التعريف ببعض قادة جيوش المسلمين في مواجهة المتمردين

التعريف ببعض قادة جيوش المسلمين في مواجهة المتمردين

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • فهل نجد أثرا لقادة مسلمين في زمن الردة واجهوا فتنة ردة أقوامهم؟ وكيف أبلوا؟
  • وأي دور كان للرؤيا الصادقة في إسلام بعض هؤلاء القادة؟
  • وكيف كانوا من مجابي الدعاء عند الله؟

 ___

القائد المسلم خالد بن سعيد بن العاص

نحن بصدد ذكر البعثات التي تم إرسالها ضد المتمردين والبغاة في عهد أبي بكر الصديق .

وورد في تفاصيل البعثة السابعة ضد هؤلاء المتمردين أنها قد أوكلت إلى خالد بن سعيد بن العاص الذي أُرسل للرد على البغاة المرتدين.

عقد أبو بكر لواء لخالد بن سعيد بن العاص وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام.

وبخصوص التعريف بخالد بن سعيد بن العاص فاسمه خالد ويكنى أبا سعيد، أبوه سعيد بن العاص بن أمية، وأمه لُبينه بنت حباب وكانت معروفة بأم خالد، كان خالد من أوائل المسلمين، يقال: إنه أسلم بعد أبي بكر الصديق ، فكان ثالثًا أو رابعًا، وقيل: كان خامسًا. ولم يتقدمه في الإسلام إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص .

وكان سبب إسلام خالد أنه رأى في المنام أنه وقف على شفير النار، وكأن أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله آخذا بحقويه حتى لا يقع فيها، فاستيقظ خالد فزعًا وقال: أحلف إنها لرؤيا حق، ولقي أبا بكر فذكر ذلك له، فقال له أبو بكر: أريد بك خير، وأراد الله تعالى أن ينقذك من النار، هذا (أي محمد) رسول الله فاتّبعه، فإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع في النار، وأبوك واقع فيها.

فلقي خالد رسول الله وهو بأجياد1. فقال خالد: يا محمد، إلى من تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده.» قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فسُرّ رسول الله بإسلامه، وتغيب خالد بعد إسلامه، فلما علم أبوه بإسلامه أرسل في طلبه من بقي من ولَده، ولم يكونوا أسلموا، فوجدوه، فأتوا به أباه، فسبّه وبكّته وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: اتبعتَ محمداً () وأنت ترى معارضة قومه له، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم! قال: قد والله تبعته على ما جاء به. فغضب أبوه ونال منه، وقال: اذهب عنّي يا لكع حيث شئت، والله لأمنعنك القوت، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به. فأخرجه فأخرجه، وقال لبنيه: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بخالد.، فانصرف خَالِد إِلَى رَسُول اللَّهِ فكان يلزمه، ويعيش معه2  ، وكان يتغيب عمومًا عن أبيه في نواحي مكة حتى لا يبطش به ويقسو عليه مرة أخرى.

وكان أبوه شديدًا على المسلمین، وكان أعز مَن بمكة، واتفق أن مرض، فأقسم على أنه سيفتك بالمسلمين إذا برئ فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا  لا يُعبد إله ابن أبي كبشة بمكة. فلما علم خالد دعا على والده: اللهم لا ترفعه. فتوفي في مرضه ذلك . 3

فلما خرج المسلمون إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، خرج معهم خالد أيضا، ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية، وهاجر معه إلى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد، وقدم خالد على النبي بخيبر مع جعفر بن أبي طالب ولم يشهد غزوة خيبر إلا أن النبي أسهم له من الغنائم. وشهد مع النبي عمرة القضاء، وفتح مكة، وحُنينًا، والطائف، وتبوك وغيرها.

لم يستطع أن يشهد مع النبي بدرا، وكان دوما يحزن على ذلك، وقال للنبي :

«يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ نَشْهَدْ مَعَكَ بَدْرًا، فَقَالَ: أَوَمَا تَرْضَى يَا خَالِدُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ ، وَلَكُمْ هِجْرَتَانِ ثِنْتَانِ»4

لقد أورد الخليفة الثاني للمسيح الموعود في كتابه مقدمة تفسير القرآن أسماء كتبة الوحي وذكر فيها اسم خالد بن سعيد بن العاص أيضا. لقد استعمل النبي خالد بن سعيد على صدقات اليمن. وبقي على هذا المنصب حتى وفاة النبي الكريم ، فلما جاء إلى المدينة المنورة بعد وفاة الرسول الكريم سأله أبو بكر: لماذا عدت؟ قال: لن أعمل لأحد بعد رسول الله . يقال إنه تأخر عن بيعة أبي بكر، ولكنه بايعه عندما بایع بنو هاشم ۔ ثم أرسله أبو بكر أميرًا على الجنود في مواطن كثيرة.

استُشهد بمرج الصفر في خلافة أبي بكر ، وقيل: كانت وقعة مرج الصفر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر. وقيل: بل كان قتله في وقعة أجنادين بالشام قبل وفاة أبي بكر بأربع وعشرين ليلة.

تفصيل مهمة خالد بن سعيد ضد المرتدين

ورد في تاريخ الطبري تفصيل مهمة خالد ضد المرتدين كما يلي:

فلما عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد، فنهاه عنه عمر من تعيينه له أميرًا وقال له ألا يستعمله على شيء، لكن أبا بكر لم يسمع له، وعين حضرة خالد على كتيبة مساعدة في تيماء وهي مدينة مشهورة بين الشام والمدينة.

فحين أمره بالسير إلى تيماء قال له لا تبرح مكانك وادعُ من حولك للانضمام إليك ولا تقبل إلا ممن لم يرتدوا ولا تقاتلْ إلا من قاتَلك حتى تأتيك أوامري.

فأقام سيدنا خالد في تيماء فاجتمع إليه جموع كثيرة من شتى الجهات ولما بلغ الرومَ عِظَمُ ذلك العسكر ضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشام إليهم فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر عن تجهُّز الروم وعن وصول قبائل العرب، فكتب إليه أبو بكر أن أقدمْ ولا تحجم واستنصِر اللهَ. فسار إليهم خالد فلما دنا منهم أصابهم الرعب وتفرقوا وهربوا، فنزل سيدنا خالد مكانهم، ودخل عامة من كان تجمَّع له في الإسلام وكتب خالد إلى أبي بكر بذلك فكتب إليه أبو بكر أقدِمْ ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. (5)

هذا ما نجده فقط في كتب التاريخ عن أعمال سيدنا خالد بن سعيد ضد المرتدين في عهد سيدنا أبي بكر ، وعلاوة على ذلك سيأتي ذكرُه في فتوح الشام في عهد سيدنا أبي بكر مستقبلا.

القائد المسلم طريفة بن حاجز

البعثة الثامنة كانت لسيدنا طريفة بن حاجز ضد المرتدين المتمردين، فقد عقد سيدنا أبو بكر لواء لطريفة بن حاجز وأمره بالتصدي لبني سليم ومن معهم من هوازن. وفي رواية أنه بعث معن بن عدي لبني سليم وهوازن.

لقد كتب العلامة ابن عبد البر اسمَ والد سيدنا طريفة وسيدنا معن في كتابه الاستيعاب «حاجز»6، أما العلامة ابن الأثير فكتب اسمه في أسد الغابة «حاجر» أي بالراء7.

لقد عين سيدنا أبو بكر بعد انتخابه خليفة سيدَنا طريفة بن حاجز عاملا على من ثبتوا من سليم على الإسلام. فكان عاملا مخلصا ومتحمسا، فألقى خطبا مؤثرة حتى انضم إليه كثير من العرب من بني سليم. وفي رواية عن عبد الله بن أبي بكر قال: كانت سليم قد انتقض بعضهم فرجعوا كفارا بعد وفاة النبي ، وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم يقال له معن بن حاجز وعند البعض أخوه طريفة بن حاجز، فلما سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه كتب سيدنا أبو بكر إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سليم مع خالد، فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة بن حاجز. وهناك رواية تذكر طرفة بن حاجز، فعن عبد الله بن أبي بكر قال: «قدم على أبي بكر رجل من بني سليم، يقال لَهُ الفجاءة8، وهو إياس بْن عبد الله بْن عبد ياليل بْن عميرة بْن خفاف، فَقَالَ لأبي بكر: إني مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملني وأعني، فحمله أبو بكر على ظهر، وأعطاه سلاحا، فخرج يستعرض الناس: المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع منهم، ومعه رجل من بني الشريد، يقال لَهُ: نجبة بْن أبي الميثاء، فلما بلغ أبا بكر خبره، كتب إلى طريفة بْن حاجز: إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم، ويسألني أن أقويه على من ارتد عَنِ الإِسْلامِ، فحملته وسلحته، ثُمَّ انتهى إليَّ من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس: المسلم والمرتد يأخذ أموالهم، ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك مِنَ الْمُسْلِمين حَتَّى تقتله، أو تأخذه فتأتيني بِهِ فسار طريفة بْن حاجز، فلما التقى الناس كانت بينهم الرِّمّيّا بالنبل، فقتل نجبة بْن أبي الميثاء بسهم رمي بِهِ، فلما رأى الفجاءة مِنَ الْمُسْلِمين الجد قَالَ لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره فَقَالَ لَهُ طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح، وانطلق معي إلى أبي بكر فخرج معه، فلما قد ما عَلَيْهِ أمر أبو بكر طريفة بْن حاجز، فَقَالَ: اخرج بِهِ إلى هذا البقيع فحرّقه فيه بالنار، فخرج بِهِ طريفة إلى المصلى فأوقد لَهُ نارا، فقذفه فيها.»(9)

القائد المسلم العلاء بن الحضرمي

البعثة التاسعة ضد المرتدين البغاة قد أوكلت إلى سيدنا العلاء بن الحضرمي، فقد عقد سيدنا أبو بكر لواء لسيدنا العلاء وأمره بالسير إلى البحرين، وهي تقع بين اليمامة والخليج العربي وتضم قطر وإمارة البحرين (الجزيرة). وهي ليست البحرين الصغيرة في هذا العصر بل كانت منطقة شاسعة، وكانت عاصمتها دارِين. وكان يحكمها المنذر بن ساوى في عهد النبي فأسلم، تسمى هذه الأيام البحرين بالإحساء.

وأما العلاء بن الحضرمي فاسمه العلاء، واسم أبيه عبد الله، وكان من حضرموت باليمن. وقد تشرف بالإسلام في بداية الدعوة. وكان أخوه عمرو بن الحضرمي أولَ قتيل من المشركين قتلَه مسلمٌ، وكان ماله أول مال خُمِّس في الإسلام. ويقال أنّ قتله كان من الأسباب الأساسية والفورية لوقعة بدر. وكان للعلاء بن الحضرمي أخ آخر هو عامر بن الحضرمي، وقد قُتل أيضا يوم بدر كافرًا.

لما أرسل رسول الله الرسائل إلى الملوك أنيطت إلى العلاء بن الحضرمي مهمة تبليغ رسالته إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، الذي ولاه النبي عليها. ولما أتى العلاء بن الحضرمي المنذرَ بن ساوى يدعوه إلى الإسلام أسلم، وكان ردُّه: «قد نظرت في هذا الذي في يديّ فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت؟ ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده. وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر والله أعلم.»(10)

وتوفي النبي والعلاء والٍ على البحرين، فأقرّه أبو بكر في خلافته كلها، ثم أقرّه عمر إلى أن توفي في خلافته رضي الله عنهما. ورد في طبقات ابن سعد أن أهل البحرين شكوا العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ، فعزله واستعمل أبانَ بن سعيد على البحرين. ولما وقعت الردة والتمرد في البحرين بعد وفاة النبي ، رجع إبان إلى المدينة وترك منصب العامل. فأراد أبو بكر أن يبعثه إلى البحرين ثانية فاعتذر وقال ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله . فدعا سيدنا أبو بكر العلاءَ بن الحضرمي، وبعثه إلى البحرين عاملا عليها، وظل يعمل بهذا المنصب حتى الممات.  (11)

كان العلاء معروفا باستجابة الدعاء، وقد جاءت روايات شتى بهذا الصدد. وكان أبو هريرة يقول إني معجب جدا بمحاسن العلاء واستجابة دعائه. ومن الأمور الكثيرة التي ذكر أبو هريرة عن العلاء رضي الله عنهما أن العلاء خرج في سفر من المدينة إلى البحرين ذات مرة، ونفد الماء خلال هذا السفر، فدعا االله تعالى، فرأى عين ماء قد انفجرت من تحت الرمال، فشربنا الماء حتى ارتوينا.

وكان أبو هريرة يقول: خرجت مع العلاء من البحرين إلى البصرة مع الجنود، فلما كنا بلياس مات، (ولياس قرية في ديار بني تميم) ونحن على غير ماء، فأظهر الله لنا سحابة فأمطرت علينا، فغسلناه وحفرنا له بسيوفنا، ولم نلحد له، ودفنّاه ومضينا. ثم رجعنا بعد فترة لنلحد له، فلم نجد موضع قبره. (12)

وهناك اختلاف في الروايات عن وفاة العلاء بن الحضرمي ، فمنهم من يرى أنه توفي في العام الرابع عشر من الهجرة، ومنهم من يرى أن وفاته كانت في الحادي والعشرين الهجري.

لما أرسل رسول الله الرسائل إلى الملوك أنيطت إلى العلاء بن الحضرمي مهمة تبليغ رسالته إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، الذي ولاه النبي عليها. ولما أتى العلاء بن الحضرمي المنذرَ بن ساوى يدعوه إلى الإسلام أسلم، وكان ردُّه: «قد نظرت في هذا الذي في يديّ فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت؟ ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده. وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر والله أعلم

أحوال البحرين زمن الردة

كانت البحرين تحت حكم ملوك الحيرة، وكانوا تابعين لكسرى الفرس. وكانت الحيرة مقر ملوك العراق قبل الإسلام. وكانت المدن الساحلية والتجارية للبحرين مختلطة السكان من الفرس والنصارى واليهود والزُّطّ. وكان الفرس مسيطرين على تجارة العرب. كانت هناك جماعة من التجار الذين جاءوا من الهند وفارس، وسكنوا المناطق الساحلية ما بين مصب نهر الفرات حتى عدن، وتزوجوا مع أهالي هذه المناطق، وقد أُطلق على نسلهم «الأبناء».

وكانت تقيم خلف المدن الساحلية ثلاث قبائل كبيرة وفروعها المتعددة، إحداها بكر بن وائل، والثانية عبد القيس، والثالثة ربيعة. وكانت عائلات عديدة منها مسيحية. كانت مهنتهم تربية الخيول والجمال والماعز وزراعة بساتين النخيل. كانت أمور هذه القبائل تدار من قِبل زعماء محليين كانوا يتمتعون بثقة ملوك الحيرة. وكان أحدهم المنذر بن ساوى. كان يعيش في منطقة هَجْر بالبحرين، وكان زعيم قبيلة عبد القيس ما حول هجر. كان وفدان قد حضرا من قبيلة عبد القيس إلى رسول الله ، أحدهما في العام الخامس الهجري، وقد ضم ثلاثة عشر أو أربعة عشر فردًا، والوفد الثاني حضر إلى النبي في عام الوفود أي في العام التاسع الهجري، وكان يضم 40 شخصا بمن فيهم الجارود، الذي كان نصرانيا، فأسلم حين وفد إلى النبي ، وفي رواية أنه أسلم قبل مجيء هذا الوفد إليه .

قَبِلَ الفرس والمسيحيون واليهود المقيمون في هَجْر على مضضٍ على دفع الجزية. وظلت بقية قرى البحرين ومدنها غير مسلمة، وكانوا يثورون من حين لآخر كلما سنحت لهم الفرصة. عندما أسلم المنذر بن ساوى أبقاه النبي حاكمًا على البحرين، وبعد إسلامه بدأ دعوة قومه إلى دين الحق، وأوفد الجارود بن المعلى إلى النبي لتحصيل علوم الدين والتربية الدينية. وصل الجارود إلى المدينة ونال علم أحكام الإسلام وتعاليمه، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ويثفقهم بتعاليمه. وبعد وفاة رسول الله بأيام مات المنذر أيضا، فارتدت العرب وغیرهم كلهم جميعا. وقالت بنو عبد القيس: لو كان محمد () نبيا لما مات، وارتدوا كلهم. فلما علم الجارود بن المعلى بذلك، وكان من أشراف قومه وقد تلقى التربية الدينية في المدينة، وكان ممن هاجر إلى النبي ، وكان خطيبا مفوهًا،

جمع الذين ارْتَدُّوا بسبب وفاة النبي ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ فَأَخْبِرُونِي بِهِ إِنْ عَلِمْتُمُوهُ وَلا تُجِيبُونِي إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا، قَالُوا: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ للهِ أَنْبِيَاءٌ فِيمَا مَضَى؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُونَهُ أَوْ تَرَوْنَهُ؟ قَالُوا: لا بَلْ نَعْلَمُهُ، قَالَ: فَمَا فَعَلُوا؟ قَالُوا: ماتوا، قال: فإن محمدا مَاتَ كَمَا مَاتُوا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدا عبده ورسوله، (حين سمعوا هذا الخطاب) قَالُوا: وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا، وَهكذا ثَبَتُوا عَلَى إِسْلامِهِمْ. (31)

استعدّ العرب وغيرهم جميعا للقضاء على حكم المدينة، وشجعتهم على ذلك الحكومة الفارسية، وسلّمت مهمة التمرد قائدا عربيا عظيما. حين رأى مندوب رسول الله في هَجَر أبان بن سعيد آثار التمرد الرهيب عاد إلى المدينة. (41)

كان بنو عبد القيس أسلموا ولكن القبائل الأخرى في البحرين ثبتوا على ارتدادهم تحت إمرة حطم بن زبيعة. (15)

وردّوا الـمُلك إلى آل المنذر إذ جعلوا المنذر بن النعمان مَلِكهم. وورد في رواية أنهم حين عزموا جعْل المنذر بن النعمان ملِكهم خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ فِيهِمْ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْمُلُوكِ. فَقَالَ كِسْرَى: «مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ»، فَقَالُوا: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ مَضَى ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِي كَانَتْ قُرَيْشٌ وَسَائِرُ مُضَرَ يَعْتَزُّونَ بِهِ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ رسول الله ، وَقَدْ قَامَ بَعْدَهُ خَلِيفَةٌ لَهُ ضَعِيفُ البدن، ضَعِيفُ الرَّأْيِ، (هذا كان رأيهم في أبي بكر ) وَقَدِ انْصَرَفَ عَامِلُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَبِلادُ الْبَحْرَيْنِ الْيَوْمَ ضَائِعَةٌ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ، إِلا شِرْذِمَةٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَلَيْسَ هُمْ عِنْدَنَا بِشَيْءٍ، وَنَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ خَيْلا وَرَجْلا، وَلَوْ بَعَثْتَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ رَجُلا يَأْخُذُهَا، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَانِعُهُ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُمْ كِسْرَى: مَنْ تُحِبُّونَ أَنْ أُوَجِّهَ مَعَكُمْ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: مَنْ أَحَبَّ الْمَلِكُ، قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، هُوَ لَنَا رِضًا، وَمَا نُرِيدُ بِهِ بَدَلا. فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَدَعَاهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ حِينَ بَقِلَ وَجْهُهُ فَخَلَعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ وَحَمَلَهُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْخَيْلِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَةَ آلافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ،… أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالُوا: وَمَعَهُمْ أَبُو ضُبَيْعَةَ الْحُطَمُ بْنُ زَيْدٍ، وَظَبْيَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُسْمِعُ بْنُ مَالِكٍ.» (61)

ثم إنهم حاولوا أن يصرفوا الجارود والذين معه عن إسلامهم، فذهبت محاولتهم سدى، عند ذلك خرج الحطم حتى نزل القطيف وهجر واستغوى من بهما من الأبناء، كما ضم إليه من لم يكن دخل في الإسلام من قبل.  (71)

وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَأَحْلافِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. وَدَنَتْ مِنْهُمْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي تِسْعَةِ أَلْفٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَثَلاثَةِ أَلْفٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الْفُرْسِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا ثَانِيَةً، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدَامَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَيَّامًا كَثِيرَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَاسْتَأْمَنَ عَامَّةَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَعِنْدَهَا عَلِمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ أَنَّهُ لا طَاقَةَ لَهُمْ مَعَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى صَارُوا إِلَى حِصْنٍ لَهُمْ بِأَرْضِ هَجَرَ يُقَالُ لَهُ جَوَاثِيُّ فدخلوه، (والجواثي قرية من قرى البحرين حيث تمت صلاة الجمعة أولا بعد المسجد النبوي، فورد في صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَي مِن الْبَحْرَيْنِ. صحيح البخاري، كتاب الجمعة) وَأَقْبَلَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْفُرْسُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْحِصْنِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، فَحَاصَرُوا عَبْدَ الْقَيْسِ حِصَارًا شَدِيدًا، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْفٍ الْعَبْدِيُّ (وقيل هو عبد الله بن حذف) هَذِهِ الأَبْيَاتِ التي أظهر فيها عجزهم وضعفهم وتحمُّلهم وصبرهم، (هي قصيدة طويلة بعض الشيء)، يَقُولُ: من (كتاب الردة للواقدي)

أَلا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولا

وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا

.

فَهَلْ لِي فِي شَبَابٍ مِنْكَ أَمْسَوْا

جِيَاعًا فِي جَوَاثِيَ مُحْصَرِينَا

.

كأن دماءهم في كلّ فجّ

شعاع الشمس يغشى الناظرينا

.

تُحَاصِرُهُمْ بَنُو ذُهْلٍ وَعِجْلٍ

وَشَيْبَانَ وقيس ظَالِمِينَا

.

يَقُودُهُمُ الْغَرُورُ بغير حقّ

ليستلب العقائل والبنينا

.

فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمُ وَطَالَتْ

أَكُفُّهُمُ بِمَا فِيهِ بُلِينَا

.

تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا

وَجَدْنَا الْفَضْلَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا

.

وقلنا قد رضينا الله ربّا

وبالإسلام دينا قد رضينا

.

وَقُلْنَا وَالأُمُورُ لَهَا قَرَارٌ

وَقَدْ سَفِهَتْ حُلُومُ بَنِي أَبِينَا

.

نُقَاتِلُكُمْ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى

تَكُونُوا أَوْ نَكُونَ الذَّاهِبِينَا

.

بِكُلِّ مُهَنَّدٍ عَضْبٍ حُسَامٍ

يَقُدُّ الْبِيضَ وَالزُّرْدَ الدَّفِينَا

(والغَرور هو المنذر بن النعمان بن المنذر) …

فهذه كانت رسالة أرسلها العبدي بصورة قصيدة.

فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ اغْتَمَّ فِيهِ غَمًّا شَدِيدًا لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ عَبْدِ الْقَيْسِ…فَدُعِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَعَقَدَ لَهُ عَقْدًا وَضَمَّ إِلَيْهِ أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ إِلَى نُصْرَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْظُرْ يَا عَلاءُ، لا تَمُرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلا اسْتَنْهَضْتَهُمْ إِلَى مُحَارَبَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ عِنْدِ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، وَقَدْ عَقَدُوا التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، وَقَتْلِ أَوْلِيَاءِ اللهِ، فَسِرْ وَقُلْ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله. (81) (أي لا قدرة لأحد على اجتناب سيئة ولا على كسب حسنة إلا بالله)

فانطلق العلاء بن الحضرمي ولما مر بقرب اليمامة لحقه ثمامة بن أثال بن حنيفة مع جماعته، كما لحقه أسامة وكذلك قيس بن عاصم مع قبيلته بني تميم. كان قيس بن عاصم من قبل من منكري الزكاة فكفّ إرسال زكاة القبيلة إلى المدينة وردّ إلى الناس ما كان قد جُمع من أموال الزكاة. وعندما غلب خالد بن وليد بني حنيفة في اليمامة رأى قيس بن عاصم حكمة في الاستسلام أمام المسلمين، وجمع الزكاة من قبيلته بني تميم، ولحق بجيش العلاء بن الحضرمي. فانطلق العلاء بن الحضرمي بجيشه إلى البحرين مرورا بالدهناء. (الدهناء موقع بني تميم في الطريق من البصرة إلى مكة) يتابع الراوي:

 فلما وصلنا في نصف الطريق َأَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ، فَنَفَرَتِ الإِبِلُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَمَا بَقِيَ عِنْدَنَا بَعِيرٌ وَلا زَادٌ وَلا مَزَادٌ وَلا بِنَاءٌ إِلا ذَهَبَ عَلَيْهَا فِي عَرَضِ الرَّمْلِ، وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ النَّاسُ وَقَبْلَ أَنْ يَحُطُّوا.  فَمَا عَلِمْتُ جَمْعًا هَجَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغَمِّ مَا هَجَمَ عَلَيْنَا حتى ييئس الناس من حياتهم وَأَوْصَى بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، وَنَادَى مُنَادِي الْعَلاءِ: اجْتَمِعُوا، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي ظَهَرَ فِيكُمْ وَغَلَبَ عَلَيْكُمْ؟ فَقَالَ النَّاسُ: وَكَيْفَ نُلامُ وَنَحْنُ إِنْ بَلَغْنَا غَدًا لَمْ تَحْمِ شَمْسُهُ حَتَّى نَصِيرَ حَدِيثًا! فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لا تُرَاعُوا، أَلَسْتُمْ مُسْلِمِينَ! أَلَسْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ! أَلَسْتُمْ أَنْصَارَ الله! قالوا: بلى، قال: فابشروا، فوالله لا يَخْذُلُ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِكُمْ وَنَادَى الْمُنَادِي بِصَلاةِ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى بِنَا، وَمِنَّا الْمُتَيَمِّمُ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ عَلَى طُهُورِهِ. فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ وَجَثَا النَّاسُ، فَنَصَبَ فِي الدُّعَاءِ وَنَصَبُوا مَعَهُ، فَلَمَعَ لَهُمْ سَرَابُ الشَّمْسِ، فَالْتَفَتَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ: رَائِدٌ يَنْظُرُ مَا هَذَا؟ فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: سَرَابٌ، فَأَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاءِ، ثُمَّ لَمَعَ لَهُمْ آخَرُ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمَعَ لَهُمْ آخَرُ، فَقَالَ: مَاءٌ، فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ، فَمَشَيْنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَزَلْنَا عَلَيْهِ، فَشَرِبْنَا وَاغْتَسَلْنَا. (فقد تفجّر ينبوع الماء هنالك) فَمَا تَعَالَى النَّهَارُ حَتَّى أَقْبَلَتِ الإِبِلُ تكرد مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَنَاخَتْ إِلَيْنَا، فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ إِلَى ظَهْرِهِ، فَأَخَذَهُ، فَمَا فَقَدْنَا سَلكًا فَأَرْوَيْنَاهَا وَأَسْقَيْنَاهَا العللَ بَعْدَ النَّهْلِ، وَتَرَوَّيْنَا ثُمَّ تَرَوَّحْنَا. (أي حدثت معجزة إجابة الدعاء هنالك أن الله أخرج ماء وعادت الإبل أيضا وسقاها الناس)

يقول مِنجاب بن راشد:

وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَفِيقِي- فَلَمَّا غِبْنَا عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، قَالَ لِي: كَيْفَ علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أَنَا مَنْ أَهْدِي الْعَرَبَ بِهَذِهِ الْبِلادِ قَالَ: فَكُنْ مَعِي حَتَّى تُقِيمَنِي عَلَيْهِ، فَكَرَرْتُ بِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا هُوَ لا غَدِيرَ بِهِ، وَلا أَثَرَ لِلْمَاءِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهُ لَوْلا أَنِّي لا أَرَى الْغَدِيرَ لأَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ، وَمَا رَأَيْتُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَاءً نَاقِعًا قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِذَا إِدَاوَةٌ مَمْلُوءَةٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَهْمٍ، هَذَا وَاللَّهِ الْمَكَانُ. وَلِهَذَا رَجَعْتُ وَرَجَعْتُ بِكَ وَمَلأتُ إِدَاوَتِي ثُمَّ وَضَعْتُهَا عَلَى شَفِيرِهِ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مَنًّا مِنَ الْمَنِّ وَكَانَتْ آيَةً عَرَفْتُهَا، وَإِنْ كَانَ غِيَاثًا عَرَفْتُهُ، فَإِذًا مَنٌّ مِنَ المَنِّ، فَحَمَدَ اللهَ، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى نَنْزِلَ هَجَر. (91)وَكَتَبَ الْعَلاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَجَّرَ لَنَا الدَّهْنَاءَ فَيْضًا لا تُرَى غَوَارِبُهُ، وَأَرَانَا آيَةً وَعِبْرَةً بَعْدَ غَمٍّ وَكَرْبِ، لِنَحْمَدِ اللَّهَ وَنُمَجِّدْهُ، فَادْعُ اللَّهُ وَاسْتَنْصِرْهُ لِجُنُودِهِ وَأَعْوَانِ دِينِهِ. (هذا ما كتبه العلاء إلى أبي بكر في تقريره، أخبره فيه ما جرى بعد توفّر الماء) فَحَمَدَ أَبُو بَكْرٍ اللَّهَ وَدَعَاهُ، وَقَالَ: مَا زَالَتِ الْعَرَبُ فِيمَا تُحَدِّثُ عَنْ بُلْدَانِهَا يَقُولُونَ: إِنَّ لُقْمَانَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الدَّهْنَاءِ: أَيَحْتَفُرُونَهَا أَوْ يَدَعُونَهَا؟ نَهَاهُمْ، وَقَالَ: لا تبلغها الأرشية، وَلَمْ تقر الْعُيُونُ، وَأَنَّ شَأْنَ هَذَا الْفَيْضِ مِنْ عَظِيمِ الآيَاتِ، وَمَا سَمِعْنَا بِهِ فِي أُمَّةٍ قَبْلَهَا. (20)

إذن، فقد شاهد الصحابة الذين كانوا يخرجون في سبيل الله هذا النوع من المعجزات. وللحديث بقية سأسردها لاحقا بإذن الله.

الهوامش:

  1. أجياد: موضع متصل بجبل الصفا بمكة حيث رعى رسول الله الغنم
  2. أبو الحسن بن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة،
  3. ابن كثير، البداية والنهاية
  4. ابن سعد، الطبقات الكبير، المجلد 4، الحديث 4612
  5. الدياربكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
  6. انظر: ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب
  7. انظر: ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة
  8. سبب تسميته بالفجاءة لأنه كان يهاجم المسافرين والقرى فجأة ويسلب منهم وينهب منهم
  9. ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج3
  10. نور الدين الحلبي، السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون)
  11. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى
  12. انظر: المرجع السابق
  13. ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج2
  14. انظر: الرسائل الحكومية لأبي بكر (رض)
  15. هو شريح بن ضبيعة، أحد بني قيس بن ثعلبة، والحطم لقبه، أسلم ثم ارتد
  16. محمد بن عمر الواقدي، فتوح البلدان، ج1، ص101، «كتاب الردة» لنفس المؤرخ
  17. محمد حسين هيكل، الصديق أبو بكر t، ص145
  18. محمد بن عمر الواقدي، كتاب الردة
  19. ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك
  20. نفس المرجع السابق
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via