الاضطراب العالمي.. والحاجة الملحة لوحدة المسلمين
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرّجيم.
بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم* مَالك يوْم الدِّين * إيَّاكَ نعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ* صِرَاط الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ. آمين.
الغرض من البعثة النبوية، وتشتت العالم الإسلامي
إن الرسالة التي جاء بها النبي تهدف إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وعبادته، ونشر وحدانيته، وبذل الجهد في سبيله، وأداء حقوق عباده، ثم العيش أمةً واحدةً متآخيةً. غير أننا اليوم، على الرغم من النطق بالشهادتين والإيمان بأنْ لا إله إلا الله محمد رسول الله، نعاني من التفرق والانقسام، ولا وحدة بيننا. كما أن أعمالنا لا تتوافق مع التعاليم التي ندّعي الالتزام بها. ونتيجةً لذلك، لو تأملنا حال العالم الإسلامي الراهنة، لوجدناها مثيرة للقلق جدًّا. فرغم أن بعض الدول الإسلامية تمتلك الثروات والموارد الطبيعية، إلا أنها لا تحتل مكانةً مرموقةً بين قوى العالم، ولا تقوم بدور فاعل في نشر الدين وتقدمه، ولا يترشح منها الجهد المطلوب في تطبيق التعاليم الإسلامية. ونتيجة ذلك واضحة جليّة، كما ذكرتُ مرارًا من قبل: إن غير المسلمين يستغلون هذه الأوضاع لصالحهم.
النظام الإلهي للوحدة: مجيء المسيح الموعود عليه السلام
يجب على الحكومات الإسلامية وساستها أن يسعوا لبذل كل جهدٍ ممكن لتوحيد الأمة الإسلامية والعمل بجدٍّ لتحقيق هذا الهدف بدلًا من السعي وراء مصالحهم الذاتية. وحين يتحقق ذلك، سنكون قادرين على التصدي للهجمات التي تشنّها قوى العالم علينا، وعلى استعادة مكانتنا وهيبتنا، ومنع القوى المعادية للإسلام من النيل منّا وتفريق صفوفنا. ولذلك علينا أن نتفكَّر متأمِّلين في التدبير الإلهي الذي قدّره الله تعالى في هذا الزمان. فما هو ذلك التدبير الرباني الذي لو قبلناه أو أقررنا به لنجونا من كل هذه المحن وأصبحنا أمةً واحدة متماسكة؟ إن ذلك التدبير الإلهي يتمثّل في أن الله تعالى قد أرسل المسيح الموعود ليجمع الأمة على كلمةٍ واحدة ويوحّد صفوفها. ومن هنا ينبغي علينا أن نتأمل في هذا الأمر. فحين يُقبل المسلمون في دول العالم الإسلامي على التأمل في ذلك، عندها فقط يستطيعون النجاة من الفتن التي تتصاعد في وجههم. وعلى أية حال، فإننا كأحمديين نسعى وندعو الله تعالى أن يوحّد الأمة الإسلامية، وأن يُنقذها من الفتن والمظالم التي تطحنها اليوم.
دور القوى العالمية في إثارة الاضطراب في العالم الإسلامي
منذ زمن طويل وأحوال العالم تشغل مساحة من حديثي. وفي البداية كنت أظن أن أوروبا والدول الغربية الأخرى هي التي ستكون سببًا في هذه الأزمات، ولا شك أنها سببها فعلا، غير أن الدول الإسلامية نفسها أسهمت أيضًا في صنع هذا الواقع. فقد عمدت هذه القوى الغربية أولا إلى إشعال نار الفتنة في البلدان الإسلامية، ثم أخذت تُذْكيها شيئًا فشيئًا، منتقلةً بها من بلد إلى آخر. إن مخططهم في هذا الشأن واضح؛ فهم يريدون السيطرة على موارد تلك البلدان واستغلالها لمصالحهم. ومع أن بعض الدول العربية تملك ثروات كبيرة، كما أشرت سابقًا، إلا أن هذه القوى الغربية، بالرغم من ذلك، تُبقيها خاضعة لهيمنتها. باختصار، فإن ما كنت أقوله منذ زمن طويل أمام أبناء جماعتنا وأمام الأغيار أيضًا، نرى اليوم آثاره تظهر بوضوح للعيان.
وينبغي أن نتذكر دائمًا أن القوى الدجالية لا تريد للمسلمين أن يعيشوا في أمن وسلام. فهدفها الحقيقي هو إبقاء الفتنة مشتعلة في العالم الإسلامي باستمرار. وقد ظلت هذه القوى الدجالية تمارس الخداع، إذ كانت توهم الدول العربية الغنية بالنفط والموارد الأخرى بأنها تعقد معها اتفاقيات من أجل إرساء الأمن، بينما كانت مخططاتها الخفية معاكسة تمامًا، وهو ما أصبح اليوم مكشوفا للجميع. لذلك يجدر بنا أن نُكثر من الدعاء، وأن نخرّ بين يدي الله تعالى ضارعين، وأن نخص العالم الإسلامي بالدعاء، فالحاجة إلى ذلك باتت ماسّة في هذا الوقت.
التواجد العسكري والمناورات الاستراتيجية في الشرق الأوسط
حين نستعرض الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط، يتضح لنا بجلاء أن أمريكا قد أقامت قواعد عسكرية في كثير من الدول الإسلامية، فما الغاية من ذلك؟ وهل أُقيمت هذه القواعد حقًّا لحماية تلك الدول؟ فمن أي خطر كانت الدول العربية تخشى؟ لقد اختلقت هذه القوى المخاطر بنفسها، ثم أوهمت تلك الدول بأنها مُهددة، وبأن إقامة هذه القواعد العسكرية أمر ضروري لحمايتها. أما الخطر الحقيقي الذي كان يتهدد المسلمين، فلم تكن هذه القوى لتُوجّه ضده قوتها أو أسلحتها يومًا. وقيل للمسلمين أيضًا: اسمحوا لنا بإقامة القواعد العسكرية على أراضيكم، فنحن سنخدم مصالحكم ونُنمّي تجارتكم، غير أن الهدف الحقيقي كان تعزيز وجودهم في المنطقة من أجل مواجهة القوى المعارضة لهم. وإن كانت ثمة مخاطر تحدق بالدول العربية، فهي ما صنعته هذه القوى الغربية نفسها، وإلا فلم يكن بين تلك الدول الإسلامية خطرٌ من بعضها على البعض الآخر.
باختصار، إنهم أقاموا هذه القواعد العسكرية لتعزيز هيمنتهم في المنطقة، لأنهم كانوا يريدون أن يفرضوا سيطرتهم على العالم الإسلامي وغير الإسلامي معًا. أما إيران، فقد كانت دائمًا مصدر إزعاج لهؤلاء الناس، كما أن بعض الدول الإسلامية كانت تحمل لها العداء بسبب الخلافات العقدية، وهو ما استغلته هذه القوى الغربية لصالحها. ولما كانت سياسة إيران تجاه إسرائيل أكثر صرامة، رأت هذه القوى أنه من الأنسب استمالة الدول العربية وإقامة القواعد العسكرية فيها، لتكفل بذلك أمن إسرائيل وتحافظ على وجود يردع إيران.
وهذه حقيقة ظاهرة بيّنة، وقد شهدنا نتائجها بأم أعيننا؛ فقد كانت هذه القواعد العسكرية سببًا في تعريض الدول العربية للهجمات التي شُنَّت في نهاية المطاف، وأُصيب اقتصادها بأضرار فادحة. والدول التي تمتلك ثروات نفطية أو تعتمد على السياحة تضررت من الآثار السلبية الناجمة عن تلك الهجمات. وهذه القوى هي المستفيدة من هذا الوضع الآن وفي المستقبل، لأن الحروب حين تندلع ويتأثر الاقتصاد، فمن الطبيعي أن يَشنَّ الطرف المعارض هجوما مضادا ويسعى إلى تدمير قواعد الخصم. ونظرًا إلى أن الحرب كانت قائمةً مع إيران، فقد أقدمت إيران على ما نشهده اليوم، إذ استهدفت القواعد الأمريكية الموجودة في الدول العربية، فدمّرتها أو ألحقت بها أضرارًا.
وقد كتب صحفي عربي بالأمس أن العرب يجب أن يتوخَّوا الحذر، لأن هذه الهجمات التي تُنسب إلى إيران قد لا تكون هي من فعلها، بل ربما تكون أمريكا وإسرائيل نفسيهما قد شنّتاها، وحتى إن كانت إيران قد شنّت بعضها من قبل، فالآن ستستغلها هاتان القوتان وتشنّان هجمات باسم إيران. وقد أنكرت إيران بعض هذه الهجمات. وكذلك كتب هذا الصحفي أنه من الممكن أن تنسحب أمريكا وإسرائيل من هذه الحرب في وقت ما، تاركتين العالم الإسلامي يتقاتل بعضه ضد بعض، وهو بالضبط ما يصبو إليه هؤلاء.
لقد نبّه حضرة خليفة المسيح الرابع رحمه الله تعالى، في خضم حرب العراق، إلى أن هذه الفتنة تنتشر في أرجاء العالم. يا ليت العالم الإسلامي يدرك هذه الحقيقة! فاليوم إذا أمعنَّا النظر، فسنجد أنه بالتزامن مع حرب العراق، جرت محاولات دؤوبة لبث القلاقل في الدول الإسلامية الأخرى أيضًا، وأُضرِمَتْ فيها نار الفتنة، ومنذ ذلك الحين أخذ الأمن في البلاد الإسلامية ينضب باستمرار، حتى كاد أن ينعدم، وهذا أمر لا يسع أحدًا إنكارُه. بل إننا نرى في العالم الإسلامي أن بعض الدول الإسلامية تتقاتل فيما بينها. وكما ذكرتُ، فإن هذا الاضطراب إنما أثارته القوى الغربية، ولا تبدو في الأفق أية بادرة أمل في توقفه، إلا إذا شاء الله تعالى بتقديره الخاص، غير أن ذلك يستلزم منهم السعي. ولذلك يجب علينا أن ندعو الله تعالى أن يحفظ العالمَ الإسلامي من هذا الاضطراب والفتنة. وأما العالم الإسلامي والمسلمين فيجب عليهم أن يتحلوا بالمسالمة، وأن يعيشوا متآخين. وهذا هو تعليم الإسلام، لا أن يذبح بعضهم بعضًا.
العالم في خطر شديد.. مسؤولياتنا
من الواجب علينا أن نخبر الجميع، سواء أكانوا قريبين أو بعيدين، ونحذرَهم من الوقوع في براثن الظلم ومنذ فترة طويلة نبذل جهودنا في هذه السبيل. لأن هذا الظلم يتصاعد يومًا بعد يوم بصورة تنذر بنشوب حرب عالمية واسعة النطاق، بل يرى بعض المحلِّلين الغربيين أن الحرب العالمية قد بدأت فعلًا. وأنا أرى أيضًا أنها قد بدأت بالفعل، غير أن الأمة الإسلامية إذا أفاقت واستعملت العقل، وتوحدت صفوفها، وتشاور أبناؤها فيما بينهم، فإنها تستطيع حتى في هذه الساعة أن تقي نفسها من فتن الدجال.
وحين نستعرض أحوال العالم ندرك أن الخطر في هذا الوقت كبير؛ وكما قلتُ من قبل، لكلٍّ مصالحه الخاصة، وحين تبلغ الأنانية أقصى درجاتها، فلا يعود الإنسان يفكر في مَنْ سواه، ولا يرى أمامه إلا ذاته.
لذا فعلينا أن ندرك أننا إذا أردنا الحد من انتشار الفساد في العالم فهذا لن يتأتى لنا بمجرد نيل حقوقنا، بل لا بد من أداء حقوق الآخرين أيضا. على العالم الإسلامي أن يدرك هذا الأمر ويقول للمتعاطفين معه من القوى الكبرى والغربية إن عليكم أيضا أن تتنازلوا عن بعض حقوقكم –حيث إنهم يهضمون حقوق الآخرين دَعْك عن أن يتنازلوا عن حقوقهم- ولا بد لكم من التعامل بالعدل أيضا، وعندها فقط سنتمكن من إرساء السلام في العالم. إنني لا أبرح أوجه أنظار الناس إلى هذا الأمر منذ مُدَّة، والذين كانوا من قبلُ يقولون لي عند سماع كلامي هذا إنك تنشر اليأس بهذا الكلام وتقدِّم رؤية سلبية عن العالم إذ تنذر الناس أن العالم مندفع صوب الهاوية، أقول إنهم أنفسهم أخذوا الآن يقولون إن الأمر الذي كنا نراه مستحيلا قبل بضع سنين قد صار أمرا واقعا اليوم إذ قد اندلعت الحروب بالفعل. فقد بدأ الآن المحللون في أمريكا وأوروبا نفسها يكتبون أن الحرب العالمية قد اندلعت. وكما قلتُ من قبل إن هذه الحرب لن تبرح في الانتشار، وليس هناك إمكانية للحد من هذا الخطر ما دام هؤلاء يسعون لتحقيق مصالحهم الشخصية القاصرة.
الحقائق الصارخة للحرب الحالية
عند اندلاع الحروب يتضرر الطرفان. وهذه الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط قد بدأتها أمريكا بشن الهجوم على إيران، وكانت إيران قد هددت صراحة قائلة باستهداف القواعد الأمريكية القائمة في البلاد العربية، والتي قد بنتها أمريكا لهدف خاص، وها هي تستعملها لتحقيق هدفها هذا الآن أيضا. هذا ما قالته إيران بمنتهى الصراحة سلفا. وبالفعل بدأت الحرب وتعرضت إيران للقصف، وتعرضت مدنها للدمار، وأطفالها للقتل، حتى شنّوا الهجوم على مكان إقامة الزعيم الديني الإيراني، وقُتل معظم أفراد عائلته. وكانت هذه القوى تظن، بل كانت تهتف بأنها ستقضي على النظام الإيراني الحالي وسيتمتع الإيرانيون بالحرية. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن القلة الذين كانوا من قبل معارضين لهذا النظام الإيراني قد صاروا موالين له الآن، ونال زعيمهم الذي اسمه خامنائي درجة الشهادة عندهم، فازداد عزّا وكرامة بينهم. لقد قتلَ هؤلاء أولاده بل كل عائلته، وهذا الظلم الذي صبّوه عليهم قد أكسبه المزيد من العز والمنزلة، بدلًا من أن يتمكنوا من الإطاحة بالنظام الإيراني.
على كل حال، لقد قامت إيران أيضا، كردّة فعلٍ، بالهجوم على القواعد العسكرية التي أقامتها هذه القوى الغربية والأمريكية في البلاد العربية، بالإضافة إلى أماكن أخرى هناك، بما فيها آبار النفط وغيرها. وقد بدأت أمريكا تهدد بأن إيران لو أغارت على المنطقة النفطية الفلانية فإننا سوف نفعل كذا ونفعل كذا، بل قد ادّعتْ أن إيران قد شنت هجوما على تلك الأماكن بالفعل، ولكن إيران نفت ذلك وقالت إنها لم تشن أي هجوم على مثل هذه الأماكن، بل لا تنوي ذلك.
هذا مكر وخداع آخر من هذه القوى لخلق الكراهية في قلوب المسلمين ضد إخوانهم المسلمين. الحرب دائرة بينهم سلفا، وتطوف هذه القوى بين المسلمين بالشائعات ليزدادوا كراهيةً فيما بينهم. لقد قرأت عليكم مِن قبل تصريحا لأحد الصحفيين، قال فيه إنه قد تُلحِق هذه القوى نفسُها الضرر بمثل هذه الأماكن ثم تتّهم إيرانَ به. وكما قلت آنفا، مِن واجب المسلمين في مثل هذه الأوضاع أن يتوخَّوا الحذر عند كل خطوة، أما نحن المسلمين الأحمديين فرغم أننا متألمون من وضع المسلمين الآخرين هذا، إلا أننا ليس بأيدينا فعل شيء لهم إلا أن نحذرهم وندعو لهم ونسعى لكي نشرح لهم بأن ما يحدث خطأٌ وغلطٌ. لو أن الدول الإسلامية عادت إلى صوابها الآن أيضا، ولم تفكر في مصالحها الشخصية فقط، بل وضعت في الحسبان مصالح الأمة الإسلامية ككل، ولم ترتكب أي نوع من الخيانة، فيمكن إنقاذ الموقف إلى حد كبير الآن أيضا. إن الدول العربية في الشرق الأوسط تمتلك ثروة النفط، ولكن ليست قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا تزدهر فيها الصناعة. والتقدم لا يتأتى بامتلاك ثروة النفط أو بالترويج للسياحة وتطويرها في بعض الأماكن فقط. إن هذه البلاد العربية تعتمد كليا على الغرب والقوى الغربية. وكما قلت آنفا قد استغلت القوى الغربية ضعف العرب هذا، فأسست قواعدها العسكرية في بلادهم، وعندما شُنّت الحرب على إيران فإنها أيضا قامت بالهجمات المضادة على القواعد الأمريكية في البلاد العربية، والغرب بدأ الآن يُقنِع العربَ بأن إيران قد هاجمت بلادهم.
التبعات الاقتصادية وتصاعد الصراع
لقد تبين الآن أن هذه الحرب قد اتخذت منحى خطيرا، حيث تطلق إيران صواريخها صوب البلاد العربية، ويعترضها الأمريكيون بنظام الصواريخ المضادة، ويقول المحللون إن إيران إذا كانت ترسل صاروخا ثمنه خمسين ألف دولار، فإن الصاروخ الذي يطلقه الخصم لاعتراضه وتدميره كلفته عدة ملايين من الدولارات.
وكتب بعض المحللين أن هذا سيضر الاقتصاد الأمريكي. ولكن الواقع أن هذا مجرد وهم وخيال، لأن هذه القوى تحسب حساباتها سلفا، وتدرس الأمور جيدا. ولقد قررت كل شيء مسبقا، ولا أرى أنها ستتكبد هذه الخسائر بنفسها، بل ستتقاضى ثمنها من الدول العربية بحجة الدفاع عنها. فمن ناحية تُغلَق آبار نفطها، ويقلّ إنتاج نفطها، ويتفاقم الغلاء فيها، ومن ناحية أخرى سوف تدفع ثمن كلفة هذه الحرب أيضا، مما سيؤدي إلى نقصان الاحتياطي لديها أو انتهائه حتى، وبالتالي سَيُمْنَى اقتصاد العالم العربي بخسارة فادحة. لا شك أن الغرب أو القوى الكبرى أيضا ستتضرر، ولكن العرب سيتضررون ضررا أكبر، وعليهم أن يدركوا ذلك الآن على الأقل.
سياسات القوى العالمية والتهديد بحرب أوسع
نرى أن الرئيس الأمريكي الحالي يواصل تطبيق سياسات الحكومات الأمريكية السابقة. إنها ليست سياسة الحكومة الأمريكية الحالية، بل هكذا كانت السياسة الأمريكية على الدوام، أي الاستيلاء على موارد الآخرين قهرًا حيثما وجدوها، ثم السعي لتبرير ذلك بحجج شتى. بل الحق أن الرئيس الأمريكي الحالي قد قال صراحة إن البلد الفلاني إذا لم ينضم إلينا فسوف نستولي على موارده قسرا، ونكرهه على الانضمام إلينا في الحرب. والبلاد التي لا تنضم إليهم يفرضون عليها أنواع الحظر والعقوبات. ففي الأيام الأخيرة قال رئيس الوزراء الإسباني بشجاعة لن نُساهِم في هذه الحرب، ولن نتيح قواعدنا العسكرية لأحد، فهددته أمريكا قائلة: سوف نقطع العلاقات التجارية مع بلادك. فهكذا يُكرهون الآخرين، بلادا وأناسا، بأنواع التهديد والترهيب والسعي لإلحاق الضرر بهم بطرق خاطئة لكي ينضموا إليهم في الحرب. فلم يبق هناك عدل ولا إنصاف، وإذا فُقد العدل حلّ الدمار حتما، وظهرت نتائج خطيرة، وهي تظهر الآن، بل ما سيظهر لاحقا سيكون أدهى وأمر.
ومؤخرا، قد أدلت نائبة إسبانية في البرلمان الأوروبي بتصريح قالت فيه على الملأ: ما نالت المرأة الحرية نتيجة أية حرب أمريكية قط. فلما كانت سيدةً فقد تكلمت من منظور السيدات، ذلك لأن الأمريكان يدّعون أنهم يخوضون هذه الحرب من أجل حرية السيدات الإيرانيات. فقالت إن كل هذا كذب وهراء، ولن تنال المرأة الإيرانية أية حرية نتيجة هذه الحرب، كما أن أمريكا لم تخضْ أية حرب من أجل حرية المرأة، ولم تتمكن من تحرير المرأة قط.
خلاصة الكلام، كانت هذه البلاد العربية محتكرة لدى أمريكا إلى حد ما سلفًا، أما الآن فإنها تسعى لإحكام قبضة احتكارها لها بضم إسرائيل إليها في هذه الحرب علنا. وللأسف لا تدرك البلاد العربية والإسلامية أن هؤلاء يلقونهم في فخٍّ مِن خلال القهر والترهيب والتهديد واتباع مختلف الطرق غير المشروعة والحيل الدجالية، لكي يقاتلوا بلدا إسلاميا، ولكي يجعلوا المسلمين يحاربون إخوانهم المسلمين.
على كل حال، إن روسيا والصين يشكلان الآن كتلة خاصة لهما، والواضح أن هذه الكتل سوف تزداد عددًا وسعة وقوة. وسيبقى العالم الإسلامي ساحة للحرب؛ لأنه يمتلك موارد تثير طمع هذه القوى في السيطرة عليها. ليت المسلمين يدركون ذلك ويتعقلون. تقول أمريكا وحلفاؤها الآن إننا هاجمنا إيران لأنها كانت تنوي فعل كذا وكذا، فلو فعلت ذلك لحدث كذا وكذا، أو لصنعتْ القنبلة النووية. فإنَّهم قد خلقوا مجرَّدَ افتراضٍ وهميٍّ، ثم بدؤوا الحربَ على أساس “لو حدث كذا لكان كذا”. هذا هو عين الظلم والاعتداء.
ولقد بدأ بعض المحلِّلين الغربيين أنفسهم یقولون الآن بأن تدمير إيران أو خوض حرب ضدّها ليس بالأمر السهل كما كانوا يتصورون. إن إيران بلد كبير مترامي الأطراف، وتملك بعض القوة أیضا، وهذه الحرب قد تطول. وإن كان ضررها سيطال اقتصاد العالم أجمع، إلا أن تأثيرها على العالم الإسلامي سيكون أشدَّ وأعظم. ولكن الأكثر أسفًا والأعظم هو أن يُراق دم المسلم على يد المسلم في هذه الحرب.
التكلفة البشرية للحرب ومعاناة المدنيين
على كل حال، ينبغي على المسلمين أن يخافوا عذاب الله تعالى، فقد قُتل المئات من الأطفال، وأُزهقت أرواحُ مئاتِ الأبرياء. إذا نظرنا إلى الدول الغربية، سنجد كُتّاب أعمدة صحفية هناك بدأوا يكتبون أنه إذا وقع هجوم في إسرائيل أو أمريكا أو في أي دولة غربية وقُتل فيها عدد قليل من أطفالنا، لَكتبت الصحف عمودًا تلو الآخر، ولظلوا يكتبون حوله لأيام عديدة؛ أما هنا فقد قُصفت مدرسةٌ وقُتل فيها مئاتُ الأطفال، ولم يتكلَّم أحد! هذا ما فعلوه سابقًا في فلسطين، والأمرُ نفسه يتكرَّر الآن في إيران. يبدو أن حياة المسلم لا قيمة لها عندهم!
على كل حال، أسأل الله تعالى أن يهب للمسلمين العقل ليتعقلوا، ويسعوا لحل مشاكلهم بالجلوس معًا، فما داموا يدَّعون التوحيد، فينبغي أن يتحدوا لإقامة التوحيد. لا حاجة إلى إثارة النزاعات بتوجيه الاتهامات، ولا إلى القول بأن الخلافات تزداد بسبب عقائد فلان. أحيانًا تكون العقائد سببًا في زيادة الخلافات، وهذا أمر شائع، وما يحدث من صراعات بين المسلمين يعود إلى هذه الأسباب أيضًا، لكن النبي كان شديد الحذر في هذا الخصوص وكان شفيقًا لدرجة أن بعض الصحابة ذكروا مرة أمامه أن فلانًا منافق، فقال: ما دام يقول لا إله إلا الله، فلا أستطيع أن أقول عنه شيئًا، وعليكم أيضا ألا تصفوه بأنه منافق. إذن، فإن إثارة الجدال والخصومات على أمور تافهة هي في الحقيقة مضرّةٌ جدًّا. أسأل الله تعالى أن يرزق العالم الإسلامي العقل لفهم هذا الأمر أيضًا. ليتهم يفهمونه الآن، ولا ينحازون ضد إيران لمجرد اختلاف في العقائد.
لقد جاء الإسلام لإقامة التوحيد، فينبغي السعي لتحقيق ذلك. فلا تجعلوا القوى العظمى آلهتكم، إذ إن القوة الباقية الدائمة والأبدية هي لله وحده. فإن اعتبرتم هذه القوى العظمى كل شيء، فستستولي على بلدان العالم الإسلامي كلها بلدًا تلو الآخر، وستزول حكوماتكم الظاهرة هذه أيضًا.
فما زال الوقت متاحًا ليفيقوا من سباتهم، وقد آن الأوان للتوجه إلى الله تعالى.
التوجيه القرآني للسلام بين المسلمين
لقد أفسد أهل الدنيا أمن العالم وسلامه، ولا سيما أمن العالم الإسلامي، وسيستمرون في ذلك مستقبلًا. ويقول الله تعالى في القرآن الكريم موجهًا المسلمين:
فهذه هي النقطة، وإن كانت ضرورية جدًّا لسلام العالم أجمع، إلا أنه يجب على العالم الإسلامي بشكل خاص العمل بها، لأن الله تعالى قد أوضح لهم هذا التوجيه في القرآن الكريم. لذا، فليوفوا بمقتضيات العدل والإنصاف، ولتلعب رابطة العالم الإسلامي دورَها بهذا الخصوص. ويجب أن يكون واضحًا أنه عند عقد الصلح ينبغي ألا تقدّم المصالح الشخصية، بل يجب الفصل في القضية الأساسية، والبحث عن أسبابها. مع أن الأسباب هي تلك التي نراها جلية أمامنا، وهي أن القوى الدجالة تريد إشعال الحرب بيننا. أما الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات التي أسست لهذا الغرض، فلم تؤد أي دور إيجابي؛ بل على العكس، أصبح هؤلاء أنفسهم الآن يتحدثون ضدها. فإن قمنا بهذا العمل مترفعين عن مصالحنا الشخصية ومصالحنا الوطنية، فحينئذٍ فقط يمكننا تحاشي الآثار السيئة، وإلا فسنسقط في أحضان تلك القوى الدجالية. لذا، لا بد لجميع الدول الإسلامية أن تجلس وتتشاور بجدية.
الأخوَّة في الإسلام كأساس للسلام
يقول الله تعالى في الآية التالية:
أي إن علاقة المؤمنين فيما بينهم هي علاقة الأخوة. فأصلحوا دائمًا بين أخويكم إذا اقتتلا أو اختلفا، واتقوا الله لعلكم ترحمون.
فإذا وقع خلاف بين المسلمين، كما يُقال أنَّ ثمَّة خلافًا بين إيران وبعض الدول العربية، أو بين دول إسلامية أخرى، فيجب عليهم أن يتذكروا أن العلاقة الحقيقية التي تربطهم هي علاقة الأخوة الإسلامية، وينبغي ألا تكون الخلافات الصغيرة والنزاعات الجزئية سببًا في تمزيق أواصر الأخوة الإسلامية هذه. وعلى الدول الإسلامية أن تولي هذا الأمر اهتمامًا خاصًّا، وإلا، كما قلت، فإن القوى المعادية للإسلام ستستغل هذه الخلافات.
لذا، ينبغي على الدول العربية، وكذلك على الحكومة الإيرانية، أن تسعى إلى إيجاد حل للسلم والتصالح. لقد عرضت الصين وبعض الدول الأخرى، بما فيها باكستان، القيام بدورها في عقد الصلح.
ليت العالم الإسلامي يدرك هذه الحقيقة، وهب لهم الله تعالى العقل والبصيرة.
واجب الدعاء في زمن الأزمات العالمية
على كل حال، واجبنا هو الدعاء، خاصة من أجل العالم الإسلامي والأبرياء. ينبغي ألا يقتصر الأمر على الدعاء لأنفسنا فقط في شهر رمضان المبارك، بل علينا أن ندعو للأمة الإسلامية أيضا. نسأل الله تعالى أن يلههم الصواب كي يسود السلام في العالم، وخاصة في العالم الإسلامي، وألا يضرب المسلم رقبة أخيه المسلم. فإن هؤلاء الذين يقتلون بعضهم بعضا بغير حق يستوجبون سخط الله تعالى وغضبه. فإنهم ليسوا خاسرين في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا سيكونون من الخاسرين. لذا، يجب الاهتمام بهذا الأمر بشكل خاص، ولهذا نحن بحاجة ماسة إلى التركيز على الدعاء. وفقنا الله تعالى للدعاء على الوجه الحقيقي بإخلاص.
[1] (الحجرات: 10)
[2] (الحجرات: 11)