيضا من تقديم أي خدمة لي، فأما السقاء فقال لهم بأن مسؤول المديرية أمره بأن لا يقطع الماء عن المولوي المحترم، وإذا أصروا على طلَبهم فسوف يخبره، فانتهَوا. أما الكناس فقال لهم (والجدير بالذكر هنا أن الكناسين في بلادنا من المسيحيين عادة أو من الطبقة الدنيا جدا حيث لا يكون لهم أي احترام، مع أنه يجب أن لا يكون هناك تمييز.) لا يأكل معكم المولويُّ المحترم ولا أنتم تأكلون معه، أي أنكم لا تتناولون الطعام على مائدة واحدة. ثم قال: لو أكلتَ معنا لخلَّينا سبيل المولوي المحترم. فخجل هذا الشخص ولكنه ظل قائما على المعارضة. فكتبتُ إلى سيدنا المسيح الموعود بأنهم قد قطعوا عليّ الماء، ويمنعونني من أداء الصلاة أيضا في المسجد، فلو انضم إلى الجماعة المولويُ فيروزُ دين وشودهري نصرُ الله خان المحامي لازدهرت الجماعة. فكتب إلي في الجواب: لا تظننَّ أنه إن دخل الجماعة فلان وفلان فسوف تزدهر الجماعة، وما عليك إلا الصبر والاستمرار في الأدعية في الصلاة. إن هذه الجماعة جماعة سماوية ولسوف تزدهر حتما بإذن الله وتصل إلى أنحاء العالم وتنضم إليها الأرواح السعيدة وستكون المساجد للأحمديين، فلا تقلق. ثم انتشرت الجماعة بفضل الله. فهذه المساجد ستكون للأحمديين مهما فرض المعارضون أصناف الحظر أو ازدادوا معارضة.

يقول السيد عبد الله بن الله بخش المحترم: عندما توفي المسيح الموعود كنت موجودا هنالك. كان المعارضون من غير الأحمديين مجتمعين خارج المبنى كالمتفرجين. أما نحن فكنا جالسين خارج الباب احتراما إذ بأحد الإخوة شرع يبكي وأجهش بالبكاء. جاء الخليفة الأول إلى خارج المبنى وقال: إن إيماني ما زال كما كان، فقد رحل المسيحُ الموعود بعد أن أنجز مهمته، وهذه المناسبة جديرة بأن نُظهر فيها الصمود وليس البكاء والعويل.

هناك رواية أخرى للسيد خير الدين ابن السيد مستقيم يقول فيها: إن أستاذي المدعو المولوي الله دِتَّا كان من أتباع المولوي محمد حسين. حين مدح المولوي محمد حسين المسيح الموعود في مجلته “إشاعة السنة” قرأ ذلك أستاذي وسأله: من هذا الشخص الذي مدحتَه إلى هذا الحد وأين يسكن؟ أودّ أن أقابله. فذهب إلى قاديان للقائه ، وعندما وصلها وجد المسيح الموعود مستلقيا وبدأ يربّت على قدميه وحين نظر إلى وجهه الكريم في أثناء ذلك قال: إن ملامح الإمام المهدي المذكورة في الأحاديث تنطبق عليكم تماما (هذا الكلام يعود إلى ما قبل أن يبدأ حضرته بأخذ البيعة) فأرجو أن تأخذوا بيعتي. فابتسم ولزم الصمت. وقال المولوي “الله دِتّا”: في قلبي لوعة لبيعتكم. فقال : “لم أُؤمر بأخذها إلى الآن.” يبدو أنه كان قد احتل إلى ذلك الحين المرتبة المقدَّرة له، وكان في انتظار الأوامر فقط. شُغف أستاذي في حبّه ثم عاد إلى قريته. وعندما نشر المسيح الموعود إعلانا بأخذ البيعة بايع أستاذي فورا. وبفضل الله تعالى لم أعارضه قط وبقيتُ معه على الدوام غير أن الناس الآخرين آذوه وعذّبوه كثيرا. كنتُ أحسن الظن بالمسيح الموعود سلفا ولكن بسبب كسلي تأخرت بيعتي حتى جاء عام 1906م الذي بايعت فيه على يده بفضل الله تعالى. أُذّن لصلاة الظهر فجاء إلى المسجد وجلس في المحراب وقال: إذا كان هناك أحد يريد أن يبايع فليأت. كنت قادما للصلاة بعد الوضوء، وعندما وصلت قرب الأدرج نادى شخص بأنه يقول: إذا كان هناك أحد يريد أن يبايع فليأت. فتقدمتُ إليه فورا وبايعتُ.

وفي رواية أخرى يقول السيد قاضي محمد يوسف المحترم: اشتغلت في وظيفة حكومية إلى 27 عاما تقريبا وبدأتُ من راتب 15 روبية شهريا ووصلت إلى 200 روبية شهريا أو أكثر. وقد أعانني الله تعالى في كل مشكلة وموقف صعب حين لم يستطع أحد أن يعينني، وقد تمت أموري كلها بفضل الله تعالى المحض. لقد واجهت ابتلاءات كثيرة وخرجت منها بكل سهولة ونجاح. وقد عاملني أقاربي أيضا – دع عنك الأغيار- معاملة إخْوة يوسف إلى سنوات عديدة، ولكن الله تعالى أفشل كل معاند وحاسد في حسده وفساده وأجاب أدعيتي دائما لأنه كان يريد لي الخير.

يضيف الراوي ويقول: لقد افترى عليَّ أهل مدينة لاهور بتهمة الإساءة إلى النبي ، وحرّض أعضاءُ “مجلس الأحرار” في إقليم سرحد شخصا ليقتلني علنا. ولكن الله تعالى جعل الرصاص ينحشر داخل المسدس فما خرج منه وبذلك أثبت براءتي. وقبض السيدُ أربابُ محمد النجيب آبادي الأحمدي على المجرم وزجّت به الشرطة المحلية في السجن إلى تسع سنين. فشل الأعداء لأن الله كان معنا ولا يزال، وتحقق إلهام المسيح الموعود ما تعريبه:

 “لا تخوِّفونا النارَ، فإن النار

خادمتنا بل خادمة خدامنا”.

ثم يقول ميان نظام الدين الخياط: في عام 1902م سافرنا من مدينة “جِهْلُم” للاشتراك في جلسة منظمة “أنجم حماية الإسلام” في لاهور وكنا ثلاثة أنفار. رأينا شيخا واقفا خارج مقام الجلسة حاملا القرآن الكريم في يده وينادي: أقول حلفا بالقرآن الكريم بأن الميرزا قد أصيب بالجذام لأنه كان يسيء إلى الأنبياء. وكان يوزّع إلى جانب ذلك إعلانا وجيزا أيضا يتضمن المعنى نفسه. أخذت منه الإعلان وقلت لرفقائي: تعالوا نذهب إلى قاديان ونرى حالة الميرزا حتى تكون شهادة عيان. جئنا إلى قاديان ورأينا المسيح الموعود في صلاة المغرب سليما معافى تماما. فاحترت أنا ورفقائي وقلنا ما القصة؟ هل كذب شيخنا أم أن الشخص الذي أُخبرنا به هو ليس بالميرزا بل غيره؟ بتنا الليلة وفي  الصباح استفسرنا المولوي نور الدين عن الموضوع فقال: هذا هو السيد الميرزا نفسه الذي رأيتموه. ثم أخرج الإعلان نفسه من جيبه وقال: هذا الإعلان وصلنا أيضا. والآن الحكم في يدكم، صدِّقوا من تشاءون. فهل تصدقون شيخكم الذي افترى كذبا كبيرا إذ قال حالفا بالقرآن الكريم بأن الميرزا أصيب بالجذام بينما رأيتموه بأم أعينكم سليما معافى تماما. عندما جاء لصلاة الظهر سردتُ له القصة كلها فقال مبتسما: إن هؤلاء المشايخ يبيحون الكذب من أجل معارضتي. لقد جاء في الأحاديث أن العلماء في زمن المسيح الموعود سيكونون شر من تحت أديم السماء. ارتحتُ لسماع كلامه وقلتُ له: أريد أن أبايعكم أنا ورفقائي أيضا، لأننا لا نستطيع أن نتحمل الكذب إلى هذا الحد فنرجوكم أن تأخذوا بيعتنا حالا. قال : لا أحبذ البيعة بهذه السرعة لأنكم لم تسمعوا موقفنا لذا يجب أن تمكثوا في صحبتنا لبضعة أيام وتطّلِعوا على موقفنا ثم إذا حظيتم باليقين الكامل عندها يمكن أن تبايعوا حتى لا ترتدوا من البيعة بعد أن تسمعوا اعتراضات المشايخ، فلو فعلتم ذلك لكنتم مذنبين (لأن الارتداد بعد البيعة ذنب كبير) لذا عليكم أن تمكثوا عندنا أسبوعا على الأقل. فسكتنا بسماع ذلك، ومكثنا هنالك. ثم ذهب إلى داخل البيت بعد أن فرغَ من الصلاة.

ثم يقول الراوي: كنت خياطا وكنت أشتغل عند شخص براتب 12 روبية شهريا ولكنه أقالني من الشغل لكوني أحمديا. بدأ الأقارب والأغيار كلهم يعادونني عداوة شديدة. كان أحد رفقائي يعمل بائع حلويات فأجمع المسلمون كلهم بأن الحلويات من صنعه حرام. (هذا ما يحدث اليوم أيضا مع أصحاب المحلات الأحمديين في باكستان، وقد أصدرت المحكمة العليا في لاهور قرارا يقول بأن استهلاك “شيزان”- وهو شراب معروف في باكستان – حرام لأن مالكي مصنعه أحمديون)

فباختصار، أجمَعوا على ألا يشتروا شيئا من محله، وبقيت المقاطعة على هذا المنوال إلى ثمانية أيام. ظل هذا الشخص يقاوم الضغط إلى أسبوع ولكنه خضع له في اليوم الثامن وسحب البيعة وارتد، وبذلك بقينا نحن اثنان وكنا نشتغل خياطَين وصبرنا على كل شيء صامدين. وأذكر أنني اضطررت للفاقة إلى عدة أيام بين فينة وفينة. بعد عدة أيام جئت إلى المسيح الموعود وسردتُ له القصة كلها. فقال بكلمات مسلّية جدا: إذا صمدتم في الابتلاء سوف يزيل الله تعالى عنكم هذه الأيام سريعا وسيأتي بأيام الفرج سريعا. يقول الراوي: بأننا مررنا بأيام قاسية جدا إلى عام، ما كان يروق لي عمل بسبب ضائقة مالية. ثم جئت إلى قاديان بعد بضعة أشهر مكتئبا من هذه المعاناة وبيّنت معاناتي للمسيح الموعود باكيا وقلتُ: لو سمحتَ لي يا سيدي لسافرتُ إلى أفريقيا لعل الله تعالى يرحمني. قال مبدئيا بأنه لا بد للمؤمن من مواجهة الابتلاءات في هذا السبيل، وفي بعض الأحيان تكون قاسية أيضا، وأخاف أنك قد تتعرض هنالك لابتلاء أقسى من سابقه. ثم قال بعد إصراري على الموضوع: سأخبرك غدا بعد الدعاء. فقال في اليوم التالي بعد صلاة الظهر: سافِر إلى أفريقيا متوكلا على الله تعالى ولكن انتبه جيدا إلى تبليغ دعوة الجماعة إلى الناس قدر الإمكان. (أي حيثما ذهبتَ لا تنسَ أمر تبليغ الدعوة). أنا شخص غير مثقف ولكني كنت متحمسا للتبليغ حبا للجماعة لدرجة كانت فكرة التبليغ مستولية على ذهني في كل حين وآن.

وهناك رواية أخرى رواها السيد غلام محمد وسرد فيها أحوال سفره إلى لاهور فقال: في الأيام التي كان المسيح الموعود مقيما في لاهور وألقى خطابه بعنوان: “محاضرة لاهور”، كانت الإعلانات بهذا الخصوص تُلصق على جدران المباني. كان شودهري “الله دِتّا” الذي كان عمدة قرية “ميانوالي، خانان والي”، في مديرية “نارووال” يحمل طنجرة من الصمغ على رأسه ويلصق الإعلانات في كل مكان. وقد ضربه المعارضون أكثر من مرة بسبب نشاطه هذا. كان الشودهري المرحوم يلصق الإعلانات وكان المعارضون يمزقونها ويشتمون ويسبون.

يقول الراوي: كانت قرب البيت الذي أقام فيه المسيح الموعود أشجار مختلفة الأنواع على الشارع المدوّر، وكان هناك شيخ معارض – المدعو “شيخ تاهلي” – يتسلق الأشجار لابسا السروال فقط عاري الصدر حاسر الرأس، ويكيل شتائم بذيئة ويهذي كمن فقَدَ صوابه.

ثم هناك رواية أخرى رواها الحافظ غلام رسول الوزير آبادي فقال: ذات مرة ذهبت إلى قاديان وذكرتُ للمسيح الموعود القضايا الزائفة المرفوعة ضدي، وقلت بإن المعارضين صادروا بيتي برفعهم ضدي القضايا الزائفة واليمين الغموس. قال المسيح الموعود : إن الناس يخرّبون بيوتهم بمناسبة زواج أولادهم أو ختانهم، أما بيتك فقد أفلت من يدك لوجه الله، فدعه يفلت ولسوف يعوّضك الله بخير منه. ثم يقول الراوي: أحلف بالله بأنني حين سمعت هذه الكلمات الطيبات زالت من ذهني تلك الفكرة نهائيا، وخطر ببالي بيت شعر زليخا. يقال بأنها اشترت يوسفَ عِوض بعض كنوز مصر فعبرت عن مشاعرها في بيت تعريبه: لقد أعطيتُ بعض الأحجار واشتريتُ نفسا منفوسة، الحمد لله أن صفقتي كانت رخيصة جدا.

يقول الراوي: إنني أنا أيضا أشكر الله على أنه أسكنني في هذه القرية المقدسة إذ قد انتقلنا إليها أخيرا ورزقني الله بيتا أفضل منه بكثير ورزقني زوجة وأولادا أيضا.

وعلى الهامش تذكرت أمرا آخر أود أن أسجله هنا لعل أحدا من السعداء يستفيد منه، وهو أن الخواجه كمال الدين قال ذات يوم -بعد وفاة المسيح الموعود – قائما في المسجد المبارك: إن الذين يدرسون في المدرسة الأحمدية سيصبحون مشايخ وماذا عسى أن يُنجزوه؟ إن مهمة نشر الدعوة جديرة بنا نحن، يجب أن تُزال المدرسة الأحمدية أي يجب أن تُغلق نهائيا. كان سيدنا محمود الذي كان من أولي العزم ( أي الخليفة الثاني للمسيح الموعود) جالسا بالقرب منه فنهض ووقف وقفة أولي العزم وقال: إن هذه المدرسة أسسها سيدنا المسيح الموعود فسوف تستمر ويتخرج منها العلماء بإذن الله وينشرون دعوة الحق.  فبهت الخواجة عند سماع ذلك. أما أنا فكنت أوقن بأن الخواجه قد أيقن  أنه وأصحابه  بأنهم لن ينجحوا في مرامهم، والآن يعرف المطّلِعون أن الفضلاء الذين درسوا في تلك المدرسة ينشغلون في نشر الأحمدية في العالم.

يقول الأستاذ حبيب أحمد عن الشيخ عبد الوهاب حديثِ الإسلام، بأنه كان غيورا جدا في أمور الدين، فكان حريصا على العمل بـ اَلسِّنَّ بِالسِّنِّ فكان الله قد نفخ فيه روح المواجهة بشكل خاص، فكان يتصدى للمعارضين بشجاعة ويواجههم بمنتهى البسالة، أما إذا بدأ أحدهم إطلاق الشتائم فكان يلزم الصمت، ويعمل بتوصية المسيح الموعود “ادعوا لمن يسبّكم وأريحوا من يسبب لكم الآلام.”

إن هذه المدرسة أسسها سيدنا المسيح الموعود فسوف تستمر ويتخرج منها العلماء بإذن الله وينشرون دعوة الحق، فبهت الخواجة عند سماع ذلك. أما أنا فكنت أوقن بأن الخواجه قد حصل له اليقين بأنهم لن ينجحوا في مرامهم والآن يعرف المطّلِعون أن الفضلاء الذين درسوا في تلك المدرسة ينشغلون في نشر الأحمدية في العالم.

يقول ميان محمد ظهور الدين يقول: بعد أخْذ بيعتنا دخل المسيح الموعود إلى البيت، وقد أقمنا في قاديان يوما واحدا فقط في الزيارة الأولى، فقد عدنا عاجلا مضطرين بسبب الأخ عبد الغفور الذي ذهب إلى هناك خائفا من أن يعرف الناس بذهابه إلى قاديان. أما أنا فلم أكن أخاف أحدا بفضل الله حتى لو عدت بعد مكوث أطول، الآن عندما أتذكر زيارتي الأولى لسيدنا المسيح الموعود أحزن وأتأسف جدا على تعجيلنا العودة. وحين تأكد الناس من انضمامي للأحمديةَ بدأوا يضايقونني أنا أيضا فقطعوا عني الماء، ومنعوا أصحاب المحلات من أن يبيعوني شيئا، حتى لم نجد ليومين أو ثلاثة ما نسد به الجوع وهذا تكرر، لكنني أشكر الله آلاف الشكر على أنه وفقني للصبر، فالحمد لله على ذلك.

ثم يقول ميانْ غلام محمد أرائينْ: ذات يوم قال لي والدي وكنت جالسا معه في مجلس –حدث هذا قبل ما يقارب ستين عاما حين أملى عليه بيانه – يبدو من العلامات أن الإمام المهدي قد وُلد أو يكاد يظهر، فحيثما يظهر أسرِع إلى قبوله، لأن الرفض يؤدي إلى الهلاك والدمار في العالم، ولا تكون عاقبته في الآخرة أيضا جيدة، فكرر نصيحته للحاضرين وأضاف قائلا: لو فزتُ بذلك الوقت لأكونن أول المؤمنين، لكنه بحكمة من الله توفي قبل إعلان المسيح الموعود دعواه. فحين أعلن سيدنا المسيح الموعود الدعوى وبايعه ابنُ أختي “رحْمَتْ علي” عارضتُه بشدة، وقلت إنه سيكون من عائلة السادات وذكرتُ له العلامات المشهورة في الناس وقلت أما أنت فقد بايعتَ الميرزا. فقال لي إذا لم تبايع الآن فسوف تندم فيما بعد، عليك أن تزوره مرة على الأقل، فاستجابةً لإصراره توجهت إلى قاديان اعتقادا بأنه قد يكون صادقا فأُحرَمَ من البيعة، بل سوف أسألُه شخصيا، فإذا اقتنعتُ فسوف أبايع. فبعد ذلك زرتُه فعرَّفني به السيد محمد حسين من “أوجلة”، فحين دخلتُ عليه في المسجد المبارك كان يتحدث مع المفتي محمد صادق، وكان المسجد يومذاك صغيرا يتسع صفه الواحد لستة أشخاص فقط، فجلستُ مع سيدنا المسيح الموعود وبدأت أمسّد قدميه وقلت له: لقد سمعت أن المسيح سينـزل عند المنارة في مدينة قرعه باليمن (وكتب بعده هنا في الرواية مكة، ولعله من خطأ الكاتب) وسيقابله الإمامُ المهدي المولود في عائلة السادات، بينما أنت وُلدت في بيت المغول فكيف يمكن أن تكون الإمام المهدي؟ فإذا شرحتَ لي فسوف أبايع، فوضع يده على ظهري وأمر المفتي المحترم والمولوي محمد حسن أن يشرحا لي، فأخذني المولوي إلى المطبعة، وهناك تكلم معي عن أمور كثيرة واقتنعتُ. وعند حصول القناعة قلت للمولوي أريد أن أبايع فورا، وكان الوقت ظهرا فقال حضرته استفسرْ أكثر، واحصل على القناعة أكثر. باختصار أخذ بيعتي وبيعة أحدِ السيخ من دهرمْكوت. وفي المناسبة نفسها سألتُ سيدَنا المسيح الموعود أن ابنتي شابة وهي مخطوبة لابن أختي وهو غير أحمدي (هنا في هذه الرواية ردٌّ على تساؤل يثار عادة في هذه الأيام أيضا)، فما رأيك في ذلك؟ فقال إن قطعة الطِيب لا ينبغي أن تعطى للآخرين، فهم يعارضونني وإن النسل الذي يأتي مستقبلا من هذا الزواج أيضا سيكون معارضي. فقلت لقد مضت على الخِطبة 18 عاما تقريبا، فكيف أفعل؟ فقال حضرته لقد قلتُ ما كنتُ قائلَه. وأنت حر. وفي الوقت نفسه قال لي إن صلاتك أيضا لا تجوز وراء غير الأحمديين. فحين عدتُ إلى البيت أخذتُ أهلي في اليوم التالي إلى أهل زوجتي في قرية “راه تشك”. وحين لم أصلِّ الصلاة في المسجد قال الناس قد أصبح مرزائيا، وأخبرتُهم أني أصبحت أحمديا، فقال لي حمي قد جاء بعض العلماء إلى هنا من لاهور وقال لي أحدهم إن قران ابنتك قد فُسخ، فقلتُ لذلك الشيخ كيف طُلقتْ ابنتي، فلتُطَلَّق ابنتُك. هذا الشاب صالح، فللمسلمين فِرق كثيرة وكلُّهم يؤمنون بالنبي . ثم أخذني إلى البيت لئلا يعتدي عليَّ أحد، لكن إخوة زوجتي عارضوني بشدة، فقلت لزوجتي إني عائد إلى بيتي لأني أخشى أن يحدث شجار، فلا تبحثوا عني. لكن حمي حين علم أرسل شخصا إلي واستعادني، فسألتْني زوجتي قائلة: لماذا كنت ذهبتَ؟ فقلتُ: كنتُ خرجت من هنا خشية الفتنة ولا أعرف ماذا قررتِ أنتِ. عندئذ خاطبتْ زوجتي إخوتَها قائلة إذا كانت الأحمدية هي وجه النـزاع فاسمعوا: إني أحمدية أولا وهو أي زوجي بعدي، ولا أبالي بالمساعدة التي تقدِّمونها لي، إن الله هو رازقنا، سوف أذهب معه وإن الله سيرزقني. فقامت وانطلقتْ معي، فأمسك بها أبوها وقال: سأقدم المساعدة ما دمتُ حيا، أي سأسكنك في بيتي أما إن اضطررتِ لطلب المساعدة من الإخوة فهذا شأنك وشأنهم. ثم حملَ حمارَين بالغلال وأعطانا الملابس أيضا وأوصلنا إلى هنا. كان لي عندئذ ابنان اثنان “إبراهيم” و”جان محمد” وبنت واحدة “بركَتْ بي بي” وهي التي قال عنها بأنه لا يناسب أن أنكحها في غير الأحمديين، فما أن وصلتُ إلا وجهّزتُ جميع الأمور في ليلة واحدة وزوَّجتُها في قريتي مع “ميان سلطان علي السكرتير”. كان هناك خطر أن تتعرض زوجتي لأذى من قبل أختي بسبب هذه الخطوة إلا أننا راعينا أمر المسيح الموعود ورضينا بهذا الزواج وودّعناها. (أي زوجناها في بيت أحمدي). فلما أصبحنا، أخذَ الناسُ يقولون بأنه لا إيمان لـ “غلام محمد”، كما آذاني بعض أقاربي غير الأحمديين إيذاء شديدًا وأوسعوني ضربًا ولكمًا.

يروي الحافظ نبي بخش ويقول: كان ابني الأكبر عبد الرحمن طالبًا في الصف السابع في ثانوية تعليم الإسلام بقاديان، وتوفي في عام 1907. كان المولوي نور الدين يعالجه، فلما سمعت عن مرضه الشديد خرجتُ من البيت وذهبتُ إلى المسيح الموعود فأعطاني بعض الحبوب وقال لي أن أذوّبها في الحليب وأعطيه ليشرب، إلا أنه توفي قبل شرب هذا الدواء. استأذنتُ (من الجهات الرسمية) لنقل جثته إلى “فيض الله جك” فأُذِن لي بذلك. فلما رجعتُ إلى قاديان في الجمعة التالية رآني من بعيد وناداني قائلا: تعال يا نبي بخش، وكان بعض الكبار يجلسون عنده إلا أنه أجلس هذا العبد المتواضع عن يمينه وقال: يبدو أنك صبرتَ كثيرًا. ثم مرّر يده على ظهري وقال: لقد دعوتُ لك كثيرًا وسأظل أدعو لك أيضًا، وقال أيضا: أدعو الله تعالى أن يرزقَك نعم البدل. (فقد رزقه الله تعالى أولاد آخرين أيضا).

لقد شكوتني أخيرًا رغم أنك قلت لي بأنك لن تشكوني. لقد أدركتُ خطئي وأقول لك الآن بأنك على الحق وكنت على الباطل. (وهكذ على الأقل أبدى هذا القدر من النُبل عند موته.)

لازال عندي بعض الوقت فأتناول فيه بعض الأحداث عن غيرة أصحاب المسيح الموعود الدينية.

يروي الدكتور محمد طفيل خان ويقول: كان شأن المسيح الموعود عظيمًا بحيث كل من أراد إهانته لم يسلم من عقاب الله تعالى.

كان أحد المشايخ يدعى “المولوي غوث محمد” من سكان “بهيره”، وكان أستاذَ اللغة العربية في المدرسة المسيحية. في إحدى المرات تكلم بكلمات مشينة عن المسيح الموعود أمام الأساتذة المسلمين في هذه المدرسة، فآلمني جدًّا تصرفُه هذا فقصدتُ مدير المدرسة “مستر بي أم” لرفع الشكوى ضده. فلما وصلتُ إلى مكتبه خطر ببالي بسرعة البرق أن المدير مسيحي، فلا يمكن أن يميل إلى مواساتي من الناحية الدينية لأنه يكنّ للآخرين مواساةً أكبر وذلك لأن دينَه لا يتعرض لأي ضررٍ من قبلهم، لذلك فقد ينسب إليّ هذا الشرَّ عند رفع هذه الشكوى، فلما فكرتُ في ذلك أقلعتُ عن قصدي وللوقت مال قلبي إلى الدعاء إلى الله تعالى، فدعوته قائلا: اللهم إن هذا الرجل قد تكلم بكلمات بذيئة ومهينة لـمُرسَلِك الحبيب، ولكن يُحتَمل أن تكون قد خرجتْ من لسانه بجهله أو عدم معرفته فلعله يتوب عنها إذا انكشفت له الحقيقة، لذلك فقد دعوت الله تعالى متضرعًا إليه أن يريه آية تكون عبرة له دون أن يكون فيه عقاب له. (أي أنه اشترط أن تظهر له آيةُ عبرةٍ وتخلو من العقاب له) فأراه الله تعالى هذه الآية أثناء سفره في القطار بسقوط طفله الرضيع – الذي لم يكن يتجاوز الشهرين فحسب- أكثر من مرة من حضن أمه على أرضية العربة إلا أنه عُصِم من الأذى. فلما ذكر هذا الحادث لأصدقائه عند عودته من السفر أخبرتُه بأنني دعوت لك بعدما حدث في ذلك اليوم أن يريك الله تعالى آيةً تُعصَم فيها من الإصابة بأي ضرر، فلقد أراك الله تعالى هذه الآية استجابة لدعائي فينبغي أن تقدرها الآن حق قدرها. ولكنه ردّ بكل استكبار بأن ما حدث ليس إلا من قبيل المصادفة، ولست أؤمن بأية آية. ولما لم يستفد من هذه الآية لذلك فقد بطش الله به فتعرض للحمى ومات بها إلا أنه قد انكشف له قبل موته أنه تعرض لهذا العقاب بجريرة بذاءة لسانه. لذلك فقد دعاني مرة بعد أخرى في حالته المزرية هذه فلما ذهبت إليه قال: لقد شكوتني أخيرًا رغم أنك قلت لي بأنك لن تشكوني. لقد أدركتُ خطئي وأقول لك الآن بأنك على الحق وكنت على الباطل. (وهكذ على الأقل أبدى هذا القدر من النُبل عند موته.)

يروي الحافظ مبارك أحمد أستاذ الجامعة الأحمدية بقاديان رواية بكلمات الحافظ روشن علي فيقول: كان المولوي خان ملك ذائع الصيت ليس في منطقة البنجاب بل في الهند كلها، إذ كان كثير من العلماء من تلامذته. وهو مع كل هذه العزة والصيت كان يتميز ببساطة الطبع وبالتصوف والتواضع، ومع كل ذلك لم يكن يتحمل أن يسمع كلمة قاسية ضد المسيح الموعود . في إحدى المرات دعاه “بير مظفر شاه” من “جلالبور شريف” من أجل تعليم أولاده، وذكر المسيح الموعود بكلمة قاسية. فرفض المولوي خان ملك طلبَه وقال: لستُ مستعدًّا لتعليم أولادك.

يروي المنشي إمام الدين ويقول: لما أقام المرزا نظام الدين ومرزا إمام الدين جدارًا في الطريق جانبَ المسجد المبارك وأغلقا الطريق تأذى منه الأحمديون أذًى كثيرا. أمر المسيح الموعود برفع القضية في المحكمة، وقال لي في تلك الأيام وللمنشي “عبد العزيز أوجلوي” أيضا أن نأتي – من أجل الإدلاء بالشهادة – ببعض وجهاء منطقتنا الذين كانوا يمرون من هذا الطريق قبل إقامة الجدار. فجئتُ إلى قاديان بشخص اسمه “فقير” وكان مختار قرية “لوح جك” وذلك لأن لجنة المحكمة كانت موجودة في قاديان في تلك الأيام. فشهد هذا الشخص قائلا: كنا نأتي إلى هنا من أجل بعض الأمور المتعلقة بالأراضي الزراعية وكنا نمر من هذا الطريق، بل كنا أحيانًا نمر من هنا راكبين الخيول.

وقبْل شهادته هذه سأله المرزا نظام الدين: هل أتيت للإدلاء بالشهادة؟ فقال فقير المختار: نعم، فتكلم معه المرزا نظام الدين بكلام قاس وغليظ جدًّا، فردّ عليه “فقير” قائلا: إذا شتمتني الآن فستلقى منّا شدةً وقسوةً أكثر منها عندما ستأتي للصيد إلى منطقتنا، فسكت المرزا نظام الدين.

كان المرزا نظام الدين يعرفني قبل هذا الحادث إلا أنني بسبب استيائي منه لم أتكلم معه لمدة سنة كاملة. وبعد مضي سنة صادف أن ذهبتُ إلى غورداسبور، وكنت جالسًا عند كاتب الطلبات خارج المحكمة إذ جاء المرزا نظام الدين أيضا وقال: لماذا غضبتَ علي ولم تعُدْ تتكلم معي يا أيها المنشي؟ قلت له: إذا تكلمتُ معك وأسأتَ الكلام إلى سيدي المسيح الموعود أو تكلمتَ بكلام قاسٍ فسأتأذى بذلك. قال: بل أعُدّه رجلان صالحان، وانتفعتُ بسببه انتفاعًا كبيرًا، إذ بِعتُ خشبَ أشجارِ بستاني بآلاف الروبيات، والآن ربحتُ آلاف الروبيات من محاصيل الخضار. وقال أيضا: والآن أكسب هنا أموالاً كما يكسبها الناس في المملكة المتحدة (أي أربح أموالا طائلة). فلما سمعت ذلك قلت له: إذا كانت هذه هي أفكارك الآن أتصالح معك.

يروي خليفة نور الدين الجموني :

كنت صديقًا للمولوي محمد حسين البطالوي المحترم قبل انضمامي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية بمدة طويلة. ذات مرة بينما كان المولوي البطالوي يصلي بالجماعة في مسجد “تشينيان والي” بلاهور، دخلت المسجد وصليت وحدي. ولما فرغ البطالوي من الصلاة وجدني أصلي، فسُرّ كثيرًا ظنًا منه أنني صليت وراءه. فقلت له: أيها الشيخ المحترم، هل تظن أن كل من يصلي مستقبلَ القبلة فهو يصلي خلفك. إني لا أحب أن يصلي أحد من غير الأحمديين ورائي، دعْ عنك أن أصلي وراءه. فتعجبَ البطالوي من قولي جدًا وقال: هذه ليست عقيدة باقي الأحمديين، فهم لا يمنعون أحدًا من الصلاة وراءهم. (انظروا إلى جوابه، فكل واحد له مزاجه وأسلوب تفكيره، غير أنها واقعة ممتعة حيث قال) قلتُ: أيها الشيخ، يقول الله تعالى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى (التوبة 113). أليست عقائدك وثنية؟ أما أنا فأرى أنها وثنية. ثم ماذا عسى أن أدعو به لشخص غير أحمدي يصلي ورائي؟ هل أدعو الله تعالى رب اغفرْ لي ولهذا الذي يكفر بمسيحك ويشتمه؟ ولما سردت هذه القصة لسيدنا المسيح الموعود ضحك.

يروي محمد فاروقي :

بعد انقضاء سنوات عديدة لما رجعتُ إلى قريتي عام 1908 كانت قد اشتدت المعارضة فيها وما حولها ضدي وضد حكيم نواب علي فاروقي، وقد تعرّضَ لأنواع الأذى الذي بيانه يتطلب وقتًا طويلا. غير أنه يسرّني أنه ظلّ ثابتًا عند كل أذى، ورفض كل مطلب لهم محافظًا على كرامته وغيرته. فعوّضه الله تعالى بأن تحسّنَ وضعُه المادي باستمرار، وكان يشكر الله تعالى دائمًا على ذلك.

ثم ماذا عسى أن أدعو به لشخص غير أحمدي يصلي ورائي؟ هل أدعو الله تعالى رب اغفرْ لي ولهذا الذي يكفر بمسيحك ويشتمه؟

ويروي شيخ زين العابدين :

عندما قاربتُ البلوغ جئت وزرتُ المسيح الموعود في قاديان، فقال هل دُبّرَ لزواجك أم لا؟ قلت: كنتُ خطبت فتاةً ولكنهم فسخوا الخِطبة لميلي إلى الأحمدية. فقال متبسمًا: إنك لم تبايع بعد، فكيف فُسخت الخِطبة بسبب الأحمدية؟ قلت: سيدي، لقد قالوا لي: سَمِّ المرزا كافرًا، فأجبتُهم: سأعُدّ المرزا وليًا من أولياء الله تعالى حتى لو زوّجتموني عشر فتيات بدلاً من واحدة. قال : ما يفعله الله سيكون خيرًا بإذنه.

رفع الله درجاتِ هؤلاء الصحابة كلهم، ووفّق أجيالهم للتحلي بالصبر والثبات والاستقامة، وجعل صلتَهم بالجماعة والخلافة قويةً متينةً على الدوام.

Share via
تابعونا على الفايس بوك