التاريخ: 2019-06-21

ذودا عن شرف النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِزاء المستشرِقين المتعصبِين وأَكاذيب كتب التراث

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • أم المؤمنين حضرة زينب بنت جحش (رضي الله عنها) الطولى يدًا.
  • الروايات الباطلة في كتب التراث باب واسع للطعن في شرف الإسلام والنبي r.
  • تعدد زيجات النبي r من وجهة نظر المحقق الموضوعي الصادق.
  • الغرض الأسمى من منظومة الزواج في شريعة الإسلام.
  • الحكمة من زواج النبي r بمطلَّقة متبناه.
  • قصة زيد بن حارثة صفحة وضاءة في تاريخ محو العبودية.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرّجيم.

بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم* الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ ، آمين.

كنتُ أتحدث في الخطبة الماضية عن حضرة زيد بن حارثة، وكان الحديث قد تطرق إلى السيدة زينب بنت جحش التي تزوجها النبي لاحقا. وقلت أيضا أن هناك أمورًا سوف أتناولها فيما بعد.

أم المؤمنين حضرة زينب بنت جحش (رضي الله عنها) الطولى يدًا

كان عمر السيدة زينب بنت جحش عند زواجها من النبي حوالي 35 عاما، وهو سن الكهولة أو سن متقدمة بحسب ظروف الجزيرة العربية.

كانت زينب جدَّ صالحةٍ تقيةٍ وسخيةٍ، وكانت هي الوحيدة من بين نساء النبي التي كانت تنافس السيدة عائشة- وقد تحدثت عن ذلك من قبل قليلا- ومع ذلك كانت السيدة عائشة تثني على زينب كثيرا بسبب محاسنها وورعها وتقواها، وكانت كثيرا ما تقول لم أر امرأة أكثر صلاحا وورعا من زينب، إذ كانت صادقة القول، وواصلة للرحم وكثيرة الصدقات وشديدة الحماس في أعمال البر والخير وقرب الله تعالى، غير أنها كانت سريعة الغضب، ومع ذلك كانت سريعة الندم أيضا بعد الغضب. وتروي السيدة عائشة عن سبق زينب في أعمال البر والصدقة فتقول: قال النبي مرة لزوجاته: إن أسرعكن لحاقًا بي (أي بعد وفاتي) أطولُكن يدًا. وتقول عائشة: فظننا أن النبي يشير إلى الطول الظاهري لأيدينا، لكن توفيت زينب بنت جحش قبلنا بعد وفاة النبي ، فعلمنا أن طول اليد كان يعني البر والصدقة، وليس الطول الظاهري لليد.

الروايات الباطلة في كتب التراث باب واسع للطعن في شرف الإسلام والنبي

وكتب حضرة مرزا بشير أحمد: وكما كان متوقعا فإن المنافقين أثاروا كثيرا من الاعتراضات عند زواج النبي من السيدة زينب، وقالوا علنًا طاعنين بأن محمدًا ( ) قد تزوج من طليقة متبناه، وكأنه قد أحل له زوجة ابنه. فلما كان هذا الزواج يستهدف القضاء على عادة العرب الجاهلية تلك فكان لا بد من التعرض لهذه المطاعن أيضا.

ولا بد من أن نذكر هنا أن ابن سعد والطبري وغيرهما قد أوردوا بصدد زواج زينب من النبي رواية باطلة لا أساس لها، وهذه الرواية تتيح فرصة الطعن في شخص النبي ، ولذلك قد ذكرها المؤرخون المسيحيون في كتبهم بشكل بشع لا يحتمل. وهذه الرواية هي أن النبي ذهب مرة إلى بيت زيد بحثًا عنه بعد زواجه من زينب بنت جحش، ومن المصادفات أن زيدا لم يكن بالبيت، فلما ناداه النبي من خارج الباب قالت زينب من الداخل إنه ليس بالبيت، ولأنها كانت قد عرفت صوت النبي فأسرعت إلى الباب فورًا وقالت: فِدى لك أبي وأمي يا رسول الله، تفضلْ بالداخل، ولكن النبي رفض الدخول ورجع.

إن أسرعكن لحاقًا بي (أي بعد وفاتي) أطولُكن يدًا. وتقول عائشة: فظننا أن النبي يشير إلى الطول الظاهري لأيدينا، لكن توفيت زينب بنت جحش قبلنا بعد وفاة النبي ، فعلمنا أن طول اليد كان يعني البر والصدقة، وليس الطول الظاهري لليد.

ويتابع الراوي أن زينب لما قامت مسرعة إلى الباب في عجلة لم يكن الخمار عليها وكان الباب مفتوحا، فوقع عليها نظر النبي ، فتأثر من جمالها، والعياذ بالله، ورجع وهو يردد: سبحان الله العظِیمِ سبحان الله مصرِّفِ القلوبِ. ولما رجع زيد بن حارثة إلى البيت حكت له زينب قصة مجيء النبي ، فسألها زيد فماذا قال النبي قالت رجع وهو يردد هذه الكلمات، وكنت دعوته إلى الداخل ولكنه أبى ورجع. فلما سمع زيد ذلك حضر إلى النبي وقال يا رسول الله لعلك قد أعجبتك زينب، ولو شئتَ طلَّقتُها لكي تتزوجها بعد ذلك. فقال النبي اتَّقِ الله ولا تطلقها. ثم یقول الراوي أن زيدًا طلق زينب بعد ذلك.

هذه هي الرواية التي قد نقلها ابن سعد والطبري وغيرهما بهذا الصدد، ومع أنه يمكن شرحها بما لا يكون مثارا للاعتراض مطلقا، ولكن الحقيقة أن هذه الرواية وهذه القصة باطلة تماما روايةً ودرايةً. أما روايةً فيكفي أن نعلم أن هذه الرواية قد وردت عموما بواسطة الواقدي وعبد الله بن عامر الأسلمي، وكلاهما من ضعفاء الرواة غير الموثوق بهم مطلقا حتى إن الواقدي شهير بكذبه وتلفيقه بحيث لا يوجد له نظير في الكذب والتلفيق بين الرواة المسلمين.

وعلى النقيض فإن الرواية التي ذكرها حضرة مرزا بشير أحمد يقول عنها: إن الرواية التي اخترناها ورد فيها أن زيدا جاء النبي يشكو إليه سوء معاملة زينب له. وقد ذكرتُ هذه الرواية في الخطبة المنصرمة حيث قال النبي لزيد اتق الله وأمسكْ عليك زوجك ولا تطلقها. وهذه الرواية وردت في صحيح البخاري الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله عند الأصدقاء والأعداء جميعا فيما يتعلق بذكر التاريخ الإسلامي الصحيح، ولا أحد يجرؤ على التسرُّع بالطعن فيما ورد فيه؛ أي في صحيح البخاري.

فمن حيث أصول الرواية، فإن قيمة هاتين الروايتين واضحة وبينة وكذلك لو تأملنا منطقيا لا يبقى شك في كون رواية ابن سعد وغيره خاطئة؛ لأنه من المسلّم به أن زينب كانت ابنة عمة النبي حتى إن النبي نفسه زوّجها من زيد بصفته وليها، ومن ناحية أخرى لا يمكن إنكار أن النساء المسلمات ما كُنَّ يلبسن الحجاب إلى ذلك الحين، وإنما نزلت التعاليم الأولى عن الحجاب بعد زواج النبي من زينب، ففي هذه الحال يكون القول بأن النبي ، كما لو أنه لم يكن رأى زينب من قبل ووقع نظره عليها صدفة في ذلك الوقت فشغفته حبا، إنما هو كذب صريح وبديهي البطلان ولا حقيقة له أكثر من ذلك، لا شك أنه كان قد رأى زينب من قبل آلاف المرات وكان يعرف حسنها وقبحها، ولا فرق فيما إذا كان رآها بالخمار أو بدونه، لأنها كانت قريبته، ولم يكن حكم الحجاب قد تأصَّل بعد، وكان يلقاها كل حين فالأغلب أنه يكون قد رآها بغير الخمار أيضا، وقول زينب للنبي أن يدخل البيت يُظهر أنها كانت ترتدي ثيابا كافية حتى تمثل أمام النبي . فمن أي زاوية نظرنا وجدنا أن هذه القصة باطلة ومخترعة لا حقيقة لها بتاتا. ومع هذه الأدلة لو وضعنا أمامنا حياة النبي المتصفة بكمال الطهارة والزهد اللذين كانا ظاهرين في جميع أعماله فلا تبقى أي مصداقية لهذه الرواية الواهية والتافهة، ولذلك قال المحققون عن هذه القصة أنها باطلة ومحض افتراء. مثلا قال العلامة ابن الحجر في فتح الباري والعلامة ابن كثير في تفسيره والعلامة الزرقاني في شرح المواهب بكل وضوح أن هذه الرواية باطلة ورأوا مجرد ذكرها منافيا للصدق. وهذا هو حال الباحثين الآخرين. وليس الباحثون فقط بل كل من لم يُعمِهِ التعصب سيفضل ما كتبه مرزا بشير أحمد بناءً على القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، وسيرجحه على هذه القصة الزائفة البيان، وقد اخترع هذه القصة بعض المنافقين ورووها، وسجّلها المؤرخون المسلمون في كتبهم بلا تحقيق، لأن عملهم كان مقتصرا على جمع كل نوع من الروايات. ثم أخذ منها المؤرخون غير المسلمين ولطَّخُوا بها كتبهم بسبب تعصبهم الديني. لا بد أن نتذكر بصدد هذه القصة المخترَعة أن مرزا بشير أحمد كتب في كتابه «سيرة خاتم النبيين » أن ذلك الزمن الذي دارت فيه أحداث هذه القصة من تاريخ الإسلام، كان وقت بلغ فيه المنافقون أَوْجَ نشاطهم، وحاكوا مؤامراتهم بصورة منظمة تحت قيادة عبد الله بن أبي بن سلول لكي يشوّهوا سمعة الإسلام ومؤسسه وكان طريقهم أنهم كانوا يخترعون قصصا كاذبة وينشرونها سرا، أو كان يحدث شيء لا غبار عليه إلا أنهم كانوا يذكرونه بصبغة أخرى مختلفة بإضافة أنواع الأكاذيب عليه، ثم كانوا ينشرونه خفية. فلأجل ذلك ورد ذكر منافقي المدينة خاصة في سورة الأحزاب مع ذكر زواج زينب من النبي ، فلقد أشار الله تعالى إلى مكايدهم الشريرة هذه فقال:

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 61)

أي إن لم يتوقف هؤلاء الذين ينشرون الأخبار الكاذبة والمثيرة للفتن من أفاعيلهم هذه فسنأذن للنبي باتخاذ الإجراءات ضدهم وبالتالي فلن يبقوا في المدينة إلا قليلا.

فمن أي زاوية نظرنا وجدنا أن هذه القصة باطلة ومخترعة لا حقيقة لها بتاتا. ومع هذه الأدلة لو وضعنا أمامنا حياة النبي المتصفة بكمال الطهارة والزهد اللذين كانا ظاهرين في جميع أعماله فلا تبقى أي مصداقية لهذه الرواية الواهية والتافهة، ولذلك قال المحققون عن هذه القصة أنها باطلة ومحض افتراء…

لقد أشير في هذه الآية بشكل صريح إلى بطلان هذه القصة. ثم ذكر لاحقًا في هذه السورة الواقعة الخطيرة التي حدثت في تلك الفترة نفسها، أي واقعة الإفك ضد عائشة رضي الله عنها، إذ رَوَّجَ عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الخونة هذه الفِرْيَة بين المسلمين، حتى أن بعض ضعاف المسلمين والسُّذَّج راحوا ضحية هذه الشائعة القذرة.

باختصار كان ذلك الزمن هو زمن نشاط المنافقين وكان شغلهم الشاغل آنذاك نشر الأباطيل والأكاذيب القذرة ضد النبي وضد من كانوا على علاقة معه، وكانت مثل هذه الأخبار تُشاع بحذر شديد بحيث لم تكن تتاح للنبي وصحابته أحيانًا فرصة الرد عليها لعدم علمهم بها بشكل تفصيلي، وبالتالي كانت هذه السموم تتسلل بشكل خفي. وفي هذه الحال أصبح بعض المسلمين، الذين لم يكونوا معتادين على التدقيق والفحص كثيرًا، ينقلون تلك الروايات ظنًّا منهم أنها صادقة وحقيقية. ولقد اشتهرت مثل هذه الروايات عند مجموعة من المسلمين أمثال الواقدي وغيره، ولكن كما ذكر فإنها ليس لها أثر في الصحاح، كما لم يقبلها المحققون.

لقد قبل السير وليام ميور رواية الواقدي الملفقة والباطلة بخصوص قصة زينب بنت جحش، مع أنه كان يُتَوقع منه أن يُعْمِلَ عقله بشكل أفضل، وإضافة إلى ذلك وجّه طعنًا شنيعًا إلى النبي حيث قال بأنه على تقدمه في العمر ظلت أهواؤه النفسية أيضا تزداد وتتفاقم، والعياذ بالله. (لقد كان هو خصما وتُتَوقع منه الإساءة، ولكنه إن وجد عند المسلمين مثل تلك الرواية فلا بد أنه يجدها فرصة سانحة للطعن) ويرى وليام ميور كثرة عدد زوجات الرسول نابعًا عن هذه العاطفة المذكورة نفسها، أي أهواؤه النفسية، والعياذ بالله.

تعدد زيجات النبي من وجهة نظر المحقق الموضوعي الصادق

كتب مرزا بشير أحمد قائلا: إنني أذكر هذا الأمر بصفتي مؤرخًا دون الخوض في النقاشات الدينية، ولكن لا بد من القول أنه إذا استنتج أحد أمرا ما بعد تناوله الوقائع التاريخية بمنهج خاطئ وسيئ فلا أستطيع منع نفسي من رفع صوتي ضد هذا المنهج الظالم.

إنه لأمر تافه ترفضه الحقائق العقلية والتاريخية إضافة إلى أنه لا تستسيغه المشاعر الدينية، وهو يتنافى مع قدسية النبي التي لا يتردد كل مسلم ومؤمن حقيقي أن يضحي بحياته دونها. يقول حضرة مرزا بشير أحمد :

لا شك أنه في هذه الحقيقة التاريخية أن النبي قد تزوج أكثر من مرة، ولا شك في هذه الحقيقة التاريخية أيضا أنه تزوج بجميع زوجاته، ما عدا خديجة، وقد بلغ سنا متقدمة، وعليه فإن الزعم، بدون أية شهادة تاريخية صريحة وواضحة، بأنه تزوج بزوجاته كلهن بدافع أهوائه الجسدية، لهو زعم بعيد عن الصدق كل البعد ولا يقبله مؤرخ محايد بل يستبعده طبع أي إنسان شريف ونبيل. لم يكن خافيا على وليام ميور أن النبي تزوج في الخامس والعشرين من عمره من أرملة في الأربعين من عمرها، وأحسن معاملتها بكل إحسان ووفاء إلى أن بلغ الخمسين من عمره، وبعدها أيضا لم يتخذ إلى الخامسة والخمسين من عمره إلا زوجة واحدة أخرى وهي أيضا كانت أرملة في سن الكهولة، أي السيدة سودة، ولم يخطر بباله خلال هذه المدة وفي تلك السن، التي تُعدّ سنًّا تتميز بثورة الجذبات النفسية، أن يتزوج زواجًا آخر. ولم يكن وليام ميور جاهلا أيضا بتلك الواقعة التاريخية أنه حين انزعج أهل مكة من مساعيه التبليغية واعتبروه مخرّب دينهم القومي فقد أوفدوا إليه عتبة بن ربيعة والتمسوا من النبي بإلحاح شديد أن يكف عن مساعيه هذه، فطمّعوه في الثروة والملك، كما عرضوا عليه عرضًا آخر وهو أنه إذا أراد أن يتزوج من أحسن نساء العرب فليختر امرأة من نساء العرب ليزوجوه بها، على ألا يقبّح دينهم ولا يبشر بدينه الجديد. ولم يكن سنّه في ذلك الوقت كبيرًا، وكانت قوته البدنية أفضل بكثير من الزمن اللاحق، ولكن الرد الذي رد به النبي على مندوب رؤساء مكة هو أيضا صفحة مفتوحة من التاريخ ولا حاجة إلى تكراره؛ كما أن وليام ميور لم يكن غافلا عن الواقعة التاريخية التي تُبرِز أن أهل مكة كانوا يعتبرون النبي قبل البعثة، أي إلى الأربعين من عمره، أفضلهم أخلاقًا. ولكن رغم كل هذه الشهادات إذا تكلم وليام ميور عنه أنه حين بلغ الخامسة والخمسين من عمره حين أخذت قواه البدنية تضعف طبعًا، وحين تضاعفت مهماته ومسؤولياته إلى درجة أنْ أصبحت أكثر وأزيد من أي شخص مشغول في العالم؛ فإنه في هذه السن مال إلى التمتع بالملذات الدنيوية!!! لا شك أن مثل هذا البيان يعد مليئًا بالتعصب والعداء.

يمكن للمرء أن يقول ما يشاء ولا يسع الناس إلجام لسانه ومنع قلمه من ذلك، ولكن ينبغي للعاقل ألا يقول كلامًا يرفضه العقل السليم ولا يمكن بحال أن يقبله. لو أزال السيد ميور ومن كان على رأيه غشاوةَ التعصب من على أعينهم لعلموا أن النبي قد تزوج كل هذه الزيجات في سن الشيخوخة، وهذا دليل كاف على أنها لم تكن لإشباع الرغبات النفسية بل كان وراءها أهداف أخرى، ولا سيما إذا رأينا أن هناك حقيقة أخرى ثابتة تاريخيًا تؤكد أن النبي قضى فترة شبابه بسيرة نال بها بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء لقب «الأمين».

يقول مرزا بشير أحمد : كل من يقرأ هذه الحقيقة ويكون مطلعا على التاريخ يقول معبرًا عن مشاعره أنه يتمتع بسرور روحاني لما يقرأ أن النبي تزوج كل هذه الزيجات في عمر كان كاهله مثقلا فيه أكثر من أي وقت مضى بمهام النبوة ومسؤولياتها، وكان يتفانى في أداء هذه المسؤوليات الجسيمة التي لا حصر لها، إن هذا المنظر يشكل دليلا قويًّا لكل إنسان نبيل وشريف على أن هذه الزيجات كان جزءًا من مسؤولياته النبوية، ولم يُقدِم عليها النبي إلا لتحقيق أهداف التبليغ والتربية.

صاحب النية الخبيثة يبحث عن الأمور السيئة في الآخرين، وبسبب حالته القذرة لا يستطيع أن يفهم في أحيان كثيرة نية الآخرين الصالحة وراء أعمالهم، ولكن يعلم النبيل هذا الأمر جيدًا ويفهم أن المرء السيئَ يمكنه أن يفعل فعلا من الأفعال بنية سيئة في حين أن الصالح يمكنه أن يقوم بالفعل نفسه بنية صالحة.

الغرض الأسمى من منظومة الزواج في شريعة الإسلام

ثم ينبغي أن يكون واضحًا أن الإسلام لم يذكر أن الغرض من الزواج اجتماع الرجل والمرأة لإشباع الأهواء النفسية فقط، بل لا شك أنه شُرع النكاح لاجتماع المرأة والرجل لبقاء النسل الإنساني ولكن هناك أغراض نبيلة وطاهرة أخرى أيضا كامنة فيه.

فالميل إلى أفكار قذرة على شاكلة أناس قذرين عند البحث في أسباب زيجات إنسان طاهر كانت كل لحظة في حياته دليلا على طهارته وعفته وإنكار الذات. لا يضر بالإنسان الطاهر شيئا، بل يعكس بجلاء خبث المعترض. يقول مرزا بشير أحمد: لا أستطيع أن أقول ردًّا على هذا الاعتراض أكثر من: والله المستعان على ما تصفون!

باختصار كان ذلك الزمن هو زمن نشاط المنافقين وكان شغلهم الشاغل آنذاك نشر الأباطيل والأكاذيب القذرة ضد النبي وضد من كانوا على علاقة معه، وكانت مثل هذه الأخبار تُشاع بحذر شديد بحيث لم تكن تتاح للنبي وصحابته أحيانًا فرصة الرد عليها لعدم علمهم بها بشكل تفصيلي، وبالتالي كانت هذه السموم تتسلل بشكل خفي.

الحكمة من زواج النبي بطليقة متبناه

لقد ذكر الخليفة الثاني للمسيح الموعود في إحدى خطب النكاح نقطة تتعلق بنكاح النبي زينب والزواج بها، وأقرأها عليكم، يقول حضرته: لقد زوّج النبي بنت عمته من زيد، ولا نستطيع القول بأنه لم يستخر الله تعالى بهذا الشأن، ولم يدع الله تعالى ولم يتوكل عليه، بل لا شك أن النبي قد فعل كل هذا حتما، فلا بد أنه قد استخار الله ودعا، مع كل ذلك لم يثمر الله تعالى جهوده. فالسبب الرئيس وراء ذلك هو أن الله تعالى يريد أن يظهر على الناس بأنه ليس للنبي أولاد ذكور سواء من صلبه وفق قانون القدرة الإلهية أو بحسب العُرف السائد آنذاك أي بالتبنّي؛ لأن مثل هذا الولد كان يعدّ ولدا للمرء بحسب العرف السائد. لم يكن للنبي أولاد ذكور بحسب القانون الإلهي، إلا أنه كان له ولد ذكر متبنًى، أي زيد، بحسب قانون البلد ووفق الأعراف السائدة آنذاك، وكان الناس يسمونه ابن محمد. ومن خلال زواج زينب من النبي أخبر الله تعالى بأن الأولاد الحقيقيين للإنسان هم الذين يولدون له وفق قانون القدرة الإلهية، أي إنهم أولاده من صلبه، أما الأولاد بحسب قانون البلد فليسوا أولادًا حقيقيين، وعليه فإن الأولاد بالتبني ليسوا أولادًا حقيقيين للإنسان ولا تنطبق عليهم قوانين الشريعة المتعلقة بالأولاد الحقيقيين. وكان السبيل الوحيد لإقامة هذا الأمر وترسيخه أن يتزوج النبي من طليقة زيد. فلم يمحُ الله تعالى الخلافات بين زيد وزوجته. لو شاء الله تعالى لزال الجفاء بينهما. فعلى الرغم من أن النبي قد استخار الله تعالى ولا بد أنه دعا كثيرا وتوكّل على الله وبذل سعيًا كثيرًا مع كل ذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يطلق زيد زوجته ثم يتزوج منها النبي وذلك ليثبت أن الأولاد بحسب قانون البلد ليسوا كأولاد يولدون بحسب القانون الإلهي.

كانت هذه أيضا نقطة لطيفة ذكرها الخليفة الثاني من بين الحكم الكامنة وراء هذا الزواج.

قصة زيد بن حارثة صفحة وضاءة في تاريخ محو العبودية

كتب مرزا بشير أحمد في كتابه «سيرة خاتم النبيين » عن تعامل النبي مع العبيد المحررين كما يلي:كان دأب النبي من أجل إصلاح أفكار الناس القديمة الفاسدة أنه كان يهتم أكثر من الناس العاديين بمن كان يتمتع بكفاءة ما من العبيد ومن بعض المحررين منهم، فقد أمّر عبده المحرر زيد بن الحارثة وابنه أسامة بن زيد في بعثات كثيرة، وجعل بعض كبار صحابته تحت إمارتهما، فلما طعن في ذلك بعض الناس بناء على أفكارهم القديمة قال النبي :‏

«إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بعْدَهُ» (صحيح البخاري، كتاب المغازي)

لقد خضعت أعناق الصحابة أمام هذا الأمر النبوي الذي كان يحمل روح مساواة الإسلام الحقيقية، واستوعبوا جيدًا أن كون الإنسان عبدًا أو ابن عبد أو انتماءه الظاهري إلى طبقة المنبوذين لا يحول دون رقيه، والمحك الحقيقي لاختبار الناس هو التقوى والكفاءة الذاتية. وما أدلّ على ذلك من أن النبي زوّج بنت عمته زينب بنت جحش من زيد بن حارثة، والعجيب أنه لم يرد في القرآن الكريم ذكر اسم أي صحابي سوى زيد بن حارثة.

كتب حضرة مرزا بشير أحمد مزيدًا حول تحرير العبيد على الطريق الإسلامي فيقول: نرى من بين الذين أعتقوا على الطريقة الإسلامية عددًا كبيرًا أحرزوا رقيا عظيما في جميع الميادين، ونالوا شرف كونهم قادة المسلمين في مختلف مجالات الحياة. كان زيد بن حارثة من العبيد، وكان من الصحابة الذين أعتقوا إلا أنه أحرز كفاءة عالية في نفسه بحيث أمّره النبي في بعض مهماته الإسلامية أي عينه أمير الجيش كله وجعل كبار صحابته تحت إمرته، حتى إنه جعل تحت إمرته القادة الناجحين مثل خالد بن الوليد .لقد حضر زيد مع النبي غزوة بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر، وكان يعدّ من الرماة المهرة للنبي . فلما أراد النبي الخروج لغزوة المريسيع، وهو اسم ثان لغزوة بني المصطلق والتي وقعت بحسب السيرة الحلبية في شعبان من سنة 5 للهجرة، أمّر زيدًا على المدينة.

عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول الله سبع غزوات، وخرجَت فيما يُبعث من البعوث تسع سرايا، وأمّر فيها النبي علينا أسامة بن زيد.

وعن السيدة عائشة قالت: ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه أي لأمّره أيضا.

يكتب مرزا بشير أحمد في كتابه سيرة خاتم النبيين عن غزوة سفوان التي يطلق عليها اسم غزوة بدر الأولى أيضا والتي حدثت في جمادى الآخرة عام 2 للهجرة فيقول:ولم يُقِمْ رسول الله بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة الذي كان على بعد ثلاثة أميال فأخذ معه إبل المسلمين وفرّ. فلما علم النبي خرج في طلبه مع فئة من المهاجرين واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر فلم يدركه، يطلق عليها اسم غزوة بدر الأولى كما تقدّم.

أما غزوة العشيرة فأخبركم عنها باختصار، إن النبي لما علم بنوايا قريش الخبيثة خرج من المدينة حتى بلغ عند ساحل البحر مكانًا يسمى بالعشيرة ليس للحرب مع قريش بل عقد هناك معاهدة السلام مع بني مدلج على بعض الشروط. وبعدها عاد إلى المدينة. كان اسم المكان الذي ذهب إليه «العشيرة»، لأنه كان سمع أن الكفار يجتمعون هناك لتشكيل جيش فرأى أن يقابلهم هناك، ولكن لم يحدث أي قتال إلا أنه عُقدت اتفاقية السلام مع إحدى القبائل نتيجة هذا السفر.

لأوضّح هنا الفرقَ بين الغزوة والسريّة، لأن البعض لا يعرفون ذلك، فالغزوة هي المهمة التي اشترك فيها النبي بنفسه، والسريّة أو البعثة هي المهمة التي لم يشترك فيها النبي . وليس ضروريا أن تكون الغزوة أو السرية من أجل القتال بالسيف فقط بل كل سفر قام به النبي في حالة الحرب يُسمى الغزوة وإن لم يكن ذلك بوجه خاص، ثم اضطُر إلى القتال، وكذلك السرية، لم تكن كل غزوة أو سرية من أجل القتال، وكما ذكرتُ في غزوة العشيرة أيضا أنه لم يحدث فيها أي قتال.

حين انتهت معركة بدر وبدأ النبي سفره إلى المدينة أرسل زيد بن حارثة إلى المدينة لكي يبشّر أهلها بالنصر، فذهب زيدٌ قبل النبي إلى المدينة وبشّرهم بالنصر، ففرح للغاية الصحابةُ الذين كانوا في المدينة بانتصار المسلمين العظيم، وفي الوقت نفسه شعروا ببعض الأسف لعدم اشتراكهم في هذا الجهاد العظيم وحرمانه من ثوابه، فهذه البشرى أزالت الحزن الذي كان يشعر به أهل المدينة عموما وعثمان خصوصا بسبب وفاة رقية بنت الرسول قبيل مجيء زيد بن حارثة. وكان النبي قد تركها مريضة وخرج لمعركة بدر ولذلك لم يستطع عثمان أن يشهد معركة بدر.

لو أزال السيد ميور ومن كان على رأيه غشاوةَ التعصب من على أعينهم لعلموا أن النبي قد تزوج كل هذه الزيجات في سن الشيخوخة، وهذا دليل كاف على أنها لم تكن لإشباع الرغبات النفسية بل كان وراءها أهداف أخرى، ولا سيما إذا رأينا أن هناك حقيقة أخرى ثابتة تاريخيًا تؤكد أن النبي قضى فترة شبابه بسيرة نال بها بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء لقب «الأمين».

كتب مرزا بشير أحمد عن سريّة زيد بن حارثة التي بُعث فيها إلى موضع «القردة» جمادى الثانية من العام الثالث للهجرة: حين وجد المسلمون نفَسا من هجمات بني سليم وبني غطفان اضطروا إلى أن يخرجوا من أجل إزالة خطر آخر، كان أهل قريش يذهبون إلى الشام عن طريق الساحل عموما لتجارتهم في الشمال ولكن الآن تركوا هذا الطريق لأن أهل قبائل هذه المنطقة كانوا قد أصبحوا حلفاء المسلمين ولم يعد لقريش فرصة ليقوموا بأي شرّ بل كانوا يرون هذا الطريق الساحلي خطيرا عليهم، لذا تركوا هذا الطريق واختاروا الطريق النجدي البالغ إلى العراق الذي كان عليه القبائل الحليفة لقريش وأعداء أشداء للمسلمين. أيْ كان في الطريق الأول قبائل متحالفة مع المسلمين وفي هذا الطريق كان القبائل الذين كانوا حلفاء قريش وكانوا أعداء أشداء للمسلمين مثل قبائل سُليم وغطفان. فبلَغ النبيَّ في الجمادى الثانية أن قافلة تجارية لقريش تمر بالطريق النجدي، ومن البديهي أنه لو كان مرور قوافل قريش بطريق الساحل يشكل خطرا على المسلمين فكان مرورهم بالطريق النجدي أيضا خطيرا بل كان خطيرا أكثر لأن في هذا الطريق كان حلفاء قريش الذين كانوا يريدون قتل المسلمين مثل قريش، وكان من الممكن أن يجتمعوا مع قريش ويشنّوا هجوما على المدينة سرًّا بكل سهولة أو يقوموا بنوع من الشرّ والفتنة، وكذلك كان ضروريا لإضعاف قريش وإجبارهم على الصلح أن تُوقَف قوافلهم على هذا الطريق أيضا، لذا بعد وصول هذا الخبر أرسل النبي فورا كتيبة من صحابته بقيادة زيد بن حارثة. كان في هذه القافلة التجارية رؤساء قريش مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية. لقد أدى زيدٌ واجبه بكل كفاءة وذكاء، ولحق بأعداء الإسلام هؤلاء في القردة بنجد ففزعت عير قريش من هذا الهجوم المباغت فتركوا أموالهم وهربوا، وعاد زيد وأصحابه إلى المدينة ناجحين مع كثير من الغنائم. كتب بعض المؤرخين أن شخصا يُدعى «فرات» كان دليلَ عير قريش وكان قد أُسر على أيدي المسلمين وأُطلق سراحه لأنه أسلم. ولكن يتبين من بعض الروايات الأخرى أنه كان جاسوس المشركين ضد المسلمين ولكنه أسلم فيما بعد وهاجر إلى المدينة. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: عاد زيد بن حارثة من سرية وكان النبي في بيتي، فطرق زيد الباب فاستقبله النبي وعانقه وقبله. وبحسب بعض الروايات حين أراد النبي الخروج إلى بني المصطلق ولّى زيد بن حارثة على المدينة. وفي غزوة الخندق في شعبان السنة 5 للهجرة كانت راية المهاجرين في يد زيد بن حارثة . لعل هذا الذكر يستمر أكثر.