في ظلال دلالات لسان عربي مبين

  • من هو الشخص الذي أُثير حوله شبهة تعليم النبي القرآن؟ ولماذا؟
  • الأدلة الإعجازية التي تثبت أن القرآن وحي من الله.
  • انقلاب شبهة المسيحيين عليهم.
  • سورة الفرقان تدحض شبهة أخرى من أقاويل المعترضين.
  • الأدلة التاريخية التي تثبت عدم ترجمة الإنجيل في عصر النبي.
  • حادث مهم في حياة “جبر” يؤكد أنه المقصود في الآية.

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل 103)

والآن أخبركم من هو الشخص الذي كان الكافرون يقصدونه بقولهم إنما يعلّمه بشرٌ . لقد اختلفت الروايات في اسمه، ولكني أرى أن الرواية التي تقول إن اسمه «جبر» هي الأقرب إلى الصواب؛ ذلك لأن العبيد الآخرين الذين وردت أسماؤهم كانوا ممن أعلنوا إسلامهم، وكانوا يقابلون النبي جهارًا نهارًا دونما انقطاع، فلا مبرّر لأن يختار الكافرون واحدًا منهم فقط ليصوّبوا إليه أصابع الاتهام، بل لاتهموهم جميعًا لو أرادوا ذلك. فأرى أن هذا الشخص الذي كان منفردًا من بينهم هو جبر الذي أسلم متأخرًا جدًا. كان لا يحضر مجلس النبي ، بل كان النبي يمر عليه أحيانًا وهو يقرأ آيات من الإنجيل أثناء عمله السيوف، كما تذكر الرواية. ويبدو أنه كان يقرأ الإنجيل مندفعًا بحماسه الديني وهو يضرب الحديد لعمل السيوف، فكانت لغته الأجنبية تجتذب انتباه المارة، فكانوا يجتمعون حوله متفرجين. ويبدو أن الرسول أُعجب بحماسه الديني، فكان يقف عنده في بعض الأحيان، ليبلغه دعوة الإسلام، عسى أن يدفعه حماسه الديني للتفكر في مسائل الدين بجدية. فأشاع بعض من رأى النبيَّ عند الرجل أنه يعلّم النبيَّ؛ حيث تذكر إحدى الروايات المذكورة أعلاه أن الناس سألوه أو صاحبَه: هل أنت تعلِّم محمدًا؟ فقال: لا، بل هو يعلّمني.

هل يصدّق العقل أن يؤلف هؤلاء القرآن لمحمد، ثم يَنذروا من أجله أرواحهم تحت وطأة هذه المظالم البشعة؟ لا شك أن ثورة الغضب المؤقتة أعمت أبصار أهل مكة، فلم يبصروا الحقيقة، ولكن أليس في العالم المسيحي اليوم عينٌ تبصر الواقع ولسانٌ ينطق بالحق، فيرفع صوته احتجاجًا على هذا الاعتراض الغاشم الذي طالما ردده أعداء الإسلام؟

ويتضح من هذا الحوار أن هذا هو الشخص الذي أشار إليه الكفار. فرد الله عليهم بقوله:

لسانُ الذي يُلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ..

أي أنه لا يعرف اللغة العربية بتاتًا، أو أن معرفته بالعربية ضئيلة جدًّا بحيث لا يمكن أن يقال عنه إنه يعرفها، ولكن لغة القرآن الكريم عربية فصيحة، فكيف تبادلا الآراء والأفكار فيما بينهما يا تُرى؟ إن اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي كان بإمكانه أن يعلّم بها النبيَّ تعاليم دينه، ولكن لسان النبي عربي، ولسانه أعجمي، فكيف يستفيد العربي من معلومات الأعجمي؟
من الذي يمكن أن ينكر معقولية هذا الجواب؟ إنه معقول جدًّا.
والمعنى الآخر الذي يمكن أن تفسَّر به هذه الآية هو أن الشخص الذي يُتّهم بتعليم النبي لغته الأم عربية، ولكنه غير قادر على التعبير عما يريد قوله. ونظرًا إلى هذا المعنى أيضًا فإن جواب القرآن على الاعتراض قوي ومفحم تمامًا، إذ قيل: إن لسان القرآن واسع المعاني بحيث سمِّي بكل جدارة عربي مبين .. أي أنه بنفسه يرد على كل اعتراض أولاً بأول ردًّا واضحًا مقنعًا؛ فكيف يمكن لشخص بليد غير قادر على التعبير السليم عن خواطره أن يعلّم محمدًا هذه المعارف السامية التي جاءت فيها كل الدعاوي مصحوبة بأدلتها، والتي يجد فيها القارئ حلولاً مقنعة لجميع الإشكالات التي قد تتولد في ذهن الإنسان.
وهذا الجواب أيضًا يبلغ من القوة بحيث لا يحوم الشك حول صوابه ومعقوليته.
رب قائل يقول هنا: أليس من الممكن أن يقص ذلك العبدُ البليد على النبي حتى بأسلوبه الرديء أحداث الإنجيل، فيصوغها النبي بالعربية؟ والرد على هذا السؤال يكمُن في كلمة مبين ، ذلك أن هذا العبد لو كان يعلّم النبيَّ تلك الحقائق في شكلها الناقص فبأي وسيلة تمكَّنَ النبي من تحويلها إلى حقائق مُبِينة.. أي التي تشكّل بنفسها برهانًا على صدقها وحقّانيتها؟ هل من أحد في الدنيا يستطيع أن يحوّل الكذبَ أو الخطأ إلى حقيقة مدعومة بالبراهين بحيث يتضح صدقها كالشمس في رابعة النهار؟
ومن المسيحيين من يثير هذا الاعتراض بأسلوب آخر، ويقول: إن القرآن يدّعي أنه يحكي من كتب اليهود والنصارى أمورًا لم يكن لمحمد أن يطلع عليها لكونه أُمّيًّا، فثبت بذلك أن الله تعالى هو الذي أخبره بها؛ ولكن الواقع أن محمدًا كان يسمع من بعض العبيد المسيحيين روايات خاطئة لا ربط بين أحداثها ثم يضيفها إلى القرآن، ولا يتطلب هذا بالضرورة أن يسمعها مِن ذوي الذكاء الخارق. وبما أن القرآن قد سرد هذه القصص سردًا خاطئًا فثبت أن محمدًا قد سمعها من عبد بليد كهذا. فما يقوله القرآن لا يدفع عنه الاعتراض، وإنما يقوّيه أكثر!
وجواب ذلك هو أن الدعوى التي يعزوها المسيحيون هنا إلى القرآن الكريم لم ترد فيه في أي مكان. إن القرآن لا يعلن أبدًا بأنه ما دام قد ذكر أمورًا وردت في أسفار أهل الكتاب فثبت أنه من عند الله تعالى، وإنما يبرهن على صدقه بكونه يحوي حقائق ومعارف لا توجد حتى في أسفار أهل الكتاب. فمثلا قد أعلن الله قبل قليل في هذه السورة نفسها

تاللهِ لقد أرسَلْنا إلى أممٍ مِن قبلِك فزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم فهو وَلِيُّهم اليومَ ولهم عذابٌ أليمٌ* وما أنزلْنا عليك الكتابَ إلا لِتُبيِّنَ لهم الذي اختلَفوا فيه وهُدًى ورحمةً لقومٍ يُؤْمِنون (الآيتان: 64 و65).

فهذه الآية تحدثت أولاً عن بعث الرسل في الأمم السالفة ثم عن نزول القرآن الكريم، وإنها لم تقل إن القرآن ما دام يذكر ما ورد في كتب الأنبياء السابقين فثبت أنه من عند الله تعالى، بل تقول إن الناس أعرضوا عن الأسفار السابقة واتبعوا الشيطان، فوقعوا في شتى الاختلافات والنـزاعات، وقد جاء القرآن ليفصل فيما اختلفوا فيه، وليكشف الحقائق التي اختفت عن أعينهم.
فبعد هذه الدعوى الصريحة في القرآن كيف يصح الزعم بأن محمدًا كان يؤسس صدقه على ما كان يسمعه من بعض العبيد من قصص كتب الأولين!
ثم إن الآية التي نحن بصدد تفسيرها أيضًا تعلن أن فضل القرآن لا يكمُن في اقتباسه من كتب الأولين، بل لأنه مبين . ذلك لأن كون الكتاب مبينًا يتطلب أن يحتوي ذلك على معارف واسعة خفية عن الأعين، ويبين كل الحقائق مع أدلتها، ويرد على كل الاعتراضات بأجوبة مقنعة. ولا يمكن حتى لأذكى الأذكياء أن يساعد محمدًا في تأليف مثل هذا الكتاب، ناهيك أن يُتوقع هذا من ذلك العبد الذي يتهمونه بالتعلم على يده.
قد يقول البعض هنا: من الخطأ أن نعتبر ذلك العبد بليدًا جاهلاً، فقد يكون محمد يستعين بعالم كبير آخر. والحق أن الكُتّاب النصارى الذين اعتبروا «سرجيوس» معلّمًا للرسول إنما فعلوا ذلك للسبب نفسه، مما يدل على كونهم أذكى من الآخرين حيث أدركوا أن البيان القرآني حول القضايا المختلَف فيها بين الإسلام وأهل الكتاب أسمى من أن يؤلفه حتى أحد من المسيحيين ذوي الثقافة العالية، بَلْهَ ذلك العبد البليد، فاقترحوا شخصية وهمية باسم «سرجيوس»، قائلين: إنه كان راهبًا نسطوريًّا، وكان يعلّم محمدًا.
وبالرغم من أن الكتّاب النصارى الآخرين أنفسهم قد أبطلوا هذا الرأي بالأدلة التاريخية، إلا أنني أود الرد عليه من الناحية العقلية. الحق أن النصارى لا يسيئون بهذا الرأي إلا إلى ديانتهم، إذ يعني ذلك أن الصورة الحقيقية لأهل الكتاب إنما هي تلك التي يرسمها القرآن وإن كان بعض البشر قد ساعد محمدًا في رسمها! ألا يعني هذا، يا تُرى، بطلان ديانتهم؟ لأن غاية ما حصل هو أنهم اعترفوا ببطلان ديانتهم وإن تعللوا بأنهم قد جعلوا القرآن أيضًا عرضة للشكوك والظنون! ولكن الظن لا يغني من الحق شيئًا. فإن ما يعزونه إلى القرآن قد أعلن علماؤهم أنفسهم أنه ساقط عن الاعتبار، ثم إن رأيهم هذا لا يُبقي من ديانتهم شيئًا، لأنه بمثابة اعتراف منهم بأن كل ما ورد في القرآن من اختلاف مع أهل الكتاب إنما هو نتيجة بحث مستفيض قام به علامّة بحّاثة من خلال الفحص والتنقيب في المكتبات اليهودية والمسيحية، وكشف أخطاء ديانتهم الحالية. إن غاية ما يمكن أن يعلّلوا به أنفسهم هو أن يقولوا: ليست اليهودية ما تقدمه الكتب اليهودية الحالية كالتوراة وغيرها، بل ما يقدمه القرآن، وليست المسيحية ما تقدمه الأناجيل، بل ما يقدمه القرآن. أفلا يعني هذا تصديقهم للقرآن يا ترى؟
وثمة أمر آخر جدير بالذكر. ربما يقول البعض: لماذا تفسَّر جملةُ

لسان الذي يُلحدون إليه أعجميٌّ

بأن الشخص المشار إليه لا يعرف العربية أو لا يتقنها إتقانًا يمكّنه من التعبير السليم بها، ولم لا نفسرها بأن لغته الأم ليست عربية؛ وليس بمستحيل على مثل هذا الشخص أن يتعلم العربية فيما بعد إلى حد الإجادة، فيعلِّم محمدًا؟!
والجواب أن هذه الآية لا يمكن أن تفسَّر بهذا المعنى، لأن القرآن الكريم قد سجل في موضع آخر منه هذا الاعتراض مع الرد عليه، فثبت من ذلك أن هذه الآية لا تقصد ما ذهب إليه المعترضون، وأن القسيس «ويري» مخطئ في قوله بأن رد القرآن على هذا الاعتراض رد تافهٌ يزيد الطين بلةً. ذلك أن القرآن الكريم ما دام قد سبق أن تناول في سورة الفرقان السؤالَ الذي يستنتجه «ويري» وغيره من هذه الآية، وأجاب عليه هنالك جوابًا مفحمًا جدًّا، فكيف يمكن أن يعود ويجيب عليه هنا في سورة النحل جوابًا رديئًا؛ مع العلم أن «ويري» نفسه يعترف بأن سورة الفرقان أسبق نزولاً من سورة النحل، حيث كتب: إن آيات هذه السورة (أي الفرقان) هي من أوائل الوحي المكي لمحمد (تفسير القرآن لـِ «ويري» ج 3 ص 207)، بينما قال عن سورة النحل: إن جميع الشهادات الداخلية والخارجية تدفعنا لاعتبار هذه السورة من أواخر السور المكية (المرجع السابق ص 24). فكيف يمكن لعاقل أن يصدّق أن القرآن قد ردّ على هذا الاعتراض نفسه في سورة الفرقان ردًّا قويًّا، ولكنه بعد حوالي ست سنوات لم يستطع أن يرد عليه بالقوة نفسها؟ لو كانت سورة النحل أقدم نزولاً من سورة الفرقان لجاز لأحد القول أن محمدًا لم يستطع فيها الرد على الاعتراض جيدًا، غير أنه وجد الجواب المناسب فيما بعد في سورة الفرقان، ولكن المشكلة أن سورة الفرقان أسبق نزولاً من سورة النحل باعتراف الكتّاب المسيحيين أنفسهم!
وإيضاحًا للأمر أقدم الآن مقارنةً بين ما ورد بهذا الخصوص في سورة النحل وما ورد في سورة الفرقان. يقول الله تعالى في سورة الفرقان:

وقال الذين كفَروا إِنْ هذا إلا إِفْكٌ افترَاه وأعانَه عليه قومٌ آخَرون فقد جاءُوا ظلمًا وزُورًا * وقالُوا أَساطِيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها فهي تُملَى عليه بُكرَةً وأَصِيلا * قُلْ أَنزَلَه الذي يعلَم السِّرَّ في السماواتِ والأرضِ إنه كان غفورًا رحيمًا (الفرقان: 5 – 7).

قد ذكر القرآن هنا صراحةً الاعتراضَ الذي يحاول «ويري» استنتاجه من الآية التي نحن بصدد تفسيرها في سورة النحل، ويتضح من ذلك جليًّا أن ما أثاره أهل مكة في سورة النحل مختلف عما أثاروه هنا في سورة الفرقان. ذلك (أولاً) لأن سورة الفرقان تخبر أنهم اتهموا النبي بالتعلم على أيدي جماعة من الناس، بينما هنا في سورة النحل وجّهوا أصابع الاتهام إلى شخص واحد. و(ثانيًا) أن سورة الفرقان لم تحدد الجماعة المتهمة بتعليم النبي ، ولكن هنا في سورة النحل أشاروا إلى شخص معين معروف. و(ثالثًا) أن سورة النحل لم تحدد أي وقت لذلك، ولكن سورة الفرقان تذكر أن عملية التعليم هذه مستمرة بكرةً وأصيلاً. علمًا أن أصحاب النبي كانوا يجتمعون عنده في دار الأرقم بكرةً وعشيًّا لأداء الصلوات وتعلُّم القرآن (السيرة النبوية لابن هشام: ذكرُ مَن أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر). فظن المكيون لغبائهم أن بعض العبيد المسيحيين يجتمعون هناك مع الصحابة ليخبروهم أو يُملوا عليهم ما ورد في كتبهم، فيحفظه الصحابة بكرةً وعشيًّا. ما كان لهؤلاء الجاهلين أن يفكروا أن المسلمين إنما يلتقون هناك لأداء الصلاة، فظنوا أنهم يجتمعون للتخطيط والتآمر.
ولقد مررت شخصيًّا بتجربة مثلها، مما يكشف تمامًا حقيقة سوء الظن كهذا. فمنذ ما يقارب عشرين عامًا كنت في زيارة لمدينة لاهور. فجاء لمقابلتي الزعيم الآري الراحل الشهير «لاله رام بَهغَت» مع زعماء آخرين أحدهم محرر الجريدة السيخية المسماة «شير بنجاب». وتصادف أن كان لي محاضرة في المساء، فمكثوا عندي لسماع المحاضرة أيضًا. ومن كثرة اللقاءات والمشاغل طيلة النهار لم أتمكن من تحضير آيات الذكر الحكيم التي كنت أود الاستعانة بها في محاضرتي. فطلبتُ من العالم الجليل المرحوم الحافظ روشن علي – الذي كان طويل الباع في استخراج الآيات المطلوبة من القرآن الكريم بسرعة فائقة – أن يجلس على المنصة بجنبي حتى إذا أشرتُ إليه أثناء الخطاب إلى فحوى آية من الآيات أريد الاستدلال بها، قرأها عليّ. *
وبدأتُ الخطاب، وكلما أردتُ الاستدلال من آية قرأتُ على المرحوم بصوت خافت كلماتٍ من تلك الآية أو أشرت إلى فحواها فكان يقرأ عليَّ الآية كاملةً، فكنت أقرأ الآية وأكمل حديثي. وفي اليوم التالي كتب محرر الجريدة السيخية فيها: لقد حضرتُ المحاضرةَ التي ألقاها البارحة إمامُ جماعةِ قاديان. كانت جميلة فعلاً، غير أنني لما قمتُ بالتحري والتجسس وذهبت وراء المنصة تبين لي أن حضرة الإمام كان قد أخفى هناك عالمًا كبيرًا كان يملي عليه باستمرار الموضوعَ الذي خطب به.
فلم يزل الإخوة يضحكون بسبب هذه الطريفة لأيام كثيرة. ولما أُخبر محرر الجريدة بحقيقة الأمر ندم ندمًا كبيرًا، وقال: يا ويلتاه! كنت أظن أن ذكائي قد كشف سرًّا من الأسرار!!
يبدو أن هذا ما فعله بعض أهل مكة أيضًا الذين أرادوا أن يتباهَوا بذكائهم بين القوم. كان المسلمون لدى فراغهم من مشاغل الحياة اليومية يحضرون في دار الأرقم لأداء الصلاة وقراءة القرآن مع النبي بكرةً وعشيًّا، فقال الكافرون: لقد عرفنا السر، إنهم يجتمعون هنا لتأليف القرآن لأجل محمد.
والحق أن في قول الكفار هذا آية لأولي الألباب، إذ اعترف الكافرون أن القرآن الكريم يبلغ من السمو والعظمة بحيث يستحيل أن يؤلّفه شخص واحد، ومن أجل ذلك قالوا: هناك مجموعة من الناس يساعدونه وراء الكواليس في تأليف القرآن: بعضهم يمدّه بالأدلة العقلية، وبعضهم يزوّده بما ورد في صحف الأولين.
والآن أفصّل لكم ما أجاب به القرآنُ في سورة الفرقان على هذا الاعتراض.
يجب أن نضع هنا في الاعتبار أمرين: (أولاً): هل يمكن لهؤلاء المتهَمين القيامُ بما رُموا به؟ و(ثانيًا) هل يمكن لهذا الكلام الذي يقال أنه من تأليف هؤلاء العبيد أن يؤلفه بشر؟
لقد ردّ القرآن الكريم على السؤال الأول بقوله:

فقد جاءوا ظلمًا وزورًا ..

أي أن الطاعنين قد ارتكبوا ظلمًا عظيمًا حين اتهموا هؤلاء العبيدَ المساكين بذلك. أفلا يرون أن هؤلاء العبيد قد تعرضوا بسبب إسلامهم إلى أشد العذاب؟ فكيف يمكن أن يعلّم هؤلاء محمدًا القرآن، ثم يتحملوا من أجل هذا الكلام الملفَّق أنواع الاضطهاد ليل نهار. فمِنهم من نذروا للإسلام أرواحهم. ومنهم من استُخرجت حدقات عيونهم. وكان بينهم زوجان قتلهما الكفار أبشعَ قِتلةٍ حيث طعنوا الزوجة بحربة في فرجها فماتت أمام عيني زوجها، وربطوا قدمي الزوج ببعيرين ونفروهما في اتجاهين معاكسين فانقطع المسكين قطعتين!!. كما عذَّبوا ابنهما أشد العذاب. وطالبهما الكفار أثناء التعذيب مرارًا أن يكفرا بمحمد رسول الله حتى يُخلوا سبيلهما، ولكن الزوجين آثرا الموت على ترك الحق. (الإصابة تحت «سمية»، وتفسير الرازي). إنه سيدنا ياسر.. سيد الأحرار الذي كان يُدعى عبدًا. وكان هو الآخر من بين العبيد الذين اتُّهموا بتعليم النبي . هل يصدّق العقل أن يؤلف هؤلاء القرآن لمحمد، ثم يَنذروا من أجله أرواحهم تحت وطأة هذه المظالم البشعة؟ لا شك أن ثورة الغضب المؤقتة أعمت أبصار أهل مكة، فلم يبصروا الحقيقة، ولكن أليس في العالم المسيحي اليوم عينٌ تبصر الواقع ولسانٌ ينطق بالحق، فيرفع صوته احتجاجًا على هذا الاعتراض الغاشم الذي طالما ردده أعداء الإسلام؟
والجانب الآخر من السؤال هو: هل يمكن أن يكون هذا الكلام من تأليف هؤلاء العبيد؟ وقد رد عليه القرآن أن ما تسمّونه أساطير كتب الأولين فهي ليست قصصًا، بل هي أنباء أدلى بها عالم غيب السماوات والأرض.. أي فيها أخبار تتعلق بالمستقبل. والبديهي أن الإنسان لا يستطيع أن يعلم أخبار المستقبل ولا أن يخبر عنها. وأي شك في أن هذا الرد واضح وقوي جدًّا.
إذن فإن سورة الفرقان هي وحدها التي تتحدث عن طعن الكفار بأن مجموعة البشر يعلّمون محمدًا ، وقد ردت عليه ردًّا مفحمًا بحيث إن كل إنسان شريف لن يردد هذا الاعتراض مرة أخرى.
وأما سورة النحل فلا تعيد نفس الاعتراض، وإنما تتحدث عن اتهام الكفار عبدًا معينًا معروفًا بتعليم محمد . والحق أن ذلك العبد كان جاهلا باللغة العربية، وكل ما في الأمر هو أنه كان يردد فقرات من الإنجيل ربما باللغة اليونانية وهو منهمك في عمل السيوف؛ ولما رأى النبي حماسه الديني أخذ يقف عنده لتبليغ رسالة الله عسى أن يسمع منه كلمةً ترشده إلى الحق. ومن أجل ذلك نجد أن الكفار لما سألوه: هل أنت تعلّم محمدًا؟ قال: لا، بل هو يعلّمني. ولذلك يقول الله تعالى إن ذلك العبد الذي يوجهون إليه أصابع الاتهام أعجمي أي لا يعرف من العربية ما يستطيع به بيان موضوع علمي، بل غاية ما يمكن أن يساعد به النبيَّ هو أن يحفّظه عباراتٍ إنجيلية بالعبرية أو اليونانية، وفي هذه الصورة كان لا بد من وجود عبارات يونانية وعبرية في القرآن، ولكن القرآن الكريم كله بالعربية. وحيث إن ذلك العبد لم يكن قادرًا على ترجمة العبارات الإنجيلية إلى العربية، وما دمنا لا نجد في القرآن أية عبارات عبرية أو يونانية.. فمن هو المعلّم ومن هو المتعلم إذن؟
أليس هذا الرد القرآني ردًّا مقنعًا؟ هل هناك أي رد هو أقوى من هذا؟ الحق أنه لن يقول بتفاهته إلا من هو غبي أو من قد أعماه التعصب والعناد؟
ومما يجدر بالانتباه أن الرواية التي أراها أكثر انطباقًا هنا تذكر عبدين، لكنني قد تحدثتُ هنا عن عبد واحد هو جبر؛ وذلك لسببن: أوّلهما أنه يتضح من هذه الآية القرآنية أنهم كانوا يوجهون أصابع الاتهام إلى شخص واحد؛ وثانيهما أن هناك رواية أخرى تذكر عبدًا واحدًا، وهي التي ورد فيها أن الكافرين لما سألوه: هل أنت تعلّم محمدًا؟ قال: لا، بل هو يعلّمني. فالذي شكّوا فيه هو عبد واحد، وإن كان يشتغل معه هناك عبد آخر في عمل السيوف.
وثمة أمر آخر بالغ الأهمية ويمكن أن يرشدنا إلى الصواب وهو: أكانت التوراة والإنجيل قد تُرجما إلى العربية إلى ذلك الوقت أم لا؟ وهل كانت هذه الترجمة العربية متداولة بحيث يتسنى للعبيد العاديين قراءتهُا أثناء عملهم؛ إذ لولا ذلك لما كان بإمكان أولئك العبيد أن يستفيدوا من عبارات الكتب التي لغتها اليونانية أو العبرية، كما لم يكن النبي ليستفيد منها، إذ يخبرنا التاريخ أنه لم يكن بين المسلمين أحد يعرف اللغة العبرية إلا عبد الله بن سلام (مسلم: الحدود)، وأما اللغة اليونانية فلم يذكر التاريخ أن أحدًا منهم كان ملمًّا بها، بحسب معلوماتي.

الأحداث التي سردتها التوراة قد ذكر القرآن حولها معلومات جديدة لم يعلمها أي طائفة من اليهود أو النصارى، ويتأكد صدقها بالبحوث العصرية كل يوم، ومثاله إخبار القرآن أن جثة فرعون محفوظة، وأنه سيتم العثور عليها.

وفيما يتعلق بالأمر الأول فإن بحثي يؤكد أنه لم تكن التوراة والإنجيل قد تُرجما إلى العربية حتى ذلك الزمن. وما دامت ترجمة التوراة والإنجيل أيضًا غير موجودة فما بالك بتيسُّر ترجمة الكتب الهامشية مثل كتاب التلمود وغيره التي تذكر الرواياتِ اليهوديةَ. وإليكم الأدلة المؤيدة لموقفي:

1- لم يكن لدى أهل الكتاب عادةٌ لترجمة «الكتاب المقدس» حتى ذلك الوقت، وإنما اتجهوا إلى ترجمته في القرن الثالث عشر الهجري؛ ولذلك نجد المفسرين المسلمين – الذين حصّلوا كل علم من العلوم المعروفة ليستعينوا بها في تفسير القرآن الكريم – قد ذكروا عند الحديث عما ورد في أسفار أهل الكتاب رواياتٍ خرافيةً لا أثر لها في التوراة والإنجيل. ذلك لأنه لم تتيسر لهم ترجمتهما العربية. إذ لو كانت ترجمتهما متيسرة فلا يتوقَّع من الأمة التي درست واستوعبت فلسفة اليونان ومنطقهم أن لا تقرأها؟
2- كما يتضح من الروايات الإسلامية أن التوراة والإنجيل لم يكونا متوفرين عندئذ إلا باليونانية أو العبرية؛ فقد ورد في صحيح البخاري عن ورقة بن نوفل: «قد تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يكتب الكتابَ العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب» (البخاري: كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي).
لا شك أن هناك روايات أخرى تذكر أنه كان يكتب من الإنجيل بالعربية، ولكن لا مناص لنا مِن ترجيح هذه الرواية، لأنه لو كانت التوراة والإنجيل متوفّرَين بالعربية لوُجد بين العرب، إلى جانب ورقة بن نوفل، كثيرون آخرون يقرءونهما بالعربية. بل أرى أن هنالك احتمالاً كبيرًا أن يكون الراوي قد أخطأ وذكَر «العبرانية» مكانَ العربية، إذ لم تتوفر حينئذ إلا الترجمة اليونانية، وكانت الترجمة العبرية شبه منعدمة.
3- لم تكن حتى لدى القبائل اليهودية المقيمة بالمدينة حينئذ أية ترجمة عربية للتوراة، لذلك نجد أن النبي كلما احتاج إلى فحص أمر من التوراة استعان بالصحابي عبد الله بن سلام الذي كان عالمًا بالعبرية (مسلم: كتاب الحدود، باب رجم اليهود).
4- تؤكد لنا الأحاديث الشريفة أن سيدنا عمر كان بدأ تعلُّم العبرية لكي يستطيع قراءة التوراة والإنجيل (المشكاة: الإيمان).
5- وشهادة أحد الكتّاب المسيحيين تؤيد موقفي. يقول د. الإسكندر سوتر:

Arabic versions: These come partly directly from Greek partly through syriac and partly through Coptic. Mohammad himself knew the gospel story only orally. The oldest manuscript goes no further back than 8th century…. Two versions of the Arabic are reported to have taken place at Alexandria in the 13th century
(The text and cannon of the new testament، p. 74، Add. 1925)

فهو يكتب تحت عنوان «التراجم العربية للإنجيل» أن بعضها تمّت من النص اليوناني مباشرة، وبعضها من الترجمة السريانية، وبعضها من القبطية. وكانت أساس معرفة محمد بالأناجيل هو المعلومات الشفوية فقط. إن أقدم ترجمة عربية للإنجيل لا تعود إلى أبعد من القرن الثامن الميلادي- علمًا أن النبي وُلد في القرن السادس الميلادي- ثمة ترجمتان يقال أنهما تمتا بالإسكندرية في القرن الثالث عشر.
لقد اتضح من هذه البراهين أن الإنجيل لم يكن قد تُرجم حتى عصر النبي ، وأن الذين كانوا يريدون قراءته كانوا يقرؤون النسخ اليونانية أو العبرية. إذًا فلا يمكن القول أن ذلك العبد المسمى بـ «جبر» كان يقرأ التوراةَ والإنجيل بالعربية، ويخبر النبيَّ بمحتواهما. الواقع أنه كان يردد ما حفظه من عبارات إنجيلية باليونانية أو العبرية، فغاية ما يمكن أن يفعله النبي هو أن يحفظ بعض ما يتفوه به ذلك العبد من كلمات عبرية أو يونانية، ولكن ماذا سيجنيه من ذلك القدر يا تُرى؟
وأخيرًا أود هنا إبراز إشارة قرآنية لطيفة تؤكد أن ذلك العبد هو «جبر».
تتحدث الآيات التالية عن المرتدين، وهناك في حياة «جبر» حادث هام ذو صلة بأحد المرتدين. ذلك أن «جبر» كان مسلمًا في قلبه، ولكنه لم يجهر بإسلامه. ولما هاجر النبي إلى المدينة اختار عبدَ الله بن أبي سرح بين من اختاره مِن كَتَبةِ الوحي، ولكنه شك مرة في وحي القرآن وارتد عن الإسلام. ولما لحِق بالكفار بمكة أخبرهم أن «جبر» مسلم في الواقع، فأذاقوا «جبر» هذا صنوف الأذى لسنوات طويلة (الإصابة تحت «جبر»). ولقد ذكر الله تعالى بعد هذه الآية مباشرةً المرتدين، ليشير إشارة لطيفة إلى أن هذا العبد المتّهَم بتعليم النبي سوف يتعرض لمظالم الكفار بسبب أحد المرتدين.
هذا، وثمة أمور هامة أخرى بهذا الصدد ألخّصها فيما يلي للمنفعة العامة.
1- إن القرآن الكريم لم يختلف مع ديانة واحدة فحسب، بل اختلف مع الديانات كلها. فمِن أية ديانة كان ذلك الشخص «المعلِّم»؟ وهل كان يعلّم النبيَّ ضد دينه هو؟
2- لقد صحح القرآن أخطاء ارتكبتها التوراة في سرد أحداث التاريخ. فمثلاً أعلن أن هارون لم يشترك في عبادة العجل، كما برأ ساحة داود وسليمان ونوح من الكفر. وهي أمور قد اضطر كتّاب الغرب اليوم – بعد مرور 13 قرنًا على نزول القرآن – لتأييد موقف القرآن فيها، رافضين موقف التوراة. فهل كان باستطاعة عبد من العبيد أن يدل النبي على هذه الأخطاء التوراتية؟
3- إن الأحداث التي سردتها التوراة قد ذكر القرآن حولها معلومات جديدة لم يعلمها أي طائفة من اليهود أو النصارى، ويتأكد صدقها بالبحوث العصرية كل يوم، ومثاله إخبار القرآن أن جثة فرعون محفوظة، وأنه سيتم العثور عليها.
4- تؤكد الروايات أن حادث وقوف الرسول لدى هذا العبد وقع في السنة الرابعة أو الخامسة بعد إعلان دعواه ، فقد ورد فيها أنه كان يقف عنده في زمن المقاطعة الاجتماعية التي فرضها عليه الكفار. ولكن هناك سور من القرآن تتحدث عن المسيحية، مع أنها أسبق نزولاً من حادث المقاطعة هذا مثل سور الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء والفرقان وغيرها. يقول الصحابي ابن مسعود – وكان من أوائل المسلمين – عن هذه السور: «إنهن من العِتاق الأُوَل، وهن من تِلادي» (البخاري: كتاب التفسير والأنبياء).. أي أنها من السور القديمة التي نزلت أوائل البعثة والتي هي بمثابة مالٍ تليدٍ لي، إذ حفظتُها منذ فترة طويلة. وهذه السور كلها تذكر وقائع اليهود والنصارى بكثرة.