السِّرَاجُ الوَهَّاجُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ 14 قَرْنًا، أَنَّى لَهُ أَنْ يَنْطَفِئَ؟!

انقضى القرن الرابع عشر على ذلك الحدث الروحاني المهيب الذي تهللت له أسارير الخليقة بأسرها، حين بُعِثَ في ديار العرب ذلك النبي الذي قَدَّرَ الله تعالى أن يتم على يديه إخراج الجنس البشري من الظلمات إلى النور، وأن يُقضى بمساعيه المشكورة على الشيطان في الزمان الأخير. وعندما ننظر إلى العالم اليوم كيف التقى أدناه بأقصاه، فإننا لا نجد بدا من الإقرار بأن هذا العالم الشاسع بات كقرية صغيرة، وأن أممه الشتيتة بالأمس قد صارت أمة واحدة اليوم. ومن يراجع التاريخ يدرك تمام الإدراك أن ذلك الاندماج المبارك في بوتقة الأمة الواحدة قد بدأ بمبعث حضرة سيدنا محمد المصطفى [SAW] الذي أصبحت امبراطوريتا الفرس والروم المتناحرتان دولة واحدة في ظل خلفائه الراشدين y، فبتأثير تلك القوة القدسية لذلك النبي الأمي فقط تغير وجه العالم، وأخذ في الاتجاه نحو فكرة الاندماج في أمة واحدة تجمعنا اليوم على تنوع عقائدنا وألواننا وأعراقنا وألسنتنا، تماما كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها جميعا على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ومستوياتهم. فالواقع الآن جدير بالاحتفاء بعصر جديد يدرك فيه كل فرد من العائلة العالمية قرابته بالأفراد الآخرين مهما تباعدوا عنه مسافة وثقافة، فالأم واحدة، والأمة واحدة.

ومن جميل الموافقات ترافق احتفاء المجتمع الدولي بيوم المرأة، الابنة، والزوجة، والأم، تزامنا مع احتفاء الجماعة الإسلامية الأحمدية بيوم المسيح الموعود [AAS] الذي وافق أخذ البيعة الأولى لحضرته [AAS] في الثالث والعشرين من مارس/آذار عام 1889م، في مدينة لدهيانة بالهند، والتي عبـَّر عنها حضرة خاتم النبيين [SAW] في نبوءته الشهيرة ب «باب لد»، أو «باب اللد الشرقي» إشارة إلى بعث المسيح الموعود [AAS] في آخر الزمان، وإيذانا بقتل الدجال في عقر داره، حيث معقل إرساليات التنصير في شبه القارة الهندية.. من هنا كانت البيعة الأولى للمسيح الموعود في تلك المدينة، والتي تقدم لها أربعون من أوائل المؤمنين، إعلانا لميلاد جماعة المؤمنين الثانية، التي هي الحاضنة والأم الروحانية لهم والمدافعة عنهم مقابل هجمات الدجال وذريته.

 وذلك التزامن في الاحتفاء بالمناسبتين سنلمح وميضه على صفحات «التقوى» لهذا الشهر.

وعدد هذا الشهر إذ يحتفي بيوم المسيح الموعود [AAS] فإنه في الحقيقة لا يحتفي إلا ببركة خاتم النبيين [SAW] وتأثير قوته القدسية، والتي كان من مظاهرها بعثته الثانية في الآخرين، حين تقاربت بالفعل النفوس وزوجت، فكانت أمة واحدة لا يمكن لنبي هدايتها إلا إذا كان هو النبي الأمي [SAW] نفسه ووفي عصرنا الحالي تلميذه وخادمه المخلص المسيح الموعود [AAS].

وبين يدي القارئ العزيز هذا الشهر باقة منتخبة من المواضيع القيمة والمنظومة كلها في سلك دقيق واحد، فخطبة الجمعة لحضرة أمير المؤمنين يتحدث فيها حضرته عن القوة القدسية لحضرة سيدنا محمد خاتم النبيين [SAW]، تلك القوة التي كان من آثارها المشهودة استخراج المعدن الثمين من نفوس العرب التي كانت كأراض أجادب قاحلة قبل بعثته [SAW]، فيقدم حضرته نماذج من سوانح الصحابة تشهد على ذلك التغير الإيجابي الحقيقي الذي يشهد بدوره على صدق من تسبب فيه. ثم نطلع على باقة من المقالات التي تلمس إحدى المناسبتين أو كلتيهما معا، فنقرأ معًا مقالا عن الصحة النفسية وكيف أن المسلمين كانوا رواد العالم في هذا المجال الطبي، وكيف أن القرآن المجيد قد أولى العلاج النفسي أهمية بالغة، كونه شفاء لما في الصدور، كل هذا لا يمكن عزوه إلا إلى تأثير قوة النبي القدسية وبركة بعثته [SAW].

ثم ندلف إلى مقال يتناول فيه الكاتب دور الأم كحاضنة مادية في تكوين الفرد السوي، وفي المقابل دور الجماعة والخلافة بوصفها حاضنة روحانية للمؤمنين في تكوين المجتمع والعالم السوي. كذلك لا يفوتنا في فسحة اللغة لهذا الشهر أن نلقي المزيد من الضوء على فكرة «النبي الأمي» وكيف أنها من العمق والسمو في آن مَعًا، بحيث يظهر لنا بعد جميل جديد من أبعادها. هذا بالإضافة إلى المزيد والجديد من الأبواب الثابتة الأخرى التي تشكل في مجموعها وجبة علمية وروحانية متكاملة تكون زادنا الثقافي حتى نلتقي وإياكم مجددا في الشهر القادم وعدد جديد من مجلتكم «التقوى» الغراء.

ندعو الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن نكون من واصلي أرحام تلك الأمة الواحدة، فنري بأم أعيننا تلك الأمة الواحدة الحقيقة الناصعة لذلك النبي الأمي [SAW].. آمين، ثم آمين.

Share via