الغضب نصف الجنون
التاريخ: 20160923

الغضب نصف الجنون

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • التعاليم الإسلامية والعمل بها
  • الأسرة معمل اختبار التعاليم الصالحة
  • الإنفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان أخلاق إسلامية
  • الغضب مضاد للحكمة
  • الصبر علاج سرعة الغضب
  • العفو والحكمة المرجوة منه
  • الإفراط في العفو والإفراط في العقاب
  • حدود العفو، وأمثلة من عفو النبي صلى الله عليه وسلم.
  • توصيا ت المسيح الموعود حول الخلق الحميد والعفو.

__

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

قال النبي وهو يبين علامة المؤمن الحقيقي: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. (صحيح البخاري، كتاب الإيمان) هذا مبدأ توجيهي يضع أساس الحب والوئام والصلح في العالم على جميع المستويات بدءا من البيت ووصولا إلى العلاقات العالمية، ويزيل الخلافات ويخلق اللين في القلوب ويوجِّه إلى أداء حقوق بعضهم البعض. قد قدّمتُ هذا التعليم أمام غير المسلمين في عدة مناسبات فتأثروا جدّا، ولكن ليس هدفنا أن نخبر الناس تعليما جميلا لكي يتأثّروا فحسب، بل هو أن نُثبت للعالم جمال هذا التعليم وجميع التعاليم الإسلامية من خلال عملنا. ويمكن أن يسألنا غيرنا أن هذا التعليم جميلٌ ولكن كم منكم يعمل به ولا يبدون الأنانية في أي مناسبة؟

الغضب والحكمة لا يجتمعان في مكان واحد. إن عقل شخص سريع الغضب يكون سطحيا وفهمه غير حديد. ولا يُعطى الغلبة والنصرة في أيّ موطن. الغضب نصف الجنون، وعندما يستشري أكثر يمكن أن يصبح الجنون كله.”

لا يظهر جمال شيء ما لم يعمل به قائله، فلن يعرف الناس ميزتنا البارزة ما لم يتطابق عملنا مع قولنا. لا يكتفي الناس بسماع الكلام فقط، بل يراقبوننا أيضا.
لعلّى كنت قد ذكرت في خطبة الجمعة الأخيرة التي ألقيتُها أثناء زيارتي الحالية لألمانيا أنه عند افتتاح مسجد في ألمانيا اعترض المفوّض في تلك المحافظة أنكم بعدم مصافحتكم المرأةَ تُسيئون إليها، فحين أجبتُه بالتفصيل قال أحد الأشخاص بعد ذلك عند إظهار انطباعاته: حسنا، من حق كل إنسان أن يتمتّع بالحرية ويعمل بما يطلب منه دينه وتقاليده ما دام لا يتضرّر به البلد وعامة الناس، ولكن هذا قول خليفتكم فقط، سيتبيّن حقيقة هذا القول حين سنرى إذا كان الشباب الأحمديون أو معظمهم يعملون به أم لا.
إذًا، حين نتحدث عن أي حكم أو أخلاق عظيمة في الدين ينظر الآخرون إلى مدى عملنا بها أيضا. لا يسع أحدا إنكار ما قاله النبي – من أجل إقامة الأخلاق العظيمة للمؤمن الحقيقي- وهو أنكم لن تكونوا مؤمنين حقيقيين ما لم تكن أخلاقكم عظيمة وما لم يكن مستوى عواطفكم ومشاعركم ببعضكم البعض عظيما، وما هو ذلك المستوى يا ترى؟ هو أن تحبوا للآخرين ما تحبون لأنفسكم، وليس أن تنادوا بالإنصاف من أجل حقوقكم أما عند إعطاء حقوق الآخرين فتُظهروا سلوكا سلبيا. فكما نقلق لنيل حقوقنا كذلك يجب أن نضع المعيار نفسه لحقوق الآخرين. حين صدر منا خطأ نريد أن يُعفى عنا ولا نحاسَب ولا نعاقَب، ولكن إذا أخطأ أحد آخر في حقنا فيجب أن نتخذ الموقف ذاته معه أيضا، ما لم يكن مجرما متعودا ومكرِّرا الأخطاء نفسها. أما إذا كان خطأ شخص يتسبّب في الإضرار بمصلحة الجماعة والقوم فهذا ليس خطأ فردياً بل يصبح جرما قوميا تُقرِّر فيه الإدارة وليس الفرد.
على كل حال، كنت أتحدث عمَّا نراه حقنا في سلوكنا الاجتماعي اليومي، وهل نعطي الآخرين الحق نفسه أم لا؟ أو نفكّر في إعطائهم ذلك الحق أم لا؟ إن الوحدة الأساسية في ذلك هي البيت ثم الأصدقاء والإخوة والأخوات والأقارب الآخرون. إذا انتشر هذا التفكير على مستوى صغير أو في حلقة صغيرة لانتشر بالتالي على نطاق أوسع أيضا، وبذلك سيُقضى على الأنانية وتعمّ ظاهرة إعطاء حقوق الآخرين والعفو وتتقلص ظاهرةُ المعاقبة أو طلبِ المعاقبة. وقد وجّه الله تعالى في القرآن الكريم أيضا إلى التحلي بخلق العفو عن الآخرين إضافة إلى الاهتمام بحقوقهم الظاهرية وحاجاتهم. فقال الله تعالى في القرآن الكريم:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .

وجّه الله تعالى هنا إلى الإنفاق من أجل أداء حقوق عباده المحتاجين، فالمحسن من يساعد الآخرين وينفعهم ويَثبت على الحسنات ويفيد الآخرين لوجه الله تعالى سالكا دروب التقوى، ولا شك أنه ينكر ذاته في أداء حقوق عباد الله تعالى فيُنفق سرّا وجهرا لنيل مرضاة الله تعالى. وحين تكون هذه حالة المرء فلا يبدي أنانيته ولا يريد الشر لأخيه، ويرتقي مثل هؤلاء الناس في الروحانية أيضا ويدخلون زمرة أحباب الله تعالى.

يا نبي الله، كنا مشركين فهدانا الله   بك وأنقذنا من الهلاك. إنني أعترف باعتداءاتي فاعفُ عني وأعرضْ عن جهلي. فعفا النبي  عن قاتل ابنته وقال له: اذهب يا هبَّار، قد عفوت عنك. ثم قال: من مِنَّة الله عليك أنه وفقك لاعتناق الإسلام.فحين لاحظ أنه قد تم إصلاحُه عفا عن قاتل ابنته.

ثم يقول الله تعالى إن من علامات المحسنين أنهم يسيطرون على ثوائرهم، ويسيطرون عليها في حالات يغيظ المرء فيها بطبيعة الحال، ولا يكفي هذا فقط بل يكون امتحان المرء في أن يعفو عن الآخرين بعد كظم الغيظ، وليس هينا أن يقلع المرء كل ما في قلبه من الغيظ ومشاعر الثأر، إنه لمن عزم الأمور ألّا يغضب المرء وأن يقلع مشاعر الثأر، وليس هذا فقط بل يُحسن على المخطئ، وهذا شيء عظيم ويريد الله تعالى أن يتحلى المؤمن بهذه الأخلاق. ورد في الروايات حادثٌ للإمام الحسن ، أن خادمه ارتكب خطأ فغضب الإمام وما إن أراد عقابه قرأ الخادم جزءا من الآية: “والكاظمين الغيظ”، فأنزل الإمام يده التي رفعها على الخادم، فتشجّع الخادم وقال: “والعافين عن الناس”، فقال الإمام الحسن عاملا بقول الله تعالى: عفوتُ عنك، فتشجّع الخادم أكثر وقال: “والله يحب المحسنين”، فقال الإمام للخادم: قد أعتقتك أيضا. فاذهب حيثما شئت.
فهذا ما يقوم به الذين يودّون أن ينالوا حب الله تعالى والذين يتقون، أي أنهم لا يعفون عن خطأ المخطئ فقط بل يحسنون إليه أيضا. يقول المسيح الموعود حول هذا الموضوع:

“اعلموا أن الذي يقسو ويغضب لا يخرج من لسانه كلام الحكمة والمعرفة قط. القلب الذي يستشيط غضبا سريعا مقابل خصمه يُحرم من كلام الحكمة. إن شفتَي بذيء اللسان وخليع الرسن تُحرم من ينبوع اللطائف. (أي مَن كان معتادا على السب والشتم ويفقد السيطرة على نفسه يُحرم من كلام حكيم وعميق وما يحبه الله تعالى. يتابع ويقول:) الغضب والحكمة لا يجتمعان في مكان واحد. إن عقل شخص سريع الغضب يكون سطحيا وفهمه غير حديد. ولا يُعطى الغلبة والنصرة في أيّ موطن. الغضب نصف الجنون، وعندما يستشري أكثر يمكن أن يصبح الجنون كله.”

ثم يقول :

“اعلموا أن بين العقل والغضب عداوة شديدة”. (أي لا ينشأ في العاقل هياج غير مبرر بسبب الغضب).

يقول :

“عندما ينشأ الغضب والهياج لا يستقيم العقل. ولكن الذي يصبر ويُبدي الحِلم، يُعطى نورا ينشأ بسببه نور جديد في قواه العقلية والفكرية”. (أي أن القلب والذهن يصبحان مُظلمَين في حالة الغضب والهياج فهذا الظلام يؤدي إلى ظلام آخر)

إذًا، إن تعليم الإسلام مبني على حكمة عظيمة، حيث يقول بأنه إذا كان أحد سيحكم بحق مخطئ فليحكم بعد تفكير رصين ولا يحكم تحت تأثير الغضب، وإن كان المخطئ من معارضيه. في بعض الأحيان يضطر المرء إلى اتخاذ قرار حاسم وقاس بعض الشيء، ولكن لا يجوز له أن يفعل ذلك تحت تأثير الغضب. إن فكرة العقوبة موجودة في الإسلام ولكنها خاضعة للقواعد والقوانين. إن قرار العقوبة تحت تأثير الغضب يُبعد المرء عن العدل، لذلك قال المسيح الموعود أنه إذا عاقبتم أحدا تحت تأثير الغضب فهذا سيؤدي إلى قسوة القلب. وإذا قست القلوب فلا يمكن أن يخرج من الفم كلام الحكمة والمعرفة بل يفقد المرء صوابه. لذلك أمر الله تعالى أن تكظموا الغيظ وأن اهدأوا ثم خذوا القرار بالمعاقبة أو عدمها وذلك حين كنتم مخوّلين لها. أي ليس كل فلان وعلان مخوّلا ليأخذ قرار العقوبة للآخرين. الصبر ضروري لكظم الغيظ، فلا بد من رفع مستوى الصبر.
يقول المسيح الموعود ما مفاده أن الذين يصبرون تُنوَّر قواهم العقلية والفكرية وتصبح أفكارهم سديدة ومنيرة، ويرشدهم الله تعالى من عنده. فإذا كان المؤمن معتادا على أخذ القرارات مستخدما عقله فلا يكون قراره مبنيا على التسرع بل يأخذها بالتفكير الرصين وبالصبر بدراسة الموضوع جيدا من جميع النواحي وواضعا الجوانب السلبية والإيجابية كلها في الحسبان.
فليكن واضحا أيضا، كما ذكرتُ من قبل، بأن ليس كل فلان وعلان مخولا ليأخذ أمر المعاقبة بيده، ولا يحق لكل شخص أن يقول مثلا بأني فكّرتُ في الموضوع وفطنتي تميل إلى المعاقبة لذا أحكم وأقرر بمعاقبة فلان. بل الحق أن معاقبة أحد في هذا العصر من صلاحيات الجهات الرسمية المعنية. لا شك أن الإنسان يستطيع أن يعفو عمّن أخطأ في حقه، أما في المعاقبة فهو بحاجة إلى الاستعانة بالقانون أو الجهة المعنيّة. فإذا وضع الناس هذا الأمر في الحسبان دائما لن تطلّ النـزاعات المتبادلة برأسها حول أمور صغيرة، ولن يضيع الوقت والأموال في القضايا التي يرفعها الناس ضد بعضهم بعضا. ويحدث أحيانا أنه إذا عفت المحكمة عن مخطئ يستشيط الفريق الآخر غضبا أكثر، ويقول: لماذا عُفي عنه، أو لماذا أُلحقت به عقوبة خفيفة. ثم ينقل القضيةَ إلى محكمة أخرى مع أن الأمر لا يكون ذي بال بل يكون بسيطا جدا. كذلك يقول بعض الأحمديين أننا لا نريد أن نتحاكم في دار القضاء في الجماعة فيما يتعلق بقضيتنا بل سنرفعها إلى المحكمة الحكومية، مع أن الأمر لا يكون ذا بال حتى تُرفع القضايا في المحاكم، ولكنهم مع ذلك يعرضون أنفسهم للخسائر.
عندما أمرَنا الله تعالى بالعفو بعد كظم الغيظ فلم يكن ذلك بلا حكمة، ولم يأمرنا الله تعالى بأن نعفو جزافا هكذا بل أمر بأخذ القرار بالمعاقبة أو العفو بذكر الحكمة فيهما. فيقول :

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

إذًا، الهدف الحقيقي هو إشعار المجرم بجريمته وإصلاحه وليس الانتقام والخوض في القضايا وليس المقصود أن يضيع المرء ماله ووقته ومال خصمه وماله فيها، وأن يسيء الظن بدوائر الجماعة إذا كانت القضية مرفوعة فيها.
إذًا إذا كان العفو يؤدي إلى الإصلاح فالعفو خير، أما إذا كان الإصلاح يقتضي المعاقبة فمن الحكمة أن يعاقَب المجرم، وفي هذه الحال يمكن رفع القضية إلى الدوائر المعنية.
لقد ذكر المسيح الموعود هذا التعليم الحكيم في عدة مواضع فيقول في كتابه ترياق القلوب مثلا في ذكر آية:

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ

أي أن عقوبة السيئة- بحسب قانون العدل- هي مثل السيئة نفسها، ولكن لو عفا أحد عمن أخطأ في حقه بشرط أن يؤدي العفو إلى إصلاح المخطئ بدلا من تشجيعه على الخطأ أكثر من ذي قبل لنال مَن يعفو أجرا عظيما من الله تعالى.
بمعنى أنه إذا كان العفو من أجل الإصلاح فهذا جيد. وتفصيل ذلك أنه يجب ألا يؤدي العفو إلى فساد أكثر، وإن لم يسفر العفو عن الفساد. فيقول الله تعالى بأن العافي سيعطيه الله تعالى أجره بقدر ما يشاء. إذًا الصفح والعفو يجوز عندما يلاحَظ في سلوك المجرم أنه لن يرتكب الجريمة في المستقبل. هناك بعض المجرمين المعتادين الذين يرتكبون الجريمة مرة بعد أخرى ويطلبون العفو كل مرة. لو كان الحال على هذا المنوال لكانت معاقبتهم ضرورية. ومع ذلك يجب أن تتضمن العقوبة جانبا من الإصلاح.
يقول المسيح الموعود في بيان آية وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله :

“يجب أن يكون العقاب على السيئة بقدر حجمها، ولكن الذي يعفو ويصفح عن المذنب بشرط أن يؤدي العفو إلى إصلاح لا إلى فساد، فليعلمْ أن الله راضٍ عنه، وسيجزيه عليه. فلا الانتقام محمود في كل محل، ولا العفو محمود في كل مكان طبقًا للقرآن الكريم، بل ينبغي مراعاة الوضع والمحل، فينبغي الانتقام أو العفو بمراعاة المحل والحكمة، لا أن يكون على عواهنه، هذا هو مقصود القرآن”.

أي ليس المقصود أن يعاقَب المرء أو يُعفى عنه دون وازع ورادع بل هناك قوانين وحدود ويجب التقيد بها وأن يتمّ بما فيه الفائدة.
فهذه هي الحكمة الكامنة في العقوبة والعفو في الإسلام أي الغاية المتوخاة منهما هي الإصلاح. في العصر الراهن نرى في القانون المادي أن كل مجرم يعاقَب ويُسجن لكي يتم إصلاحه. ومع ذلك قد بدأ المحللون يكتبون -حتى في هذه الدول الراقية- أن المجرمين حين يخرجون من السجون بعد العقوبة يكونون قد تمادَوا في الجرائم أكثر. وذلك لأن المسئولين الذين يقررون العقوبة والمجرمون كلاهما يتمسكون بالقانون فقط، ولا تكون في قلوبهم خشيةُ الله. باختصار إن التعليم العام للمؤمنين أنهم يجب أن يعتادوا على العفو عن التقصيرات وينبغي أن يراعوا عند اتخاذ القرار نوعَ التقصير وحالة المجرم وسلوكه السابق. فالله   لا يريد أن تغضّوا الطرف عن ذنب كل واحد وتعفوا عنه كما لا يريد أن يثور غضبُكم في كل قضية وتميلوا إلى العقوبة. لأن العفو المستمر عن كل مجرم ومذنب يؤدي إلى الفساد في المجتمع كما أن الإصرار على العقوبة على كل جريمة وذنب يولِّد البغض والحقد في القلوب وتنشأ الكراهية والنفور في المجتمع ويتفشى الاضطراب والقلاقل. إذا ألقينا نظرة على محيطنا واستعرضنا الأوضاع في بيئتنا فسنرى أن الذين ارتكب أحدٌ خطيئة في حقهم يُفصحون عن ذلك ويطالبون بشدة أنه يجب أن يعاقَب المجرم حتما، لكي تكون هذه العقوبة عبرة للآخرين، ولكيلا يتجاسر أحد على ارتكاب الأخطاء من أي نوع. بينما يقول المجرمون والمخطئون أنه ينبغي العفو عنهم. في العصر الراهن نرى منظمات كثيرة لحقوق الإنسان فهي إلى جانب أعمال خيرية حسنة كثيرة تميل إلى الإفراط وتسعى جاهدة لاستصدار العفو عن كل مجرم. وكذلك فالمجرمون الذين لديهم إلمام بالدين وأحكامِ الله تعالى هم أيضا يقولون: إن الله   أمَر بالعفو لذا ينبغي العفو عنا. لأنه إذا كان الله   يعفو عن العباد فاعفوا أنتم أيضا مؤدِّين حقوق العباد، وينبغي أن يعفو كل واحد عن مجرم ومخطئ على صعيد فردي كما ينبغي أن يصدر العفوُ على صعيد الجماعة لكي تؤدَّى حقوقُ العباد، بغضّ النظر إذا كان ذلك العفو يؤدي إلى فائدة الجماعة أو خسارتها. فالذين يقولون هذا بحماس وإفراط من كلا الطرفين، إما يكونون معتادين على ارتكاب الجرائم وإما يريدون استصدار القرار بحقهم بعيدا عن العدل. فهم أولا يرتكبون الجرائم ثم يحتجّون بأوامر الله تعالى دون مبرر لكي ينجوا من العقاب. فهؤلاء هم يؤثرون مصالحهم الشخصية، فحين يخطئ أحدٌ بحقهم أو يقصِّر معهم لا يعفون عنه أبدا بل يبذلون قصارى جهودهم لمعاقبة المجرم في كل حال. ففي هذه الحالة تتغير مبادؤهم، وينسون الأمر القائل: يجب أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك. وكذلك فإن الذين يصرون على أن يعاقَب حتما كلُّ من أخطأ بحقهم، هم أيضا حين يصدر منهم أيُّ خطأ يقولون: العفو أفضل. فالإسلام يفنِّد أقوال هؤلاء المغرضين ويتخذ القرار بمنتهى العدل والإنصاف. ويقول: إذا كنتم متأكدين من أن العفو سيؤدي إلى الإصلاح فالعفو أفضل، أما إذا تبين لكم بجلاء أنه لا بد من العقاب فالعقاب واجب. باختصار هذا هو التعليم المبدئي للإسلام.
الآن تعالوا ننظر إلى أي حد كان النبي   يعفو وما هي التوجيهات والإرشادات التي أعطاها النبي   للصحابة في هذا الخصوص. لقد ذكرتُ لكم قبل قليل مثال تصرُّف الإمام الحسن في العفو عن خطأ خادمه، لكن ذلك كان خطأ بسيطا. أما قمة العفو فنجدها في حياة النبي   حيث كان   قد عفا حتى عن أولئك الذين كان قد أصدر بحقهم أوامرَ العقوبة، فهو لم يعفُ عن الذين ارتكبوا الجرائم بحق غيره وإنما عفا عن الذين كانوا قد ارتكبوا الجرائم بحقه وقاتلي ذريته. ذلك لأنه كان قد تم إصلاحهم. نجد في الروايات قصة هبَّار بن الأسود الذي كان قد هاجم برمحٍ ابنةَ النبي  السيدة زينب أثناء هجرتها. كانت حاملا آنذاك فأجهضت ثم توفيت بسبب الجروح. فتقرر بناءً على ذلك الجرم قتلُ هبَّار. هرب هذا الرجل عند فتح مكة إلى مكان آخر وحين عاد النبي  إلى المدينة جاءه هبَّارٌ طالبًا العفو عنه. فقال: يا رسول الله، كنت قد هربتُ أولا خوفا منك والآن قد أعادني عفوُك ورحمك. يا نبي الله، كنا مشركين فهدانا الله   بك وأنقذنا من الهلاك. إنني أعترف باعتداءاتي فاعفُ عني وأعرضْ عن جهلي. فعفا النبي  عن قاتل ابنته وقال له: اذهب يا هبَّار، قد عفوت عنك. ثم قال: من مِنَّة الله عليك أنه وفقك لاعتناق الإسلام. فحين لاحظ أنه قد تم إصلاحُه عفا عن قاتل ابنته.
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: إن النبي  لم ينتقم قط لأي اعتداء شخصي، ولذلك كان قد عفا عن السيدة اليهودية التي قدمت له الطعام المسموم، مع أن بعض الصحابة قد تضرروا به.
ثم إن هند التي كانت قد مثَّلت بِعَمِّ النبي   حمزة في غزوة أُحد حيث قد مضغت كبدَه، قد بايعتْ عند فتح مكة، فعرفَها النبي    لبعض أسئلتها وسألها: هل أنت هند زوجة أبي سفيان؟ فقالت: نعم يا رسول الله، قد أسلمتُ بصدق القلب. فاعفُ عما صدر مني في الماضي. فعفا عنها النبيُّ   فتأثرتْ بذلك هندٌ كثيرا وتغيرتْ جذريا. وأبدتْ إخلاصا كبيرا، وأقامت في مساء نفس اليوم مأدبة على شرف النبي   وأرسلتْ إلى النبي  جديَين مشويين قائلة: في هذه الأيام عندي مواشٍ قليلة لذا أقدم لك هدية بسيطة. فدعا لها النبي   يا رب، باركْ في قطعان هند. فببركة هذا الدعاء قد نزلت البركة الكبيرة في مواشيها لدرجة لم تكن تستطيع الاعتناء بها.
يعرف الجميع رئيسَ المنافقين عبدَ الله بن أُبي بن سلول الذي عفا عنه النبي مع كل إساءاته وصلى عليه رغم أن عمر أصرّ عليه مرارًا ألا يصلي عليه.

هذه كانت المستويات العليا لعفو النبي  ، حيث أنه لم يكن يعفو فحسب بل كان يودّع المعفو عنه بالإنعام والإكرام والأدعية. وهناك أمثلة لا تحصى لعفو النبي  ، وهو عفو قد بلغ ذروته لدرجة يدهش الإنسان.

كذلك كان كعب بن زهير شاعرًا مشهورًا، وقد صدر الأمر بمعاقبته بجريرة بعض أعماله. كتب إليه أخوه بعد فتح مكة أن يأتي ويطلب العفو من النبي  ، فقدِم إلى المدينة وأقام عند أحد معارفه ثم صلى الفجر في المسجد النبوي وراء النبي  ، وبعد الصلاة قال: يا رسول الله  ، جاء كعب بن زهير تائبًا من ذنوبه وطالبًا العفو، فإذا أذن له النبي قدّمتُه إليك. كان النبي لا يعرفه فردّ عليه: فليتقدم. فقال: يا رسول الله، أنا كعب بن زهير. ولما كان قد صدر القرار بقتله بعد وجوب الحد عليه هبّ أنصاري لقتله، فقال له النبي : لقد جاء هذا طالبًا العفو فخلّوا سبيله. وبعد ذلك ألقى كعب على النبي قصيدة سرّ بها وخلع عليه بُردتَه.
هذه كانت المستويات العليا لعفو النبي  ، حيث أنه لم يكن يعفو فحسب بل كان يودّع المعفو عنه بالإنعام والإكرام والأدعية. وهناك أمثلة لا تحصى لعفو النبي  ، وهو عفو قد بلغ ذروته لدرجة يدهش الإنسان. يقول المسيح الموعود :

“لقد شُتم المقربون إلى الله تعالى شتائم بذيئة وأُوذوا بشدة، ولكنهم أُمِروا دائما بـ: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . لقد أوذي الإنسان الكامل أي نبينا الأكرم أشد الإيذاء، وشُتم وأُسيء إليه ولكن ما الذي فعله ذلك الخُلق المتجسد مقابل كل ذلك؟ لقد دعا لهم فقط. ولما كان الله تعالى قد وعده بأنك لو أعرضتَ عن الجاهلين لحافظنا على حياتك وشرفك ولن يقدر هؤلاء السوقة أن ينالوها بأذى، فهكذا كان تماما حيث إن الأعداء لم يقدروا أن يمسوا كرامة النبي قط بل سقطوا على قدميه أذلاء مهانين أو هلكوا أمام عينيه. (تقرير الجلسة السنوية عام 1897م، ص99)

ما هي مستويات العفو والصفح التي أمر النبي صحابتَه للوصول إليها؟ لقد وردت أحداث كثيرة عن ذلك في الروايات، وأقدم لكم بعضها.

أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي خَادِمًا يُسِيءُ وَيَظْلِمُ أَفَأَضْرِبُهُ؟ قَالَ: تَعْفُو عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً.

هذا هو مستوى المعاملة الحسنة -مع الخدم والذين يعملون تحتكم- الذي أقامه النبي . وبالمناسبة أوضح هنا أنه لا وجود للرق والعبودية الآن، ويتوقع من الخادم المؤمن أيضا أن يؤدي واجباته حق الأداء، وألا يفسد الأعمال المفوضة إليه متذرعًا بما أمره النبي بالعفو عن الخدام، فإنه تصرف خاطئ جدًّا، لأنه ورد إلى جانب ذلك أمر آخر وهو أنه إذا فُوّض إلى أحدٍ عملٌ فليسعَ لأدائه حق الأداء. لقد أمر الطرفان بمثل هذه الأوامر، فإذا أُمر السيد أن يعفو عن خادمه ولا يغضب على أتفه الأمور فقد أُمر الخادم أيضا أن ينجز ما فوّض إليه من عمل ويؤدي مسؤولياته حق الأداء. ينصحنا المسيح الموعود بالعفو والصفح ويقول:

“الهدف من تأسيس هذه الجماعة هو أن تتسرب التقوى في اللسان والأذن والعين بل في كل عضو. فليكن نور التقوى في ظاهر أفرادها وفي باطنهم، وليكونوا نموذجا أعلى للأخلاق الحسنة ولا يغضبوا في غير محله قط. لقد لاحظت أن عيب الغضب مازال موجودًا في كثير من أفراد الجماعة، ينشأ فيهم البُغض والضغينة لأتفه الأمور فيتشاجرون، فلا حظ من الجماعة لمثل هؤلاء الناس. ولا أفهم ما المشكلة أن يلزم أحدهم الصمت إذا شتمه غيره ولا يرُدّ عليه؟ إن إصلاح كل جماعة يبدأ من الأخلاق. يجب على المرء أن يتقدم في التربية بالصبر أولا، والأسلوب الأمثل لذلك هو أنه إذا استخدم أحد كلمات نابية فليدعُ له أن يصلحه الله تعالى ويجب ألا يرسخ الضغينة في قلبه قط”.

قال حضرته: لا يحب الله عز وجل قط أن تحل السبُعية محل الصفات الحسنة مثل الحِلم والصبر والعفو. فإن تقدمتم في هذه الصفات الحسنة فستصلون إلى الله تعالى سريعا.
ثم قال حضرته: صحيح تماما أن ليس كل الناس سواسية من حيث طبائعهم لذلك جاء في القرآن الكريم: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ . أي كل يعمل بحسب ما جُبل عليه.
ولكن حضرته يقول: بعض الناس يكونون أقوياء في بعض الأخلاق وفي بعضها ضعفاء. إذا كان خُلق من أخلاقهم جيدا والآخر سيئا فهذا لا يستلزم أن إصلاحهم مستحيل.
يعني حضرته أن الله تعالى هو من خلق طبائع الناس، فترون أن بعض الناس جيدون في بعض الأخلاق بحيث ازدهروا فيها في حين أنهم ضعفاء في بعضها الآخر، ولكن هذا لا يعني أن إصلاحهم مستحيل ويصعب عليهم التحلّي بجميع الأخلاق. لا شك أن طبائع الإنسان مختلفة، ولا شك أن الضعفاء أيضا يتحلون ببعض الأعمال الحسنة أيضا، ولكن المسيح الموعود يريد منا أن نسعى لإصلاح أنفسنا عاملين بأوامر الله تعالى، ونتحلى بتلك الأخلاق العليا التي تعتبر معيارًا أعلى للمؤمن الحقيقي. ينبغي أن نسعى جاهدين للتخلي عن الضعف وإزالة التقصيرات، ونسعى لملء محيطنا بالأمن والسلام. والأصل الذي ذكره النبي لتحقيق ذلك هو أن تحبوا لإخوتكم ما تحبونه لأنفسكم. وفقنا الله تعالى لتحقيق هذه المستويات. آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك