مَدْرَسَةُ الأُمُومَةِ وَنِظَامُ الجَمَاعَةِ وَالطَّاعَة

محمد مصطفى

كاتب
  • تربية الأم صورة ظلية لربوبية الله.
  • الجماعة تحت نظام الخلافة تحتضن أبناءها من المؤمنين كما تحتضن الأم أولادها.
  • نظام الأمومة التقويمي يناظره على المستوى الروحاني نظام الخلافة والجماعة.

الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبًا طيب الأعراقِ(1)
هكذا قال شاعر النيل حافظ إبراهيم عن الأم، ملخصا دورها الكبير في هذا البيت الشعري المعبر. والعالم إذ يحتفل خلال هذا الشهر من كل عام بيوم الأمومة، وإن كان هذا اليوم لفتة رقيقة إذ نحتفي فيه بتذكر أفضال وتضحيات الأم، إلا أن هذه التضحيات لا يكفي لها يوم في عام، ولا حتى العمر أكمله.

السلسلة المتصلة
مما لا شك فيه أن لكل مخلوق حي أمًّا؛ فالأم بذلك هي مبدأ انتشار الخلائق وهي أصل كل شيء، للحيوان كما للنبات، بل ويتعدى ذلك إلى الجماد أيضًا، إذ لا يُنحت من الحجر ما هو أكبر منه، والعكس صحيح فيكون الحجر من الصخرة الكبرى آخذًا لخصائصها وحاملًا لتكوينها.. تلك سنة الله في خلقه، وكما أن لو كان الأصل قويًا كان ما هو منه فيه كذلك من قوته والعكس أيضًا في حال الضعف، وكما قال الشاعر النيل حافظ إبراهيم عن الأم.
فبالإعداد يكون الفرد والأسرة والمجتمع على أتم الاستعداد للعيش والمواجهة. ونحن بني البشر كثيرًا ما نلاحظ دور الأم الهام والفعال في مملكة الحيوانات الأقرب إلينا (الأليفة منها والمتوحشة على حد سواء) في أشكال إحاطة واهتمام ورعاية ترقُّ لها القلوب وتؤخذ لها الألباب تعجبًا، حتى يدفعنا ما نرى إلى القول عفويًا «يا الله» «يا إلهي» «سبحان الله» وكأننا بهذه القولة العفوية منا نقر ونعترف بقيومية الله فيما خلق، وربوبيته الشاملة على جميع الخلق، وإنه في تلك التفاصيل الصغيرة واللطيفة موجود وفاعل ومُحرك، قيوم وما ترك.. فما البال إذن مع العلاقات الكونية الكبرى، والأحداث الدنيوية الهائلة؟
فإذا كنا قد استلهمنا وجوده سبحانه وتعالى بنطقنا ذكره وتسبيحه في تلك اللطائف الدقيقة، أفلا نُمجده في كل ما عدا ذلك كَبُر أو صغر؟! قال الله عز وجل:

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (2)

تربية الأم من ربوبية الله
لذلك فالأمومة قانون طبيعي أوجده وأقره الله تعالى في جميع مخلوقاته. فهي السبب الموصل إليه تعالى بشكل فطري. فإذا حُسنت هذه العلاقة صارت خير مرجع وإذا استُفيد منها أسست لأفضل المجمعات وأكثرها مسالمة وطاعة ورقابة على الذات، الأمر الذي من أجله جعل الله تعالى بر الوالدين في المرتبة الثانية مباشرة بعد توحيده عز وجل، قال تعالى:

وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (3)

إنهما مظهر لقانون الطبيعة يأخذ بنا إلى قانون الشريعة؛ فيخبرنا الله بذلك كيف يستطيع الإنسان حماية نظامه، حيث أورد في هذه الآيات ملخص تعاليم القرآن الكريم، منبهًا إلى أنه لا بد للمجتمع من مراعاة هذه الأحكام والالتزام بها في أيام إيمانهم، لينجوا من الانحطاط، وإلا فلن يستمر رقيه(4). ففي بعض الأحوال لا يشعر المرء بقيمة وأهمية وجود الأم حال وجودها معه والعيش في كنفها، بل إن أكثر الأولاد، لا سيما في عصر الحداثة هذا، وبسبب عدم استيعابهم لنصح وتنبيه الأمهات فكثيرًا ما يتأففون منهن.. فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله: «فلا تقل لهما أفٍ» نظرا إلى ما تحمله بذرة التأفف تلك من عواقب سيئة تنخر عظام أي مجتمع متماسك؛ ولا يكون شعور المرء بقيمة الأم متحققًا بشكل كامل إلا بفقدانها مع الأسف! وكما أن الوضع الصحي التام للإنسان هو أن لا يجد الشعور بثقل أعضائه، فإذا حصل الشعور بثقل أعضاء أو بعض أعضاء الجسم فهنا يكون المرض، لأن الصحة هي الحالة المتوازنة للكائن الحي والتي تتيح له الأداء المتناغم والمتكامل لوظائفه الحيوية بهدف الحفاظ على حياته ونموه الطبيعي، فكذلك علاقة الأم التربوية بأولادها، فمهما أبدى الأولاد على صغرهم وعدم إدراكهم تأففًا وضجرًا، فهذا لا يمكن أن يصل أبدًا بهم إلى حالة شعورهم بالثقل الحقيقي حال فقدانهم الأم، فإذا فُقدت أحدث فقدانها خللًا في النظام الأسري وتنشئة الأبناء ونفسياتهم.. ما ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على المجتمع أيضًا.

لذلك وهب الله لمثل هذا المجتمع أيضًا نظامًا حكيمًا أسماه نظام الجماعة، فكان ذلك النظام متضمنا في هيكله نظام الأمومة وقانون الاحتضان المنوط به توفير ما تعجز الأم الطبيعية عن أدائه اضطرارًا أو جراء فقدها. ولولا ذلك النظام الرباني لفسد نظام المجتمع الإنساني بشكل عام.

قانون الاحتضان
وعلى الرغم من أن الأم لا يمكن استبدالها أو تعويضها بأي شيء آخر.. إلا أن الله تعالى الذي هو رب العالمين بث في الكون نظائر روحانية توفر للمرء خاصية الاحتضان بهدف الرعاية وطلب الحماية والتحصن.. فمثلًا يُعد الزوج كبديل مثالي من بعد الأم لزوجه إذا تحقق شرط السكن والرحمة المتبادلة بين الزوجين، كما أن الأب لأولاده من بعد فقدان الأم يكون بمثابة أم لهم بدوره، فإن لم يستطع طلب له زوجة تطيب نفسًا أن تكون لهم أمًا.. وهكذا، فالغاية من ذلك تحقيق قانون الاحتضان المناسب والذي من شأنه أن يربي نشئًا ويحافظ على استقرار الحياة للبعض وتأهيل الجميع بصور متساوية تقريبًا ليكونوا صالحين ومتكافئين لمجتمع صالح ومُثمر.
ولكن مع ذلك يبرز تساؤل هام حول من لم يجد من بين كل تلك الضروب ما يصلح له، كمن فقد أمه الطبيعية مثلا، فلم يجد أمًّا بديلة.. أو شيئا من هذا القبيل، فكيف يُطبق عليه قانون الاحتضان ليكون فردًا صالحًا في مجتمع صالح ومنتج للصالحين؟! فإنه لا يتسنى صلاح المجتمع عامة إلا بالوصول إلى درجة صلاح مشتركة كحد أدنى على الأقل بين أفراده. لذلك وهب الله لمثل هذا المجتمع أيضًا نظامًا حكيمًا أسماه نظام الجماعة، فكان ذلك النظام متضمنا في هيكله نظام الأمومة وقانون الاحتضان المنوط به توفير ما تعجز الأم الطبيعية عن أدائه اضطرارًا أو جراء فقدها. ولولا ذلك النظام الرباني لفسد نظام المجتمع الإنساني بشكل عام.

نظام الأمومة التقويمي
الأمومة في الواقع نظام تعلو فيه مكانة الأم على مكانة الأب ويرجع الناس فيه إليها(5). وفي ذلك يذكر حضرة المصلح الموعود في معرض الكلام عن حديث «الجنة تحت أقدام الأمهات»(6) ما تعريبه:«يُنبه هذا الحديث إلى أن الأم إذا ربّت أولادها تربية جيدة أنتجت جيلًا صالحًا، وأصبحت النعم التي ينالها الأب أبدية من خلال هذا الجيل، ولكن إذا أساءت الأم تربية أولادها فإن ما أحرزه الأب سوف يموت بموته ولن تتمتع الدنيا بجنات عدن. وهذا هو مفهوم الحديث المروي عن معاوية بن جاهمة السلمي أنه جاء إلى النبي فقال: «يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك». فقال: «هل لك أمًّا؟ قال: «نعم». قال: «فالزمها فالجنة تحت رجليها» ويبدو أن الرجل كان مصابًا بعيوب، فرأى النبي أنه لو بقي في صحبة أمه فإنه سيتخلص من عيوبه بحسن تربيتها. لعله كان حاد الطبع، ففكر رسول الله أنه لو ذهب إلى الجهاد ازداد حدة وغضبًا، ولكن لو بقي عند أمه فإن طبعه الثائر سوف يلين بطول طاعته لها»(7)، وهذا الحديث ومثله أيضًا حديث عن عبد الله بن عمرو أنه جاء رجل إلى رسول الله يستأذن الجهاد فسأله النبي: «أحي والداك؟» قال: «نعم» فقال له الرسول: «ففيهما جاهد»(8) ولعل الهدف من الحديثين أن تتقوم نفس المرء أولًا داخل نظام الأمومة بطاعتها وطاعة الوالدين قبل أن تميل إلى نوع آخر من الجهاد. ولقد ورد في رواية عن ابن عباس زيادة في ذلك الحديث «الجنة تحت أقدام الأمهات» هي «من شئن أدخلن ومن شئن أخرجن»(9) وهذا يشير إلى أنه بالإضافة إلى كون الأمومة نظاما تقويميا وتهذيبيا مُطلقا، فهو كذلك نظام لا يقبل التلاعب فيه، فإن أي إشكال في التزامه والسير على منهجه يُخرج عن مساره الموصل إلى النجاة. وهذا النظام واقع أثناء تربيتها ثم على الأبناء حين بلوغهم ونضجهم، فهي إن لم تُحسن التربية أدت بهم إلى جحيم، وهم إن لم يُحسنوا رعايتها وحسن معاملتها في كبرها -حتى وإن لم تحسن هي تربيتهم- زجّوا بأنفسهم في الجحيم.»

الأم ونظام الجماعة والطاعة
لقد أشار بيت شاعر النيل المشار إليه في بداية هذا المقال إلى أن الإعداد الجيد للفتاة التي ستصير فيما بعد أمًّا يكون لها كبير الأثر في إخراج شعب على خلق طيب.. ولا يغيب عن البال أن ذلك الإعداد لن يتأتى في مجتمع ابتعد عن خالقه، فيقول الشاعر في ختام قصيدته:
ربّوا البنات على الفضيلة إنها في الموقفين لهن خير وثاقِ
وعليكم أن تستبين بناتكم نور الهدى وعلى الحياء الباقي(10)

لذا فقد هيأ الله للناس في حال قبولهم لهديه تعالى طريقا لو استقاموا عليها لوصلوا إلى الغاية المنشودة، فهذا وعد الله في حال الإيمان المرافق لصالح الأعمال، إذ حينها ستُستجاب الدعوات ويفيض الله أفضاله، وحينئذ يُرشد الله عباده الصالحين إلى الاتحاد في جماعة مؤمنة تكون في ذاتها أُمًا، تحمل في كنفها الأمن، وترعى غراس الإيمان.. فهي تحتضن المؤمنين وتربيهم على مبدأ الطاعة وتُهيئ لهم مناخا من التكافؤ المادي والروحاني كأم صالحة لا تفرق بين أولادها.. وفي حال التزامها والطاعة يكون أعضائها في جناتها وإلا فأولئك هم الفاسقون.
ويا للعجب! فحين نتأمل آيات سورة الإسراء التي تكلمت عن توحيد الله معقبة ببر الوالدين في قوله تعالى: «وبالوالدين إحسانًا» وبين آية الاستخلاف في سورة النور التي تكلمت كذلك عن عطاء الله تعالى للمؤمنين متمثلا في نظام الخلافة الذي يقيمه معقبا إياه بـ «يعبدونه…». لقد قارب الله في هذين الموضعين ملخص تعاليمه، فأعقب توحيده حسن معاملة الوالدين فَقَرَن بذلك صلاح الإيمان، ثم بشّر في حال الإيمان أن سوف يُنعم بعطاء كعطاء الوالدين (الأمن المادي والمعنوي) لكنه على المدى الزمني الشاسع والنطاق المكاني الواسع ألا وهو نظام الجماعة تقودها الخلافة الراشدة المؤيَدة والتي سيكون السير على نهجها في أيام الإيمان أي وقت التمتع بالنعم، نجاة من الانحطاط والرقي، وإلا فإن رقي مجتمع كهذا لن يدوم طويلا.

(1). ديوان الشاعر حافظ إبراهيم شاعر النيل
(2). (سورة هود: 7)
(3). (سورة الإسراء: 24)
(4). مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير، ج4 تحت تفسير الآية 24 من سورة الإسراء
(5). المعجم الوجيز
(6). النسائي واحمد والطبراني والبيهقي
(7). الخلافة الراشدة ص91، 92 ط2015
(8). البخاري، مسلم، النسائي، الترمذي، أبي داود، أحمد
(9). الكامل لابن عدي
(10). ديوان الشاعر حافظ إبراهيم شاعر النيل