التاريخ: 2015-04-24

العالم المعاصر و الحاجة إلى الدين

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين (آمين)

هناك سؤال يثار بتزايد في هذه الأيام في قلوب الشباب خاصة وأفراد المجتمع عامة وخاصة من قِبل الذين يعارضون الدين، أو الذين قد ابتعدوا عن الدين بل عن الله أيضا لعدم توفر القيادة الصحيحة. والسؤال هو: إذا كان الإنسان متحليا بأخلاق نبيلة أو إذا كان التعليم المادي يقود إلى الأخلاق النبيلة فما الحاجة إلى الدين؟ لأن الدين أيضا يدّعي أنه يعلِّمكم الأخلاق أو يقول بذلك أتباعُ الأديان. ويقول هؤلاء المعترضون إنا قد تحلَّينا بالأخلاق دون اتباع أي دين أيضا. بل يقال إن أخلاق غالبية الأناس الماديين أحسن بكثير من أتباع الأديان. ومن هذا المنطلق يُجعل الإسلام عرضة لهذا الاعتراض بصفة خاصة، إذ إن غالبية أتباع الأديان الأخرى قد انقطعوا عن الدين تقريبا، أما الإسلام فهو الدين الوحيد الذي تعلن غالبية المنتسبين إليه بإسلامهم أو بالأحرى يعلنون بالانتماء إليه وإن لم يطبقوه. لذا فالهجوم موجَّه في الحقيقة إلى الإسلام وحده، وتُبذَل الجهود لتسميم أذهان أطفالنا وشبابنا بتقديم النكات المختلفة بشتى الأساليب لإبعادهم عن الدين. وإن منهج التدريس في البلاد الغربية يركز كثيرا على البحث وهو جيد، إذ يجب الاهتمام بالبحث، لكن يجب أن يكون المنهج له أيضا صحيحا. على كل حال حين يتوجه المراهقون -شبابا وبناتٍ- إلى الوالدين أو كبارِهم بحثا عن إجابات على التساؤلات المثارة أو الناشئة في القلوب، فإما لا يجد الوالدان وقتا للرد عليها بسبب انشغالهم في تأمين الضرورات الاقتصادية والاجتماعية، أو لا يكون لديهم علم، ومن ثم يسعون لإسكاتهم دون دليل عادةً بدلا من الرد على أسئلتهم، وبذلك يظن الأولاد اليافعون أن الدين -حتى لو كان الإسلام- يدّعي أنه صادق ويقدم الحل لجميع المسائل والقضايا لكنه في العصر الراهن لا يقدم حلولا عمليا. ويحدث أيضا أن تنافي أعمال الكبار الأمور التي يعلَّمها الأولاد، بحيث يسكت الأولاد مؤقتا بالاستماع إلى التعليم، لكنهم حين يتمتعون بالحرية يبتعدون عن الدين ويقعون في شرَك الذين يُبعدونهم عن الدين، ولهذا السبب نرى في المسلمين أيضا أناسا ينكرون الدين ووجود الله رغم كون الإسلام دينا حيا وذا تعليم جميل.
ففي هذه الأوضاع كل واحد منا بأمسّ حاجة إلى الاهتمام كيف يمكن أن نجعل أنفسنا عاملين بالدين ونتدارك أجيالنا القادمة أيضا. لا شك أن الإسلام دين كامل ويقدم حلول القضايا المختلفة، وأن القرآن الكريم كتاب كامل وشامل وقد قدم لنا النبي أسوة كاملة للعمل به، وهذه الأسوة قد أحدثت انقلابا في حياة الصحابة رضي الله عنهم. فقد فهِم الصحابة الدين والأخلاق أيضا بل قد أحرزوا التقدم المادي أيضا. لكنهم مع ذلك أحرزوا إدراك وضْع كل شيء في محله، أي ما هو موضع الدين وأين الأخلاق وما هو التقدم المادي. إذن يجب أن يتذكر شبابنا والأولاد اليافعون والكبار أيضا بصفة خاصة – وذلك لأن مسئولية تدارك الأجيال القادمة تقع عليهم- أن علينا أن نفهم العلاقة بين إصلاح الأخلاق والتقدم المادي والدين، ثم نعيش بحسب ذلك. إذا فهِم الكبار هذه النقطة فيمكن أن يتداركوا الأجيال القادمة أيضا. وعندما يدرك الشباب هذه النقطة ستنفتح عليهم طرق التقدم الديني والمادي، وسوف يتبين لهم جمال تعليم الإسلام، وأن الذين يتكلمون ضده هم كاذبون. هذه المسألة التي تثار في العصر الراهن بشدة أكثر من قبل الملحدين أو معارضي الدين ليست جديدة، فقد ظلت تثار الأسئلة من هذا القبيل بين حين وآخر في السابق أيضا، فقد ظل المعترضون على الدين يثيرون دوما هذه المسألة والأمور المشابهة، ليعترضوا على الدين، لأنهم لم يحاولوا قط أن يفهموا الدين بوجه صحيح. وإنّ علماء الدين المزعومين قد أوقعوا الطبقة المثقفة في تعقيد أكثر بتقديم الحل الخاطئ من اختراعهم أو لعدم فهْمهم لهذا الدين. ولقد منَّ الله علينا بإرسال المسيح الموعود في هذا العصر لإزالة تعقيدات هذه المسائل. ولقد خلق حضرته فينا القدرة على فهْمها، ومن ثم سهُل علينا فهْم هذه المسائل وحلُّها. ولقد ألقى سيدنا المصلح الموعود ذات مرة خطبة في ضوء ذلك وبيَّن فيها ما هي العلاقة بين إصلاح الأخلاق والتقدم المادي والدين، وكيف يَنظر إليها الإسلام؟ وكيف بيَّن لنا النبيُّ حقيقته من خلال أسوته وعمله.

إلا أن غالبية المسلمين ربطوا الدينَ بالأمور المتعلقة بالأخلاق والأمور المتعلقة بالمادة بأسلوب خاطئ وبالغوا فيه كثيرا وبذلك يتسببون في إبعاد الناس عن الدين بدلا من جذبهم إليه بتقديمهم الدينَ في صورة جميلة حسب ظنهم وذلك لعدم فهمهم لحقيقة الدين.

فقد بيَّن حضرتُه ذلك في الخطبة كما قلت وشَرحه باختصار، واليوم سوف أقدم لكم هذا الموضوع مستفيدا من تلك الخطبة. نقول للعالم -وهو حق بالتأكيد- إن الإسلام دينٌ أرسله الله بحسب الفطرة الإنسانية تماما. يقول حضرة المصلح الموعود واضعا في البال إن الإسلام دين الفطرة: إن الدين والأخلاق وحاجاتِ الإنسان -التي لها علاقة بجسمه- مشتركة ومتداخلة بحيث يصعب فصلها. فالذي يؤمن بالدين لا يستطيع أن يفصله عن الأخلاق، كما لا يمكنه القول إن الدين قد أغناه عن الدنيا، فلم يعُد يحتاج إليها. لأنه إذا فكّر أنه لم يعد بحاجة إلى شيء فتتوقف عجلة التقدم الإنساني المادي. فكل هذه الأمور أي الدين والأخلاق والتقدم المادي مترابطة، ومع ذلك فيها اختلاف أيضا. فالذين لا يؤمنون بالدين يتذرعون بالقول إن الأخلاق الحسنة والتقدم المادي من حاجات الإنسان. لكن المسلم الحقيقي سوف يقول إن هناك حاجة للدين أيضا، لأنه يُري السبيل للوصول إلى الله. فهذا هو الفَرق بين التفكيرين. كيف ننظر إلى هذه الأشياء، وكيف نُظهر الارتباط بينها، فالأديان الأخرى ميتة، إنما الإسلام وحده قادر على إظهار الارتباط بينها. إلا أن غالبية المسلمين ربطوا الدينَ بالأمور المتعلقة بالأخلاق والأمور المتعلقة بالمادة بأسلوب خاطئ وبالغوا فيه كثيرا وبذلك يتسببون في إبعاد الناس عن الدين بدلا من جذبهم إليه بتقديمهم الدينَ في صورة جميلة حسب ظنهم وذلك لعدم فهمهم لحقيقة الدين.
يقول المشايخ عادة -إضافة إلى الصلاة والصيام- إن الحاجات المادية من تأسيس هيئة أو عقد اجتماع أيضا من الإسلام، ومن لا يشترك فيها فهو كافر ومرتد.
هذا ما نلاحظه في العصر الراهن في العالم الإسلامي، ثم يحدث فيه التوسع ويحيط بكل شيء، ويخرج الأمر من نطاق الاتهام بالكفر والارتداد إلى اندلاع الحروب، فلكل فرقة فتاوى. ولهذا السبب تنشغل شتى الفئات المتطرفة في القتل وسفك الدماء تطبيقا لإسلام بنوه على أخلاقهم أو قوانينهم المزعومة التي سنّوها. ففي سورية والعراق وأفغانستان وباكستان يقتل هؤلاء المتطرفون الناسَ باسم الدين بناء على القوانين التي اخترعوها هم أنفسهم.

هناك دولة إسلامية مزعومة قائمة في سورية والعراق. وقد زار صحفي فرنسي تلك البلاد مؤخرا- كما ذكرتُ من قبل أيضا- وشاهد هنالك بعض الأشياء وقوانينهم التي لم تطابق التعاليم الإسلامية بقدر ما كان لدى هذا الصحفي من إلمام بتعليم الإسلام، وما كان قرأه من القرآن والأحاديث، فقال لبعض الناس هنالك بأن ما تعملونه ليس من تعليم الإسلام في شيء. فكان جواب العاملين أو المسئولين في الدولة الإسلامية المزعومة الذين واجههم الصحفي بأننا لا نعلم ماذا يقول القرآن والأحاديث ولكن هذا هو قانوننا ونحن نعمل بحسبه. فهكذا قد أفسدوا تعليم الإسلام.
ما يحدث في اليمن سببه عائد إلى أنهم يُطلقون اسم الدين على الفتاوى التي يُصدرونها من عندهم ثم يقصفون الأبرياء بالقذائف. صحيح أن كلا الفريقين المتحاربين هناك مخطئ ولكن ليس حلّ هذه القضية أن يُقتَل الأبرياء دون مبرر. وإذا تأملنا في الموضوع أكثر لوجدنا- كما هو ملحوظ في تاريخ الإسلام ولا تزال هذه الممارسة جارية إلى اليوم- أن شيخا يتبنّى مذهبا خاصا به وشيخا آخر يتبنى مذهبا آخر خاصا به، أي كل شيخ قد اخترع لنفسه مذهبا خاصا. وبذلك لم تعد حقيقة الإسلام ملحوظة في إسلامهم المزعوم الذي يعملون به. وبالنتيجة قد ابتعدت الغالبية من المسلمين عن الإسلام بسبب تقليدهم هؤلاء المشايخ وأصحاب الفتاوى. ولا يُعرف ما الذي يحدث باسم الروحانية وباسم الإسلام. ومقابل ذلك هناك أناس بعيدون عن الدين في البلاد المتقدمة مثل أوروبا ولكنهم يسعون ليجعلوا الأمور الروحانية والأخلاقية جزءا من الدنيا المادية. ولو تأملوا في الإلهام عرضا لقالوا بأنه جزء من أفعال البشر. وإذا تأملوا في الأخلاق لفعلوا ذلك من أجل المنفعة الدنيوية، وإذا أمعنوا النظر في الدين لاكتفوا بالقول عمن يتّبعونه بأنهم أناس من الدرجة الدنيا وغير مثقفين أو ثقافتهم بسيطة جدا فينجون من ارتكاب الجرائم إلى حد ما باسم الدين. بمعنى أنهم إذا كانوا قادرين على الاستفادة من الدين شيئا فهي تقتصر على تحسُّن أخلاقهم إلى حد ما مخافة الدين، وذلك إذا عملوا بالدين بصورة صحيحة. أما الذين يتحلّون بالقِيم الأخلاقية سلفا فيقولون: الذين يتحلون بالأخلاق سلفا ما حاجتهم إلى الدين؟ ولكن إذا أمعنّا النظر في الموضوع لوجدنا أن الأمور المادية والأخلاق والدين قريبة جدا من بعضها لدرجة أن عامة الناس لا يدرون من أين تبدأ حدودها وأين تنتهي. عندما ندرس سيرة النبي للعثور على ذلك ونتأمل فيها نجد أنه كان مصلحا ماديا ومصلحا أخلاقيا أيضا للعالم إلى جانب كونه مصلحا روحانيا. إن حياته الطيبة جامعة لهذه الأمور كلها. فمن ناحية يقول : الدعاء مخ العبادة، ومن ناحية ثانية يركز على إكمال الروحانية. لا يصح الظن أن الأمر ينتهي بمجرد أداء الصلاة بل لا بد من اجتياز مدارجها المختلفة والتقدم في الروحانية. العلاقة بين العبد وربه من حيث الدعاء كمثل العلاقة بين الطفل وأمّه. الداعي يقوم بالدعاء عندما يكون موقنا بأن الذي يُدعى سينصره. من المعلوم أن المرء لا يدعو عدوّه للنصرة. عندما ندعو أو نريد أن ندعو كيف يجب أن تكون حالتنا؟
يرى سيدنا المصلح الموعود أنه يجب أن يتحلى دعاؤنا بمزايا ثلاث.
أولا: يجب أن يكون القلب مفعما بيقين أن دعاءه سيُجاب، وثانيا: يجب أن يكون الداعي واثقا من أن الذي يدعوه قادر على نصرته. والأمر الثالث هو الرغبة الطبيعية التي تصرف الإنسان عن كلّ جهة أخرى وتدفعه إلى الله تعالى أو إلى الذي يحبه. الأمر الأول والثاني مبنيّان على مقتضى العقل لأنه إذا لم يكن المرء موقنا بأن ما يدعوه سوف يُسمَع، وإن لم يكن واثقا من أن الذي يدعوه قادر على نصرته فمن الغباوة استنجاده، وكان الدعاء عبثا أصلا. الأمر الثالث هو الرغبة الطبيعية أو الحب الفطري الذي يصرف المرء عن كل جهة أخرى ويدفعه إلى حبيبه. لذلك ينطبق عليه مثال الطفل وأمّه كما ذكرتُ من قبل. إن علاقة الطفل مع أمه إنما هي علاقة فطرية فالطفل يدعوها دائما بغض النظر إذا كانت الأمّ قادرة على نصرته أم لا، لدرجة إذا كان هناك طفل على وشك الغرق في البحر وكانت أمه بالقرب منه فيستنجدها وحدها دون غيرها سواء أكانت تعلم السباحة أم لا. هذه علاقة عاطفية، وقد قال النبي مشيرا إلى هذا الموضوع: الدعاء مخ العبادة، أي لا يكتمل إيمان المرء دون الدعاء. إذًا، فقد شبه النبي العلاقة بين العبد وربه بالعلاقة بين الطفل وأمه، أي يجب أن تفرّوا إليه غير آبهين بأيّ شيء سواه.
الأمر الثاني هو الأخلاق، وفي هذا الموضوع نرى في حياة النبي أمورا وجوانب أخلاقية دقيقة جدا لدرجة لا يقدر على إدراكها حتى مَن يرى بنظر دقيق ما لم يستفد من هديه وإرشاده .
خذوا على سبيل المثال حسن المعاملة مع الزوجات وإظهار الحب تجاههن، علمًا أنه ضروري جدا لبثّ السعادة والحبور في الجوّ المنـزلي. إن حسن المعاملة مع الزوجات من مقتضيات الأخلاق الابتدائية. كان النبي يهتمّ بمشاعر زوجاته بدقة متناهية، لدرجة قد ورد أنه إذا شربت إحدى زوجاته في إناء ثم أراد النبي شرب الماء كان يضع فمه في المكان الذي وضعته زوجته عند شربها من الإناء. وهذا الأمر يبدو بسيطا ظاهريا ولكنه يمثّل نقطة دقيقة جدا توحي أن حب الإنسان لا يتبين من عظام الأمور فقط بل يظهر من الأمور البسيطة. وليس ذلك فحسب بل إذا درسنا سيرته الطاهرة تبيَّن لنا بوضوح أنه أعطى في عظام الأمور الأخلاقية أيضا تعليما وضرب بأسوته أمثلة يبدو بقراءتها وكأنه قد درّس الأخلاق فقط على مدى حياته وعلّمها الآخرين، بما فيها العلاقات المتبادلة بين الناس عامة وبين الأقارب، وتفاصيل سلوك الإنسان. إن أسوته وتعليمه كامل تماما في كل المواضيع مثل اجتناب الكذب والخيانة وسوء الظن وغيرها لدرجة لا يسع أحدا أن يقدم عشر معشار مقابل أسوته التي قدّمها لنا ولو نال عشرات الحيوات.

صحيح أن الأقوام الغربية جعلوا الدين تابعًا للدنيا، ولا يمثّل الدينُ شيئًا عندهم بل عدّوا الدنيا كل شيء، مع كل ذلك فقد فازوا بالدنيا على الأقل. لا شك أنهم ضلوا عن جادة الصواب ولكنهم نالوا الهدف الذي كانوا يقصدونه، وإن كانوا على الخطأ؛ أما المسلمون فقد خسروا الدين والدنيا.

الأمر الثالث هو الأمور المادية، ونرى أن تعليم النبي يرشدنا إلى هذا الموضوع أيضا، مثل إبقاء الشوارع مفتوحة لسكان المدن، وتوفير الماء النقي لهم. عندما تُعمَر المدن والقطاعات السكنية الجديدة يفكر في هذه الأمور المهندسون والمصممون الكبار، بينما قد وجّهنا النبي إليها وإلى نظافة الشوارع والطرق سلفا. كذلك لفت أنظارنا إلى بناء بيوت واسعة بحيث يدخلها الهواء. فقد أرشدنا إلى كافة الأمور المادية والدنيوية سواء أكانت تتعلق بالأمور الحكومية أو الاجتماعية أو كانت تتعلق بالتجارة والصناعة، فقد بيّن كل شيء بحسب مقتضى الأمر والمناسبة. ويمكن العثور على تفاصيلها في سيرته . ولكنه لم يحسب كل شيء جزءا من الدين مثلما يفعله الزعماء الدينيون في هذه الأيام. فمثلا ذات مرة مرّ النبي على بعض الفلاحين الذين كانوا يأبرون النخيل في بستان النخيل- علمًا أن في النخيل ذكرا وأنثى- فقَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا، لأنه سيتمّ ذلك عن طريق الرياح، فَتَرَكُوهُ. وفي السنة التالية نَقَصَتْ ثمارها، فلما سألهم النبي عن السبب قالوا: إنه بسبب منعك من التأبير، فقال النبي لم آمركم به، بل أنتم أعلم بأمور دنياكم.
يقول المصلح الموعود : يبدو هنا وكأن النبي فصل الأمور المادية عن أمور الدين. كان ذلك أيضا لسان الرسول الذي نطق: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا؛ وكان اللسان نفسه ينطق بأحكام الله تعالى أيضا. ومع أن هذا اللسان كان لرسول من الله مع ذلك فقد اعتبر الأمور المادية ماديةً وقال للناس بأنكم أعلم مني بهذه الأمور، ولكن على عكس ذلك إذا خرج من أفواه مشايخ اليوم قول غير لائق ثم إذا رفضه أحد أثيرتْ ضده فتاوى بكفره وخروجه عن الإسلام وارتداده.
وفي ناحية أخرى نرى الأقوام الغربية – أو التي تزعم أنها الأقوام المتحضرة – أنها ترى بعدم ضرورة الإيمان بالدين، ولا تحترم تعليم الدين ولا الأخلاق، بل تعتبر كل شيء ماديًا.
يقول المصلح الموعود : قال فلاسفتهم في هذا العصر: ليس السؤال: كيف خلق الله الكون؟ بل السؤال هو: كيف خلق الإنسانُ اللهَ- والعياذ بالله. يرى هؤلاء أن السؤال عن الله كان نتيجة للارتقاء البشري، وإذا كان وجود الله حقيقة فإنها ليست إلا حلقة أخيرة للرقي العقلي للإنسان. يرى هؤلاء أن الإنسان أراد أن يبحث عن نموذج أمثل له، ولما فشل في البحث عنه في الناس رَسَمَ صورة في ذهنه وتصوّرِه خارج إطار الناس. لم تفلح محاولته الأولى لرسم هذه الصورة، ولكنه كلما تعمق في الموضوع أكثر زاد رقيًّا إلى أنْ رسَمَ صورةً كاملة واسمها “الله”. هذا رأي فلاسفةِ ذلك الزمن ولا يزال البعض يقول بهذه الفكرة عن الله.
يقول المصلح الموعود : وهكذا فقد جعل هؤلاء اللهَ تعالى أيضا من المادة. لقد اتخذ فلاسفة العصر الراهن إلهًا صنعوه بأنفسهم، وكثيرون منهم كانوا يؤمنون به أيضا. ثم من أتى بعدهم من الفلاسفة الذين سمّوا أنفسهم متحضرين أكثر ابتعدوا عن هذا الإله المادي رويدًا رويدًا. وفلاسفة اليوم أيضا مالوا إلى الإلحاد ظنًّا منهم أن الله شيءٌ خلقه الإنسان بنفسه، بل وإن معظم سكان البلاد الغربية ينكرون وجود الله باسم العلم والتنوير العقلي ويحسبون الأخلاق والرقي المادي كل شيء. وإن مشايخ اليوم يدعمون نظريات هؤلاء الملحدين بجعلهم أفكارَهم جزءًا من الدين وبالتالي ينشرون الجهل. فلو نظرنا إلى الموضوع من هذا المنطلق لوجدنا علماء اليوم أيضا مخطئين، ومخطئونَ أيضا مَن يحسبون الدين ماديا وينكرونه.
نحن الأحمديين سعداء لأن الله أرسل المسيح الموعود فأنقذنا من كل هذه الأمور وهدانا حيث قال إذا كنتم تريدون معرفة الحقيقة فانظروا إلى النبي . أما النبي فقد أوصانا بالاعتدال في كل شيء وأداء حقه، وهذا هو الدين الحقيقي. قال بأنه لا شك أن العبادة ضرورية بل هي ضرورية جدًّا، لأنها غاية خلق الإنسان، ولكن مع كل ذلك إن لنفسك عليك حقًّا ولزوجك عليك حقًّا ولجارك عليك حقًّا. ولتحقيق هذا الأمر لا بد من استخدام ثلاثة أنواع من الذرائع الضرورية لها.
الأمر الأول هو الدعاء والخضوع لله تعالى والعبادة، والثاني: ضبط النفس، وكبح جماحها، والتفكير في علم النفس البشري، والثالث: الالتزام بالأمانة في العمل والمهنة ومعرفة العلوم وحيازة الثقافة الدنيوية.
إذا تعمقنا في الأمر وجدنا أن الدعاء والعلاقة مع الله ضروريان من أجل أداء حق النفس، ولا بد من التغلب على العواطف، لأن العواطف أحيانًا تحرم الإنسان من حقوق النفس إذا خرج عن التحكم فيها أو أنها تثيره على الظلم. فبتزودنا بالعلم وبالتزامنا بالأمانة في أعمالنا نستطيع أن نحسن حالتنا الروحانية والأخلاقية والمالية أيضا.
ثم يجب الالتزام بالدعاء لأداء حق الأهل والعيال الذي هو التحكم في المشاعر ومحاولة تحقيق الحاجات المادية.
كذلك قال بأن عليكم أداء حق جاركم أيضا. أي لا نستطيع أداء حق المجتمع ما لم ندع له ونسعى لأداء هذا الحق وفهمِ طبيعته ثم تبليغِه رسالة الدين التي نريد تبليغها له. ومن حق المجتمع أيضا أن نُطلعه على الدين ثم من خلال الرقي في العلم والاجتهاد في العمل نُسهم في رقي البلد بشكل عام. هذا الأمر أيضا يدخل في حق الجار، فإذا كان الجميع يسعون لتحقيق هذا الأمر بهذا التفكير المذكور فإن المجتمع كله يتحول إلى نموذج مثالي لجميع أنواع الرقي الروحاني والأخلاقي والمادي. ومن أسباب انحطاط المسلمين أنهم لم يهتموا بهذه الأمور – التي ذكرتها آنفا- مؤثرين دين الله تعالى، بل سمّوا أهواءهم النفسية دينًا، فلم يؤثروا الدين الذي أنزله الله تعالى؛ فلو آثروا هذا الدين لاهتموا بالأمور الأخرى المذكورة أيضا. فإنهم سموا أهواءهم النفسية دينًا وأخذوا يعملون به، والنتيجة هي أنهم بدلا من أن يخبروا الآخرين عن مزايا الإسلام أصبحوا يضربون رقاب بعضهم بعضا من خلال اتباعهم لهذا الدين الذي اخترعوه بأهوائهم النفسية. وهكذا خسروا الدين والدنيا معًا، وأصبحوا يمدون يد المسألة أمام أهل الدنيا في كل قضاياهم. هذا ما نراه في العالم الإسلامي اليوم. صحيح أن الأقوام الغربية جعلوا الدين تابعًا للدنيا، ولا يمثّل الدينُ شيئًا عندهم بل عدّوا الدنيا كل شيء، مع كل ذلك فقد فازوا بالدنيا على الأقل. لا شك أنهم ضلوا عن جادة الصواب ولكنهم نالوا الهدف الذي كانوا يقصدونه، وإن كانوا على الخطأ؛ أما المسلمون فقد خسروا الدين والدنيا.
على أية حال، لقد بعث الله تعالى المسيح الموعود لإصلاح هذين النوعين من الناس. ويبعث الله تعالى مأموريه في مثل هذه الظروف، فيرشدون إلى الصواب ويجعلون الدين في محلّه والأخلاق في مكانها والدنيا في مكانها. إنهم يأتون بالرسالة الروحانية في الظاهر ولكن هناك علاقة وطيدة بين الأمور الثلاثة المذكورة. إن الكمال في الروحانية لا بد أن يتضمن تصحيحًا للأخلاق. والمحافظة على الأخلاق لا بد أن يشمل تصحيحًا للمادية، ولكن مَن كانت أمور دنياه سليمة فلا يعني بالضرورة أنه أحرز كل شيء؛ وليس ضروريا أن من يحقق رقيًّا في الدنيا تكون أخلاقه سليمة أيضا، ولا يلزم أن مَن كانت أخلاقه سليمة أن يكون دينه أيضا صحيح. والسبب في ذلك هو أن الله تعالى يريد أن يرجع إليه الإنسان، وهذه هي غاية خلقه، لأجل ذلك جعل الله تعالى سلامة الأخلاق والرقي المادي تابعًا للدين، وذلك لكي يتلقّى كل شيء تلقائيا مَن يسعى له. يقول الله تعالى بأن المؤمن الكامل يتلقى جميع أنواع الرقي، أما الذين يهتمون بالدنيا فقط فيقول تعالى عنهم:

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (الكهف: 105)

أي أن جميع جهودهم تضل في الفوز بالدنيا. ضرب المصلح الموعود مثالا له فقال: كأن مَن يقبل الروحانية -أي يأتي من الأعلى إلى الأسفل- يجد سُلّمًا، أما الذي يريد أن يصعد من الأسفل إلى الأعلى فلا سلّمَ له.
فثبت أن في الدنيا وسائل مختلفة لتحقيق هذه الأمور الثلاثة، ولكن هناك وسيلة تحرَز بها هذه الثلاثة كلها، وهي العلاقة الكاملة مع الله تعالى. بالسعي لتهذيب الأخلاق يحرز الإنسان رقيا أخلاقيا، وبالسعي لكسب الأمور المادية يحرز الرقي المادي، ولكن السعي لكل من هذه الأمور تكون نتائجه محدودة في نطاقه فقط، أما الذي يحسن حالته الروحانية فيحرز الأمور الثلاثة كلها. الصحابة لم يكونوا يبايعون على أن يجعلوا الشوارع مفتوحة، أو أن يهتموا بالنظافة أو غيرها من الأمور المادية، بل كانوا يبايعون على شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكان هذا يساعدهم على تهذيب أخلاقهم، وبتحسين أخلاقهم كانوا يحرزون الدنيا أيضا. لقد بلغوا من الصدق حتى صاروا نموذجا للصدق، وكانوا أمناء بحيث كان أهل الدنيا يضعون تجاراتهم في أيديهم بلا خوف، وكانوا عادلين مع الرعايا بحيث كان الناس يريدون أن يحكمهم المسلمون. في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه اضطر المسلمون للخروج من مدينة في الشام لعدم قدرتهم على الصمود أمام الجيوش الرومانية الكثيرة، فكان أهل المدينة يبكون عند خروجهم ويصرون عليهم ألا يغادروا مدينتهم وأنهم سينصرونهم ويقاتلون العدو معهم، وذلك مع أن أهل الشام هؤلاء كانوا مسيحيين كما كان الرومان مسيحيين، ولكن حسن أخلاق المسلمين وحسن حكمهم جعلهم يستعدون لنصرة المسلمين ضد الرومان الذين كانوا إخوانهم في الدين.
فمع أن المُلك شيء مادي، ولكن مُلك المسلمين لم يكن ماديا. لقد نالوا الحكم بفضل الدين، وكانوا يديرونه وفق أحكام الدين، ولذلك تحلّوا بهذه المحاسن والمزايا حتى إن رعاياهم المسيحيين كانوا يريدون استمرار حكمهم وملكهم عليهم. لا شك أن المسلمين نالوا الحكم بفضل شهادتهم أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، إلا أنهم لم ينالوه بمجرد ادعائهم هذا بلسانهم فقط، وإنما بفضل صدقهم في إيمانهم، لأن الذي يقوم بهذا الادعاء باللسان فقط يفقد الدنيا أيضا، أما الذي يتبع الدين الحق حقا فتتحسن أخلاقه وينال الدنيا أيضا. ليت الحكام المسلمين المعاصرين يدركون هذا الأمر، فيديروا الحكم على هذا النحو.
يقول حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه: كان المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يقصّ علينا قصة تاجر تبيانًا لضرورة إنشاء علاقة قوية مع الله تعالى، فكان يقول: ترك تاجر أموالاً طائلة عند قاضي المدينة قبل خروجه في سفر على أن يستلمها منه عند العودة، ولما عاد من السفر سأل القاضي كيس أمواله، فأنكر القاضي أن عنده أية أمانة له وقال إني لا أحتفظ بأية أمانات للناس، فعن أي كيس تسأل وأي أمانة تطلب؟ فذكر له التاجر علامات كثيرة للكيس ولكنه ظل ينكر وجود أية أمانة له عنده. فأصاب التاجر قلق كبير، وأخيرا أشار عليه البعض أن الملِك يجلس للناس في يوم كذا وكلُّ واحد من الرعايا يمكن أن يبلّغه شكواه، فاذهبْ إليه وارفع إليه شكواك. ففعل، ولكنه لم يكن يملك أية بينة، فقال له الملك لا أستطيع مؤاخذة القاضي بدون بينة. ثم دلّه الملكُ على حيلة وقال سوف أخرج في موكبي في المدينة في اليوم الفلاني، فقُمْ في الطريق بالقريب من القاضي بين كبار القوم الذين يكونون في استقبالي، وعندما أمرّ بك سأتكلم معك غيرَ متكلف، وعليك أيضا أن تتكلم معي كصديق غير متكلف بدون خوف ولا تفكر بأني ملِك، وسوف أقول لك لماذا لم تقابلني منذ مدة طويلة، فعليك أن تقول لي في الجواب كنتُ في سفر أولا، ولما رجعت من السفر ذهبتُ لاستلام أمانة كنتُ تركتها عند شخص، وأنا في خصام معه لأنه لا يعطينيها وأحاول استرداد أمانتي منه. فأقول لك أمام القاضي الواقف بجنبك لم لم تأتني لكي أخلصك من هذا المأزق، فقلْ لي حسنا سآتيكم إذا لم تنحلّ المشكلة. فخرج الملِك في موكبه في اليوم الموعود وعمل التاجر بما قاله له الملك، وجرى بينهما الحوار الذي سمعه القاضي الذي جاء لاستقبال الملك أيضا، ولما رجع الملك جاء القاضي إلى التاجر وقال له كنتَ جئتني يوما وتحدثتَ عن أمانة لك، ولكن ذاكرتي ضعيفة، فهلا ذكرتَ لي بعض علاماتها. فأعاد عليه التاجر العلامات التي كان قد ذكرها له من قبل، وحيث إن القاضي قد رأى معاملة الملك مع التاجر، فلم يلبث أن قال للتاجر: لماذا لم تذكر لي هذه العلامات من قبل. إن أمانتك محفوظة عندي وسوف آتيك بها حالا.

وقد قال النبي مشيرا إلى هذا الموضوع: الدعاء مخ العبادة، أي لا يكتمل إيمان المرء دون الدعاء. إذًا، فقد شبه النبي العلاقة بين العبد وربه بالعلاقة بين الطفل وأمه، أي يجب أن تفرّوا إليه غير آبهين بأيّ شيء سواه.

فما دامت صداقة الملك الدنيوي الذي قوته محدودة جدا يمكن أن تنفع الإنسان بحيث يهابه كبار القوم، فما بالك بصداقة الله للإنسان؟ فكيف لا تخرّ الدنيا على قدمي مثل هذا الإنسان. فباتّباع الدين الحق حقا يمكن أن يحرز الإنسان الدنيا كلها. إن ما ناله الصحابة بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا لم ينالوه باتباع الوسائل المادية، بل نالوا هذه الدنيا باتباعهم للدين، ولكن هذا يتطلب إيمانا حقيقيا يورث رضوان الله تعالى. ومن حاز الإيمان الكامل كيف يمكن أن يتخلى عن الأخلاق الفاضلة. لو تحلى الإنسان بكل شعب الأخلاق لاتصف بكل خصلة محمودة من صدق وأمانة وورع وطهارة وما إلى ذلك، وبالتالي لنال العلمَ والمهارة والذكاء والجدارة والاجتهاد، ولكانت النتيجة الحتمية لذلك أنه يحرز الدنيا أيضا. لذا فعلى المؤمن أن يهتم بالروحانية وإنشاء علاقة المحبة مع الله تعالى، ولا يكون كالذين يرون الكفاية في الإقرار باللسان فحسب، لأن الإنسان لا يحب الله تعالى بلسانه فقط، بل يحبه بقلبه، ولو فعل ذلك صار كل شيء في قبضته. لا يفوز المرء بالإنعام ما لم يبلغ الذروة والكمال فيما يعمل، وفي الدين أيضا لا ينفع الإنسان إلا الكمال وبلوغ الذروة، لذا فعليه أن يسعى لذلك. كان المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يقول لا ينتفع منا اليوم إلا الذي بلغ الكمال والذروة في أمرنا سلبًا أو إيجابا، حيث ينتفع منا المعارضون الذين بلغوا الذروة في معارضتنا مثل المولوي ثناء الله الأمرتسري، أما المشايخ الآخرون الصغار فلا يلوي إليهم أحد؛ أو ينتفع الكاملون في الإخلاص، بينما العلاقة البسيطة معنا فلا تنفع صاحبها. لو أن الإنسان سار إلى الله تعالى للقي منه المعاملة نفسها التي لقيها الأولون. وهذا متيسر اليوم أيضا شريطة أن يسعى الإنسان لذلك حق السعي. إن الله تعالى لا يعادي أحدًا، إنما الحاجة إلى أن نُلقي بأنفسنا أمام الله تعالى كلية، ونخرّ على أعتابه، وعندها سننال كل شيء، وسنحرز الرقي الضروري لنا حتما. فما دام الجالس قريبا من النار تشعر كل أعضاء جسده بالدفء حتما، فكيف يمكن أن يأتي الإنسان إلى الله تعالى تاركا كل شيء ثم لا ينال نصيبا من أفضاله؟ لذا علينا أن نبذل جهدنا للفوز بالله تعالى، وندرك حقيقة الدين الذي أنزله، ونجعل حب الله حبًا فطريا، وهذا ما سيرفع مستوى أخلاقنا، كما نحرز به الرقي المادي أيضا باستمرار. لو سعينا للاقتباس من نور الله تعالى لحظينا بالفيض الرباني فعلا. لو حاولنا الاستنارة بنور الله تعالى بحب وَوَله، لتخلصنا تلقائيا من الكذب الذي هو ظلمة من الظلمات. اعلموا أن الكسل والغشّ وهضم حقوق الآخرين وغيرها من السيئات كلها ظلمات، وسوف نتخلص منها تلقائيا ببركة نور الله، وسوف يرتفع مستوى أخلاقنا باضطراد، ونحرز الرقي المادي أيضا. فإذا كنا نريد أن نحمي أجيالنا من تأثير المادية ونحن نعيش في هذا المجتمع فلا بد لنا من أن نشرح لهم العلاقة بين الدين والأخلاق، ونربطهم بالدين مؤكدين بعملنا أن الرقي المادي تابع للدين الحقيقي. لذا فعلينا بذل الجهد لإنشاء علاقة حقيقية بالله تعالى. وفقنا الله تعالى لذلك.